Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abdelmunsif Hafedh el-Bouri
الكاتب الليبي عبدالمنصف حافظ البوري


عـبدالمنصف البوري

الجمعة 6 نوفمبر 2009

الجهوية ومستقبل العمل السياسي في ليبيا (*)

عـبدالمنصف حافظ البوري

لا نريد أن نتتبع تاريخياً متى بدأت أو كيف ظهرت المسألة الجهوية في جانبها السلبي في ليبيا، فذلك مجال لا يختص به المقال، وإنما نريد أن نلقي الضوء على واقع قائم في البلاد سيكون من المحتم التعامل معه بشكل أو آخر، وقبل ذلك قد يكون من الضروري فهمه في إطاره الصحيح.

ورغم ما قد يثيره موضوع الجهوية من حساسية لدى البعض، إلا أن التعامل مع حقائق الواقع على أنها طلاسم أو طواطم لا يجوز المساس بها ولا الحديث عنها وتحليل أبعادها أمر لا ينبغي التسليم به.

فالعنصر الأساسي في تصور أي إستراتيجية فعالة للمستقبل يجب أن يبدأ في رأيي من استقراء الواقع الماثل أمامنا في البلاد والوقوف على كل عنصر من عناصر إشكالياته.

لقد انقسم التوزيع السكاني في البلاد تبعاً للوضع الجغرافي الذي رسمته تضاريس الطبيعة، حيث وجدت ثلاث مناطق أو اقاليم رئيسية هي طرابلس وبرقة وفزان، وتناثرت على رقعة كل إقليم من الأقاليم الثلاثة مجموعة من المناطق والمدن التي انتمى إليها السكان وارتبطوا بها.

وإذا كانت الظروف والعوامل الجغرافية قد أرست الجوانب الديمغرافية في ليبيا، وخلق التباعد الجغرافي- المكاني جهات متفرقة نسبياً في البلاد، وارتبط الناس بهذه الجهات؛ فإن هذا وحده لا يكفي لخلق 'عصبية جهوية' أو 'جهوية متعصبة'؛ فالتباعد الجغرافي أو المكاني بين الجهات والمناطق والمدن، يساعد على تشكيل انسجام سكاني و لغوي طبيعي في كل منطقة على حدة، لكنه لا يقود بالضرورة إلى التعصب الجهوي، لأن ذلك، أي التعصب من صنع الإنسان وحده سواء كفرد، أو الإنسان في جماعة، أو الإنسان كحاكم.

ولو تتبعنا بعض بوادر التعصب الجهوي قبيل فترة الاستقلال، لوجدنا ذلك ماثلاً فيما أثير حول توحيد البلاد بأقاليمها الثلاثة ومبايعة الملك 'إدريس السنوسي' للحكم. فقد ارتفعت أصوات هنا وهناك في كل إقليم من الأقاليم الثلاثة تعارض هذين الهدفين، وإن كان ذلك بدرجات متفاوتة. وقد يبدو المبرر لهذا التعصب هو الخوف من أن أحد الأطراف قد يتمتع بامتيازات على المستويين السياسي والاقتصادي على حساب الأطراف الأخرى، ومع ذلك فقد كان صوت التوحيد أو الوحدة والانتماء إلى الوطن الواحد في الإقليم الثلاثة هو الصوت الفعال والأقدر والأقوى، مما يدل على أن مستوى الوعي السياسي كان أكبر بكثير من دعاوى 'التعصب الجهوي'.

الجهوية في العهد الملكي

بعد الاستقلال؛ كان النداء الجهوي للتعصب ضعيفاً للغاية وإن لم يختف تماماً من الوجود أو الساحة. وقد انصبت الدعاوى الجهوية على محاولة إبراز أي اختلال في مسألة التمثيل السياسي وتوزيع المشاريع الاقتصادية، غير أن النظام الملكي كان حريصا إلى حد كبير على خلق التوازن السياسي والاقتصادي بصورة عادلة إلى حد كبير، على الأقل بالنسبة لإقليمي 'طرابلس' و 'برقة' وبدرجة خاصة مدينتي 'طرابلس' و 'بنغازي'، مع الاعتراف بوجود تقصير فيما يتعلق بإقليم 'فزان' وعدد آخر من المدن والجهات.

