Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abdelmunsif el-Bouri
الكاتب الليبي عبدالمنصف البوري

Sunday, 10 December, 2006

تـفعـيل الارادة الشعـبية

عـبدالمنصف البوري

إن كل يوم يمر على الشعب الليبي في ظل حكم القذافي يشعر فيه بأنه أمام طريق مسدود، وإن افاق التغيير والاصلاح والتطور، لا وجود لها في الحاضر، فالاوضاع القائمة لا تبشر سوى بمزيدا من عدم الاستقرار السياسي، والتخبط الاقتصادي، واستشراء الفساد، والتدهور الاجتماعي،وغياب الامن، فضلا عن أن ملامح المستقبل يكتنفها الغموض وإنعدام الرؤية.

وفي ظل هذه الصورة القاتمة قد يسأل البعض:

هل يمكن لأي شعب من الشعوب أن يقف موقف المتفرج من كل ما يدور ويجري حوله من وقائع وأحداث؟

هل يقف الشعب الليبي مكتوف الأيدي وهو يرى يوما بعد يوم إستمرار القمع وإستشراء الفساد والنهب والسطو على مقدراته، دون أن يستطيع أن يوقف ذلك أو يمنعه؟

وهل الاستسلام للأمر الواقع، بكل عيوبه وتشوهاته، مصدره العجز أم الشعور بعدم القدرة على التأثير في هذا الواقع؟

وهل السلبية التامة من قبل غالبية الشعب الليبي هي تعبير عن حالة نفسية أساسها ومصدرها فقدان الأمل والأحساس بإستحالة القيام بعملية التغيير أو حتى المشاركة فيها؟

هل يتوقع من يقع عليهم الضرر ويعيشون في رحم المعاناة اليومية أن تحدث معجزة، أو يصل بطل أسطوري ليقوم بعملية التغيير؟

وهل المجتمع الليبي أصبح الأن عاجزا عن أي مقاومة بعد أن تم إستعباده، وتهميش وعيه، وتفكيك أوصاله وحركته عبر القمع المتواصل والاستبداد الذي ضرب كل الأشكال التنظيمية، ونزع القدرات السياسية الجماعية وخنق المبادرات الشعبية؟

إن الاجابة على هذه الأسئلة لن تكون صعبة اذا قرأنا الواقع قراءة صحيحة. فالاعتقاد بأن الشعب الليبي كان متفرجا ووقف مكتوف الايدي إزاء الاوضاع المتدهورة والمتردية بإستمرار لا يتوافق مع الحقيقة وفيه الكثير من التجني. قدم هذا الشعب، وعلى إمتداد حكم القذافي، العشرات من ابنائه بل المئات من الشهداء والسجناء السياسيين من أجل التصدي لممارسات السلطة وسياساتها القامعة. ورغم وقوع الكثير من الضرر على هذا الشعب، وإستمرار معاناته اليومية على كل الجوانب والمستويات فانه يرفض أي تدخل أجنبي في شئونه الداخلية، وهو لا ينتظر وصول بطلا أسطوري. الامر الذي يعكس إحساس الليبين القوي بتماسك منطقهم الوطني الرافض للتدخل الاجنبي وحرصهم على رؤيتهم هذه.

إن الوعي بضرورة التغيير لدى غالبية الشعب الليبي لا يتأتى الا من خلال تفعيل الإرادة الشعبية باعتبارها خطوة مهمة لابد منها. وإن عدم تفعيل الإرادة الشعبية حتى الان تفسره المحاولات البطيئة في داخل الوطن وخارجه لإنضاج الظروف الموضوعية التي تتطلبها.

فالإرادة هي العزيمة الصلبة والحرة التي تقف وراء أي عمل يراد إنجازه، وهي ايضا الروح التي تقف خلف المشاعر القوية التي لا تنكسر في أي مواجهة، كما أن الإرادة هي الدافع والمحرك الذي يحرك الانسان للقيام بعمل ما، بناءً على منظومة من القيم والمبادئ، التي يؤمن بها ويسعى لتحقيقها ومن ثمة ، يتصدى للدفاع عنها في مواجهة الاخطار المحيطة أو ما يتهدد هذه القيم.

