Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abdelmunsif Hafedh el-Bouri
الكاتب الليبي عبدالمنصف حافظ البوري


عبدالمنصف البوري

الثلاثاء 8 يونيو 2010

المصالح قبل المباديء

قراءة في العلاقات الامريكية مع "نظام" القذافي

عـبدالمنصف حافظ البوري

وقع كريستوفر ويلسون مساعد الممثل التجارى الأمريكى لأوروبا والشرق الأوسط، إتفاقية تجارية مع "نظام" القذافى من أجل زيادة التبادل التجارى والاستثمارى بين البلدين، وقد بلغ حجم التبادل التجارى بين ليبيا والولايات المتحدة الامريكية نحو 5 ملياردولارأغلبها فى مجال النفط ، والتصريحات الليبية فى هذا الشأن تقول " إن علاقاتها الاقتصادية مع الولايات المتحدة الأمريكية لابد وأن تصب في مصلحة الطرفين وبشكل متكافىء. كما تقول هذه التصريحات ايضاً، أن العلاقات بين البلدين لابد أن تتطور في كل المجالات السياسية، والاقتصادية وبنفس القدر والأهمية لأن ليبيا تريد أن تؤمن من هذه العلاقات مصلحة شاملة لكل الليبيين. وتدعو ليبيا الأمريكيين إلى تنويع التعاون بين البلدين واستغلال الفرص المتاحة في مجالات النفط والغاز والإسكان وأعمال البنية التحتية وغيرها، وايضا للمشاركة في مشاريع الخطة التنموية في ليبيا التي خصصت 50 مليار لتحديث بنيتها الأساسية ومرافقها العامة "(1) من الواضح أن اهتمامات الادارة الامريكية فى هذه المرحلة سوف تنصب بالدرجة الاولى على الجوانب الاقتصادية والتجارية، والمحافظة على الوضع الراهن فى منطقة الشمال الافريقى بصفة عامة، لتحقيق هدفين اولهما: ضمان استمرار امدادات النفط وثانيهما:عدم فتح بؤر توتر أو صراع جديدة فى منطقة الشرق الاوسط ، فالصداع العراقى والافعانى قد استنزف الكثير من جهد وامكانيات الادارة الامريكية، وبالتالى فإن الحديث عن قضايا حقوق الانسان والحريات فى ليبيا، يصبح موضوعا مؤجلا، أو لا يدخل فى دائرة اهتمامات الادارة الامريكية على الاقل فى هذه المرحلة، وهذا عكس ماكان يعتقده المراهنون على دور جديد للرئيس الامريكى اوباما.

لقد تصور البعض أن التغيرات التى تحدث فى قمة الهرم السياسى الأمريكى بمعنى تغير الرئيس وإدارته ستقود حتما إلى تغيير جوهرى فى السياسة الخارجية الامريكية، وهذا فى الحقيقة غير صحيح لأن التغيير يطال الحركة التكتيكية ولا يطال الحركة الاستراتيجية، فالسياسة الخارجية الامريكية تتمتع بثبات نسبى فى علاقاتها الدولية، أى أن التغير يتم فى طرق ووسائل حركتها التكتكية، آخذة دائما فى اعتبارها المصالح الامريكية بالدرجة الاولى، بغض النظرعن الوسيلة التى تستخدمها العصا أو الجزرة أو كلاهما معا، وباختصار شديد يمكن القول أن مصالح الولايات المتحدة الامريكية تعلوعلى غيرها من الإهتمامات، وكثير من المفكرين واصحاب النظريات السياسية ومهندسى العلاقات الدولية فى الولايات المتحدة الأمريكية، أكدوا على أهمية هذا المبدأ ويأتى على رأسهم هانز مورجنثو، الذى صنف هذه المصالح إلى مصالح أولية وأساسية، ومصالح ثانوية، ودائمة، ومتغيرة، ومصالح عامة ومصالح خاصة، وأوضح سمو مصلحة الدولة على غيرها من الإهتمامات والمطالب، وخلص إلى نفى العلاقة الوطيدة بين السعى نحو تحقيق مصلحة الدولة وبين المثل والقواعد الأخلاقية العامة والمجردة .