إن الفترة التاريخية الممتدة من استقلال البلاد وحتى قيام الانقلاب، يمكن وصفها بأنها كانت تقوم على الخيار التوفيقي التكييفي المعتدل للعوامل الجهوية، ويمكن تحديد خصائص هذه المرحلة على النحو التالي:

أولاً: قدرة النظام الملكي على خلق الشعور بالتكامل والتكاتف الوطني بين كل الجهات، فلا أفضلية ولا أولوية لأي منها على الأخرى.

ثانياً: سعى النظام الملكي لإيجاد لا مركزية إدارية بقدر الإمكان ومحاولة تطوير مختلف جهات البلاد تدريجياً، وإن كان ذلك بدرجات متفاوتة، خاصة بعد أن بدأت عائدات النفط تتدفق على البلاد.

ثالثاً: توزيع عدد من المشروعات الاقتصادية على مختلف المدن تبعاً لعدد السكان والاحتياجات والإمكانيات التي تخدم هذه المشروعات، وعلى سبيل المثال لا الحصر يمكن الإشارة إلى المشروعات الإسكانية والطرق والمدارس والجامعات والمدن الرياضية والمدن السياحية وغيرها. لقد كانت المسألة الجهوية ذات حساسية خاصة بالنسبة للملك 'إدريس' ومن كان يتولى الجهاز التنفيذي في نظامه، فكان الابتعاد عن القضايا التي يمكن أن تثير هذه المشكلة هو الخط العام الذي اختطه النظام الملكي لنفسه، وللتدليل على ذلك انه عندما جرى التفكير في إقامة عاصمة إدارية للبلاد بعيداً عن ضجة المدن الكبرى (طرابلس وبنغازي)، واختيرت مدينة (البيضاء) بالجبل الأخضر لتكون العاصمة الإدارية، ظهرت عدة اعتراضات على هذا الاختيار، فقرر النظام الملكي عدم إعلان عاصمة البلاد حتى لا يفسر بأنه يعطي أهمية أو أولوية خاصة لهذه الجهة على غيرها.

الجهوية في عهد القذافي

لقد أدخل نظام القذافي المجتمع الليبي في أزمة بنيوية عميقة وطويلة المدى، وهي لا تفهم من خلال تفسير واحد، فهذه الأزمة لها أبعاد اجتماعية واقتصادية تفوق في الأهمية أبعادها السياسية، ولعل السؤال الذي يبدو أكثر أهمية بالنسبة للمسالة الجهوية ومستقبل العمل السياسي هو: هل 'استمرار النظام' القائم يمكن أن يؤدي إلى خلق التجانس الجهوي والاستقرار الاجتماعي بالنسبة للمجتمع الليبي، أم أنه يؤكد التباين والتباعد السلبي بين مختلف الجهات والمناطق؟

في هذا السياق يمكن الإشارة إلى أن الخلل الأول بدأ من محاولات القذافي ضرب الجهات والمناطق والمدن بعضها ببعض، عن طريق إثارة سكان الدواخل والمناطق النائية في البلاد على سكان المدن من خلال ايهامهم بالوضع المتميز أو التمييزي الذي يتمتع به سكان المدن وخاصة مدينتي طرابلس وبنغازي، وتضخيم حالة الحرمان والبؤس التي عليها مناطق الدواخل والقرى والمناطق النائية، ووصف سكان المدينتين الكبيرتين بـ'برجوازيي المدن' الذين استأثروا بثروة البلاد، بحيث يتم خلق حالة متأصلة من النفور والعداء والحقد، ومن ثم بناء حاجز نفسي معادي بين لحمة المجتمع الليبي ككل، ويمكن في هذا المجال العودة إلى خطابات القذافي وتصريحاته الرسمية ضد عدد من المدن منها طرابلس ومصراته وبنغازي وغيرها.