والارادة الشعبية كانت حاضرة بإستمرار، حتى وان تمثلت في مواقف قطاعات منه سواء من خلال المحاولات المتكررة للمؤسسة العسكرية " الجيش الليبي"، أو مواقف الحركة الطلابية في السبعينيات، فكلاهما قدم العديد من الشهداء، وكذلك دور بعض اساتذة الجامعات الليبية والمدرسين، وعدة مجموعات إسلامية وبعض أئمة المساجد، وأيضا دور عدد من رجال الفكر والصحافة وشخصيات وطنية سياسية وحزبية ورجال أعمال،فضلا عن مواقف بعض النقابيين.

كما انه لا يمكن وصف مواقف الشعب الليبي بالاستسلام والشعور بالعجز وعدم القدرة على التغيير حتى وان إتخدت هذه المواقف صورة السلبية التامة، فالمواقف السلبية التي ابداها الليبيون عموما بعدم المشاركة في "مؤسسات" وأطر وأجهزة السلطة أو ضعف المساهمة فيها، وعدم القبول والتفاعل والتناغم مع الشعارات والاطروحات والسياسات والبرامج، لهي أكبر دليل على عدم الاستسلام للواقع الظالم حتى ولو اعتبرت هذه "السلبية" في نظر البعض بأنها أضعف حلقات المقاومة الشعبية.

أما الحديث عن السلبية التامة بسبب إحساس الليبين بفقدان الأمل وعدم القدرة على التغيير فهو لا يعدو أن يكون تعبيرا عن ضعف الوسائل المتاحة أمامهم الأن للمشاركة في عملية التغيير، وغياب القيادات والرموز في داخل الوطن التي تحفزهم على تفعيل الارادة الشعبية.

إن الادعاء بأن الشعب الليبي قد أصبح عاجزا بالكامل عن المقاومة أو تفعيل إرادته لتنطلق بشكل حركي في غضبة شعبية تدحضه أحداث 17 فبراير 2006 في كل من بنغازي وطبرق ودرنة والبيضاء والابيار والمرج. كما ان هذا الادعاء، لا يلتفت الى الخصوصية الليبية التي شكلتها ظروف تاريخية عديدة ومعطيات جغرافية باعدت بين المدن ومنعت تفعيل الارادة الشعبية في كل أنحاء البلاد في آن واحد، ومع ذلك نؤكد أن هذا الشعب لا يبدو عاجزا عن تعبئة نفسه سياسيا لكي يقاوم نظاما فرديا فوضويا قبليا ظالما متى توفرت ظروف الحراك السياسي أمامه.

وفي ظل الأوضاع التي تمر بها ليبيا الأن تصبح الحاجة ملحة لتفعيل إرادة شعبية جامعة تترفع عن التعصب القبلي وتبتعد عن الجهوية، وتسعى لتحويل هذه الإرادة الى ذات فاعلة يتحد فيها ويترابط الشعب الليبي بكل فئاته وقطاعاته.وعندها تصبح أداة حركية هدفها إنتزاع القرار الوطني وإعادة الشرعية الدستورية، وبلورة أجندة نظام الحكم وتأهيله بشكل فعال لخدمة الشعب الليبي.

وبهذا المعنى يصبح تفعيل الإرادة الشعبية انتقال نوعي من مرحلة إستسهال إشاعة اليأس الجماعي، إلى العمل على إيجاد مشروع يهدف لتوحيد الشعب في مواجهة التسلط وإعادة بناء الأوضاع الداخلية على أسس من الحرية والشرعية.

تفعيل هذه الإرادة ينبغي أن يتصدى لتحقيق مهامها مثقفون وناشطون سياسيون من كل الاتجاهات والاجتهادات، وأساتذة جامعات وقيادات طلابية ومحلية وقبلية، بقصد تأهيل المجتمع ليكون سياسيا مدنيا متجاوزا لكل الإنقسامات والدعاوى القبلية والجهوية وغيرها، وان هولاء جميعا هم أقدر الناس معرفة بهذا الشعب وإدراك للواقع الليبي ورصد مختلف تعقيداته.

ولا شك أن المثقفين في أي مجتمع هم شركاء أساسين في بناء صروح مجتمعاتهم وتقديم الرؤى المستقبلية. فهم أصحاب مشاريع تنويرية وقيادية تتجاوز الأني والسائد وتقاوم وتواجه، كل ما أقتضى الامر، محاولات التضليل وعمليات الفساد والقهر.

ويبقى الشعب الليبي هو الركيزة الأساسية للفعل التاريخي ويشكل أرضيته وقاعدة إنطلاقه.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home