وإذا تم استيعاب هذا الفهم، أى "لغة المصالح"، فى حركة السياسة الخارجية الامريكية ولدى غيرها من الدول، فإننا سوف ندرك مدلول تحرك سياسة الولايات المتحدة الأمريكية تجاه ليبيا، فى عهدى الرئيس الامريكى السابق جورج بوش والرئيس الحالى باراك اوباما ستكون واحدة، بغض النظرعن من الذى يجلس على كرسى السلطة والحكم فى ليبيا، فالمصلحة الامريكية وحدها هى التى تدفع فى هذا الاتجاه أو ذاك،. إن هذه المصلحة الامريكية بدأت تتحقق فى أواخرعهد الرئيس جورج بوش، من خلال انصياع "نظام" القذافى التام لكافة المطالب الأمريكية خوفا من العصا، التى كان تأثيرها التدميري أكثر وضوحا فى العراق، هذا التاثير جاء صاعقاً للقذافى مما دفعه ليتحرك بسرعة نحو تلبية المطالب الامريكية والإنصياع لها دون تردد خوفا من نتائج غير متوقعة، وعليه تم تسليم "أسلحة الدمار الشامل" أو ما يعرف بإرهاصات البرنامج النووى الليبي، بدون أى مقابل سوى الحصول على رضى العام سام وشطب إسم "نظام" القذافى من قائمة الأنظمة المساندة للارهاب، وإغلاق معسكرات التدريب العسكرى وايقاف الدعم المادى والتسليحى عن المنظمات والجماعات المسلحة التى كان يأويها القذافى، وجاءت بعدها تسوية حادثة لوكربى والتعويضات السخية، ثم تسوية ملهى لابيل بالمانيا ثم الكثيرغيرها من التسويات والإتفاقيات، بما فى ذلك منح تسهيلات كبيرة وميسرة للشركات البترولية الأمريكية للعودة لاستنئاف نشاطها فى البلاد، هذه كانت حزمة المصالح الامريكية التى تحققت تحت إدارة بوش، ولاينبغي هنا أن نغفل عن الدورالمصلحى البريطانى، وبالذات فى عهد رئيس وزراء بريطانيا السابق تونى بلير، فى اقناع الادارة الامريكية بإمكانية التعامل مع القذافى طالما وعى الدرس العراقى وخاف من العصا ولم يجرؤعلى طلب الجزرة. والحكومة البريطانية بدورها نالت حصتها من الكعكة الليبية، فقد أغدق القذافى عليها بصفقات بترولية واقتصادية / تجارية، وشراء أسلحة ودفع تعويضات.(2)

وبعد استلام الرئيس الحالى باراك اوباما للرئاسة، لم يطرأ تغييرعلى السياسة الامريكية تجاه ليبيا، أي أنها إستمرت على نفس النهج لتحقيق هذه المصالح وربما زيادتها خاصة فى ظل الظروف التى يمر بها الاقتصاد الامريكى والاوربى على السواء، ومن المؤكد أن هناك أيضا اسباب أخرى ذات اهمية خاصة، هى التى تسمح باستمرار هذه العلاقة مع "نظام" القذافى والعمل على تدعيمها رغم جميع الصعوبات غير المتوقعة من "نظام" غير تابث فى توجهاته الخارجية ، ولن يكون النفط بعيدا عنها، فالإدارة الامريكية يهمها الإستمرار فى تأمين الإمدادات النفطية من ليبيا فى ضوء العلاقات المتوترة مع إيران، وبالدرجة الأولى فى حالة تصاعد الأزمة بين واشنطن وطهران، رغم أنها وحتى الآن تقتصرعلى الحصارالأمريكى الأوروبى، وربما المزيد من الحصار بمشاركة كل من روسيا والصين، لكن تبقى احتمالات توجيه ضربة عسكرية من اسرائيل أو الولايات المتحدة قائمة، مما قد يدفع إيران الى اغلاق مضيق هرمز وعرقلة وصول نفط دول الخليج إلى الولايات المتحدة الامريكية، فتبقى ليبيا خطا مفتوحا لهذه الامدادات .