وتمثل الخلل الثاني في حدوث خلخلة في التركيبة الاجتماعية للمجتمع الليبي من حيث درجة التماسك من جهة ومن حيث الشعور بالانتماء إلى مجتمع واحد من جهة أخرى، وذلك بسبب فتح أبواب البلاد أمام غير الليبيين للتجنس بالجنسية الليبية بطريقة غير موضوعية أو علمية أو حتى قانونية.

هذه السياسة ترتب عليها وقوع سلسلة من الأحداث المؤلمة والجرائم من جراء تصرفات بعض الوافدين، وقد دفع المجتمع الليبي من مختلف المناطق والمدن ثمناً باهضاً لها. ثم كانت النتيجة شعور الناس باختلاط المجتمع بعناصر خارجية أوجدت لديهم الإحساس باختلال الأمن والطمأنينة وانعدام الثقة وتفكك التماسك الاجتماعي، فعادوا للانكفاء على الذات الجهوية بحثاً عن الأمن والأمان، ولكنهم في الحقيقة كانوا يضعفون الشعور بالانتماء إلى المجتمع الواحد والوطن الواحد ويدعمون الجهوية.

أما الخلل الثالث، فقد برز من خلال التوزيع غير العادل للمشروعات الاقتصادية، وما كان يسمى بالمشروعات الإنتاجية والتعميرية بين المناطق والمدن والجهات الليبية، حيث جرى تركيز قد يفوق المطلوب أو غير مطلوب أصلاً في بعض المناطق دون غيرها، كالمنطقة الوسطى وعلى وجه الخصوص في سرت.

لقد تم حرمان عدد من المدن والمناطق من بعض الخدمات، التي يأتي على رأسها الخدمات الصحية والتعليمية والصيانة في مختلف المجالات وخدمات النقل العام والمطارات والمشروعات العمرانية، وقد نتج عن هذه السياسات غير المتوازن الإحساس بتعمد النظام إعطاء أهمية لبعض المناطق والمدن والجهات، وإهمال غيرها مما دفع باتجاه تنمية العداء الجهوي وبروزه في مظاهر تعصبية مختلفة.

الخلل الرابع، تمثل بصورة مضاعفة في تعمق الإحساس بالتمايز عندما لجأ نظام القذافي إلى المركزية الشديدة، فنقل مقار الإدارات والمؤسسات الحكومية، والشركات المحلية والأجنبية، وشركات الطيران، ومكاتب السفارات الأجنبية والعربية، وكافة الدوائر ذات الصلة بالجمهور العام بما في ذلك المعتقلات والسجون السياسية، وتم تركيزها في جهة واحدة أو بالأحرى في مدينة واحدة هي 'طرابلس'، التي عانى سكانها من ضغوط هذه المركزية الشديدة على مستوى المياه والسكن والنقل العام والخدمات بصفة عامة. أما بقية السكان في المدن الأخرى؛ فقد كانت معاناتهم شديدة والمشاق التي يتحملونها تفوق في أحيان كثيرة قدرتهم، فكان المواطن القادم من 'طبرق' أو 'سبها'، على سبيل المثال: يتكبد أعباء لا يمكن تقديرها على المستوى المعنوي والمادي (الفنادق مزدحمة أو غير متوفرة، المطار لا يستوعب حركة الركاب الذين يقضون الأيام الطوال لكي يتم سفرهم، والنقل البري العام غير منظم). وقد أدت هذه المركزية إلى التباطؤ في إنجاز معاملات ومهام الناس مما اضطرهم إلى استخدام الوساطة والمحسوبية والرشوة كوسيلة وحيدة لإنجاز ما جاءوا من أجله من مسافات بعيدة.

الجهوية والعمل السياسي:

ترتبط الجهوية بمسألة الهوية الوطنية، بمعنى انها ترتبط بعنصرين مهمين وهما الانتماء والمواطنة، وبالتالي فان زيادة التركيز على التمسك المفرط بالمسألة الجهوية يؤدي الى أضعاف عنصري الانتماء والمواطنة في اطار الهوية الوطنية الواحدة.

