Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abdelmunsif el-Bouri
الكاتب الليبي عبدالمنصف البوري


عـبدالمنصف البوري

Saturday, 9 June, 2007

 

التواطؤ مع الاستبداد (1)

عـبدالمنصف البوري

لا أحد يشك في أن التاريخ شهد أنظمة استبدادية سيطرت في أمكنة وأزمنة مختلفة، ولكن تشابه الحوادث التاريخية ليس هو من قبيل التشابه الذي يجعل منها أشباهاً ونظائر يمكن قياس بعضها على بعض، بل إن لكل تجربة استبدادية ظروفها وملابساتها وأسبابها وفراداتها أو تأريخيتها. وليس هناك شيء في هذه الدنيا يمكن أن نطلق عليه صفة " ثابت أو قانون أبدي " بل إن مكونات قيام أي سلطة استبدادية أو انتهائها مرتبط ارتباطاً جوهرياً باللحظات التاريخية التي تصنعها والتي أيضاً بالإمكان أن تسقطها .

هل الليبيون متواطئون مع الاستبداد ؟

لا نعنى بالتواطؤ هنا ما يرمي إليه من تآمر كما هو شائع بين النّاس، ولكننا نعنى به القبول بالاستبداد والسكوت عليه ،وهو ما يفيد التوافق معه. وإذا كان الاستبداد لا ينتج إلا ممارسات ظالمة، فهو إذن قمة الظلم .. وسؤالنا هو : هل السكوت على الظلم يعدّ مشاركة في الظلم؟ وهل القبول بالظلم وعدم الاعتراض عليه أو رفض ممارساته يعدّ مساهمةً في الظلم ؟

أسئلة ربّما لا تحمل إجابةً واحدة في الظرف الراهن على الأقل، كما أن الأجوبة ستختلف باختلاف كل من يُطرح عليهم هذا السؤال وهم لا شك أطرافٌ عديدة يختلفون في الرؤى والاجتهادات

قد يكون وقع هذه الكلمات علينا جميعاً ثقيلا وصعباً ، ولكنها الحقيقة التي تجسد نفسها في الواقع الراهن، وهي الحقيقة التي يحاول كل منا أن يهرب منها أو يبرّرها من خلال النظر إليها عبر منظاره الخاص ، لكننا نحن الليبيون جميعاً بدون استثناء مسئولون مسؤولية مباشرة أو غير مباشرة عن وجود الاستبداد واستمراره في بلادنا طيلة هذه الفترة الزمنيّة التي قاربت على أربعة عقود.

إن التبريرات التي يطرحها البعض في تشخيص هذه الحالة تقول : بأنه يجب أن تأخذ في الاعتبار عوامل عدة من أهمها، أن الشعب الليبي في مجمله، ليس على قدر واحد من الوعي والإدراك السياسي، بحجم المأساة والكارثة التي أوجدها ورعاها الاستبداد في ليبيا، رغم فداحة الثمن الذي دفعه أكثر من جيل ومازال يدفعه تحت وطأة هذا الاستبداد. البعض الآخر يرى أن الليبيين ليسوا كلهم على نفس المستوى من القدرة والإرادة الوطنية، لتحمل تبعات وتضحيات التغيير السياسي ومتطلباته ، مما افرز تفاوتا في الجهود والمواقف والتضحيات التي بُذلت ومازالت تُبذل حتى يومنا هذا من قبل القوى الوطنية الليبية وأبنائها في داخل الوطن وخارجه .

في حين يعتقد آخرون أن هذه التبريرات ليست كافية في حد ذاتها كأسباب لوجود الاستبداد واستمراره طيلة هذه العقود .

لا جدال بأن مَهمّة التغيير السياسي ليست بالمَهمّة السهلة أو اليسيرة، وصعوبة مَهمّة التغيير هذه نابعة من الخلل القائم في موازين القوى بين ما تمتلكه السلطة الاستبدادية من إمكانيات وبين إمكانيات الليبيين الرافضين والمعارضين في داخل الوطن وخارجه .

فالمتشبثون بالسلطة ودعاة الاستبداد يمتلكون بأيديهم أدوات البطش والقمع وأجهزته العديدة، فضلاً عن الثروات المنهوبة، والعلاقات التي أقاموها بها على مر السنين ترسيخاً للسلطة الاستبدادية في محيطها العربي والإقليمي وعلى المستوى الدولي .