وقد يكون من المنطقى هنا الاشارة الى ملاحظة يجدر التنبيه اليها وهى أن الولايات المتحدة الامريكية، فى تعاملها مع الاوضاع القائمة فى الشرق الاوسط، كانت ومازالت تتعامل مع اأشخاص وليس مع أنظمة سياسية بالمعنى الديمقراطى والدستورى المتعارف عليه، أى مع حكام ورؤساء وقادة يملكون ويتحكمون فى كل شئ فى بلدانهم، وفى غياب تام لمؤسسات حقيقية وفاعلة، وإن وجدت هذه المؤسسات فهى شكلية وهامشية، لا دورلها فى أى قرار فاعل أو سياسة مؤثرة.(3)

تطابق مصلحى أم توافق مؤقت ؟

وفى هذا السياق يبرز سؤال مهم حول خطوات التقارب التى تشهدها العلاقات الامريكية مع نظام القذافى، هل هى حالة من التطابق المصلحى أم التوافق المؤقت ؟

فى الحقيقة يمكن الجزم بأن العلاقات الامريكية مع"نظام" القذافى لا يمكن أن ترقى أو تصل إلى مستوى التطابق، ولعل الدولة الوحيدة التى تكاد تتطابق مصالحها وسياساتها الى حد ما مع الولايات المتحدة الامريكية هى اسرائيل، ثم بمستوى أقل، بقية الدول الأوروبية مع التفاوت فى درجات هذه العلاقات. إذن فهو توافق مؤقت تقتضيه مصلحة الولايات المتحدة فى إيجاد حالة من الاستقرار السياسى، بمعنى المحافظة على الوضع الراهن القائم أيا كان، وليس المقصود بذلك الاستقرار السياسى القائم على اسس ديمقراطية، ولا تقتصر هذه المعاملة على ليبيا وحدها وانما فى منطقة الشمال الافريقى وبقية الدول العربية، ومن هذا المنظور فإن الولايات المتحدة الأمريكية لاتهمها بالدرجة الاولى نوعية الأنظمة السياسية القائمة فى المنطقة اذا ما كانت تسلطية وقمعية، ولا نوعية الزعامات والقيادات إذا كانت فردية وعائلية واستبدادية، ولا يهم الولايات المتحدة فى هذا الشأن أيضا نوعية وتاريخ الاشخاص الذين تستقبلهم الادارة الامريكية وتتفاوض معهم حول المصالح، والدليل على هذه الفرضية هو الزيارة التى كان موسى كوسه يزمع للقيام بها للعاصمة الامريكية، وتم الغاؤها فى اللحظات الاخير من طرفه بسبب الانتقادات التى نشرت فى بعض الصحف الامريكية حول سجله الحافل بالارهاب الداخلى والخارجى ، حتى وان قيل فى تبرير الغاء الزيارةان السبب لارتباطات اجتماع وزراء الخارجية العرب فى القاهرة.

بعض المحللين يعتقدون أن هذا التوجه يكمن فى عقدة الخوف من وصول التيارات الاسلامية الى سدة الحكم، ونجاح هذه التيارات فى ذلك أيٍ فى من هذه الدول قد يقود الى سرعة نجاحها فى بقية الدول، وبالتالى فإن وجود ممارسة ديمقراطية بالمعنى الحقيقى فى المنطقة يعطى الكثير من الفرص لهذه التيارات الوصول الى الحكم، والامثلة على ذلك ليست بعيدة عن الاذهان فى انتخابات الجزائر، وانتخابات غزة، كما أن الاستراتيجية الامريكية لمحاربة ما يسمى بالارهاب التى وضعها جورج بوش بعد احداث سبتمبر الدامية فى نيويورك قد اقحمت العديد من الاطراف ووظفتهم لخدمة هذه الاستراتيجية بطريق مباشر أو غير مباشر لعلاقتها بالامن القومى الامريكى، و"نظام" القذافى كان متعاوناً فى هذا الاتجاة الى اقصى الحدود، ولعل السفير الامريكى فى اللقاء الذى عقده فى العاصمة الامريكية واشنطن فى 4 يونيو 2010، قد عبرعن ذلك بصورة غير مباشرة عندما قال أن عودة العلاقات مع القذافى مرتبطة بالامن القومى . سيف القذافى، غزل واستدراج سياسى وتسويق اعلامى :