والانتماء هنا يعني الانتماء الى وطن واحد لافرق فيه بين جهة جغرافية واخرى، دون ان يمنع ذلك من يحب الفرد الجهة التي ولد أو نشأ فيها، وكذلك عاش طفولته وتربى وترعرع في أحضانها، وان يسعى لتطويرها وتقدمها وكل ما من شأنه أن يساعد على نهضتها، ولكن عندما يتعلق الامر بالمصلحة والوحدة الوطنية، والامن الوطني كحقيقة بشرية، لايجوزأن يتعرض كيانه كتكامل وطني وكجسد سياسي محدد بوعاء جغرافي معين، لأية مخاطر تفتيية بأي معنى جهوي يجعل من الجهوية اهم من الانتماء الى الوطن كوحدة واحدة.

المواطنة في جانب مهم من جوانبها هي ايضا مرتبطة بالاحساس والشعور بالمسؤولية الجماعية تجاه الاخرين، الى جانب المسؤولية تجاه النفس ثم الجهة، فالمواطنة تعني المشاركة وتحمل الاعباء مع بقية ابناء الوطن في كل ما يخصهم وما يتعرضون له من محن ومصاعب، أوسلب للحرية و ظلم وعسف وقمع و مكاره، أو من استقرار ورفاهة وعدل وحرية.

وإذا كانت هذه بعض جوانب الخلل وليست كل الجوانب؛ فإن نظام القذافي من هذه الزاوية يؤكد أنه لا يريد إيجاد التواصل ولا الانسجام والتناسق الجهوي بين أنحاء البلاد؛ لأن مسائل الأمن والخوف من اختلال موازين القوى الفعلية لغير صالحه تشكل أهمية تفوق أهمية المجتمع الليبي في تماسكه ووحدته.

إن القضية الأساسية بالنسبة لإثارة هذا الموضوع تكمن في البحث عن سبل المناعة القوة، وليس هناك من سبيل في نظري للتخلص من الجوانب السلبية للقبلية والجهوية سوى الالتقاء حول المبادئ والقضايا والبرامج . ذلك اللقاء الذي يجعل سكان ليبيا جميعاً، سواء من هذه القبيلة أو تلك، أو من هذه الجهة أو غيرها، كتلة واحدة لمواجهة الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي المؤلم والمتأزم القائم الآن في البلاد، ومن ثمة محاولة تغييره للأفضل.

القضية إذن هي قضية الغد والمستقبل قبل أن تكون هذه القبيلة أو تلك الجهة. فالاختلاف الجهوي والتركيبة القبلية للمجتمع كلاهما شيء طبيعي ومشروع، وأمر يفرضه الواقع الجغرافي والسكاني السائد في البلاد، وجوانبهما الإيجابية تفوق جوانبهما السلبية إذا أحسن التعامل معها. كلاهما يقود إلى التنوع الذي يؤدي بدوره إلى الإبداع والتنمية والتطور.

إننا إذا استطعنا أن نتحرر من الحساسيات القبلية والجهوية في رؤانا واستشرافنا، واتجهنا بالتالي نحو قضايا الحاضر والمستقبل، نواجهها بروح نقدية تنطلق من اعتبار المقاصد والغايات السامية، فإننا نستطيع أن ننجز الكثير.

وأخيرا، إننا لسنا بحاجة لأن نختتم المناقشة حول أي من القضايا المطروحة بل نحن بحاجة إلى أن نناقشها على أوسع مجال، كما أننا لسنا بحاجة لأن نعطي إجابات أو أجوبة سريعة ترضي أنفسنا، وإنما نحن بحاجة إلى أن نطرح ونعيد طرح القضايا والأسئلة لفهم أوضاعنا فهماً صحيحاً ونعالجها بالطرق الموضوعية التي تحقق مصلحة الجميع في وطننا ليبيا.
___________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال بصحيفة القدس العربي ، 06/11/2009


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home