في حين أن الرافضين والمعارضين لا يملكون سوى إيمانهم بمبادئ وقيم الحق والعدل والحرية، ومطالب إعادة الحقوق المسلوبة للشعب الليبي بإمكانيات إعلامية وحقوقية في غاية التواضع.

وبما أن الاستبداد في ليبيا أصبح حقيقة أساسية وجوهرية يجب أن لا تغيب عنا، وينبغي أن تظل محور اهتمامنا، باعتبار هذا الاستبداد هو مصدر الخطر والعجز والإشكالية التي تقف أمام تطور الحياة بشكلها الطبيعي في ليبيا. إذن فإن المسؤولية لازالت تقع علينا جميعاً ولا يمكن أن يعفينا منها أي شيء ، ولا تبريرها لأي سبب من الأسباب.

فقد كرس الاستبداد القائم ممارسة مطلقة تحكّمت ولا زالت تتحكم في الفكر والواقع ، وكان من نتائجها أن انتهكت إنسانيّة الإنسان الليبي ، وفقد المفكّر الحرّ قلمه وضاعت من المثقف المستنير كلمته بل وفي أحيان كثيرة حياته ، حتى وصل الأمر إلى درجة أن المجتمع الليبي ككل قد هانت كرامتُه وتاه زمامُ أمورِه .

فتحت هذا الحكم الاستبدادي غُيِّب دور المواطن واعترته حالة من الذعر والتخبّط ، بعد أن صُودرت حقوقه وسلبت حريته، واستلب قراره، وتفنن الاستبداد بأجهزته وأدواته المادية والمعنوية في محاولة قتل كل ما في داخل هذا المواطن من قيم الوعي والشعور بالواجب والطموح والتطلّع المشروعيْن نحو مستقبل أفضل كبقيّة شعوب العالم القريبة والبعيدة. وأصبح ينظر إلى المواطن الليبي بأنه مجرد جزء من ديكور سياسي في ما يسمى بمؤتمرات ولجان السلطة الاستبدادية وفي احتفالاتها ومهرجاناتها. وأرادت هذه السلطة الاستبدادية أن يصبح الإنسان الليبي يترقب هباتِها لتعود فتأمره وتستصغر شأنَه وتحدد له دورَه وحدودَه ، وعليه أن يكون مطيعاً ، متزلفا، ا خائفا، طامعاً مستعطفاً، أو ناقماً لا حول ولا قوة له يتوارى عن الأنظار.

لقد أصبحت هيمنة وسلطات وقرارات الحاكم المستبد في ليبيا فوق كل اعتبار، وباسمها جميعا قُدمت العطايا والهباتُ ومُنعت، وشُرد وهُدد وعذب وقتل الأحرارُ والمخلصون ، وباسمها أيضا تمّ تخوين الوطنيين وأصحاب الحقوق وتلفيق التهم لهم دون وجه حق.

حالة الاستبداد هذه اضطرت الإنسان الليبي للاختيار بين أمرين كلاهما مر :

الأول : الرضوخ لإرادة المستبد والاستسلام له ، والعمل للتكيّف مع الواقع الاستبدادي القائم .

الثاني : الابتعاد عن دائرة الاستبداد الجغرافية إلى المنافي الخارجية بحثاً عن إنسانيته وعن كرامته وعن حريته.

أما إذا فكر الإنسانُ الليبي أو انتظم أو خطط ، أو سعى بأي شكل من الأشكال لإحداثِ التغيير ولو كان ذلك بالوسائل السلمية فهو إما مسجون أو مقتول أو مشرد .

هذه الحالة برمتها تعكس أزمة حقيقية وحادة بالنسبة الليبيين ،لأنها قد صادرت ولا زالت تصادر فرصَ النموِّ والتطور الطبيعي للمجتمع الليبي بالصورة التي تمكنه من صياغة واقعه بالوسيلة التي ينشدها شأنه شأن بقية الشعوب والأمم .

ــــــــــــــــــــــــــــــــ
الجزء الثاني سنتناول فيه " ما هو التواطؤ السياسي وكيف حدث " ؟



 

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home