وبالعودة الى الوضعية الليبية فإن الولايات المتحدة الامريكية ترى فى بقاء الوضع الراهن، حالة تخدم التوافق المؤقت لمصالحها، وهى لذا تغض النظرعن كل تشوهات وعيوب وحتى ممارسات رأس السلطة و"نظامه "غيرالانسانية وسجله الحافل بالعمل الارهابى فى داخل ليبيا وخارجها، ويعزز هذا الموقف غياب البديل السياسى الملائم لإدارة هذه الدولة الغنية والصغيرة، وغياب القوى السياسية المنظمة فى البلاد، وهشاشة المؤسسات التابعة للسلطة، وسيطرة الاجهزة الامنية على الاوضاع، فقد يكون من المجدى من وجهة النظر الامريكية الاستمرار فى القبول بالامر الواقع القائم، وتمرير ثوريت سياسى يمكن طبخه على نار هادئة حتى يمكن المحافظة على الوضع الراهن، ومن الواضح فى هذا السياق أن عمل ذو شقين يتم الدفع به بطريقة مباشرة وغير مباشرة.

الشق الاول يتعلق بالغزل والاستدارج السياسى، الغزل الذى تسعى من خلاله الادارة الامريكية عبر اجهزتها المختلفة غير الرسمية والاعلامية للرفع من حظوظ سيف القذافى لتولى السلطة، من خلال الاشادة بمواقفه ودوره فى حلحلة القضايا الليبية الشائكة التى تسبب ولده القذافى أو ورط البلاد فيها خارجيا وداخليا، أما الاستدراج فقد جاء فى ثنايا اكثر من مقالة نشرت فى الصحف الامريكية، تصف سيف بانه بعيدا بعض الشئ عن الملعب الامريكى، وأنه لم يظهر أستحساناً بما فيه الكفاية للسياسة الامريكية، هادفة من ذلك دفعه نحو الاجندة الامريكية وتطويعه لتلبية مطالبها، والشق الثانى تسويقى بإتاحة الفرص وفتح الأبواب أمامه باستخدام الدبلوماسية الناعمة، لكسب الرأى العام الاوروبى عبرالقاء المحاضرات فى الجامعات الامريكية والاوروبية (الجامعة الامريكية بالقاهرة وجامعة لندن) والتسويق غير المباشر له فى الصحف الامريكية والاوروبية وتصنيفه فى خانة رجل " التحدايث أو المعاصرة " الذى تلقى جزء من تعليمه فى الغرب وكذلك محاولة عقد مقارنات بينه وبين ابيه فى التعامل مع الملفات العالقة داخليا وخارجياً.

السفير الامريكى فى ليبيا فى اللقاء الذى اشرنا اليه لم يبخل فى عملية تسويق سيف القذافى، حيث تحدث عن دوره فى حلحلة مشكلات ليبيا والعمل من خلال جمعيته الخيرية لتحسين اوضاع حقوق الانسان .

أن مستقبل العلاقات الامريكية مع نظام القذافى قد تستمرعلى هذا النحو لانها قائمة على خدمة المصالح الامريكية بالدرجة الاولى، ومالم تظهر معطيات جديدة أخرى يمكن ان تقنع الادارة الامريكة بتغييرموقفها مما هو قائم الان، فان الوضع سوف يبقى على ما هو عليه الان، ولكن يظل هناك أمراً آخر لايمكن اغفاله ممثل فى التفاعلات الداخلية للافراد أو الجماعات فى البلاد، والى أى مدى يمكن لهذه التفاعلات احتمال عملية التهميش والقبول بالاوضاع التى تزداد تردياً وانحطاطاً يوم بعد يوم، وهذا ما ستجيب عليه ملامح المرحلة القادمة . .
_________________________

1. الجمعية الليبية الأمريكية للأعمال
http://www.us-lba.org/Resources.html
انظر ايضا حول نفس الموضوع الى مجلس ليبي أمريكي مشترك للتجارة والإستثمار
http://www.alarabonline.org/libyatoday/display.asp?fname=\2010\05\05-20\50.htm&dismode=cx&ts=20-5-2010 13:39:54
http://www.libya-al-mostakbal.info/news/clicked/2068
2- سيف القذافى اشار الى دور تونى بلير فى مساعدة أبيه واعتبره مستشار له فى العديد من القضايا والصفقات
3- الادارات الامريكية المتعاقبة فى علاقاتها مع العديد من الدول خاصة دول العالم الثالث تتعامل مع القادة والروساء الدكتاتوريين امثال شاه ايران وماركوس فى الفلبين وساموز فى نيكارجو وغيرهم وبمجرد أن تتغير الاوضاع تقوم التخلى عنهم نهائياً .



Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home