Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abdelmunsif el-Bouri
الكاتب الليبي عبدالمنصف البوري


عـبدالمنصف البوري

Wednesday, 5 December, 2007

     

الإستبداد الداخلي والإرهاب الخارجي (1)

عـبدالمنصف البوري

الجزء الأول

الإستبداد والإرهاب دائرة مفرغة، أصبح حلم حياتنا كأفراد وكشعوب أن نخرج منها ونكون بمنأى عنها، فهذه الدائرة المفرغة لها ألف وسيلة وذراع وألف امتداد وشاهد. دائرة متشعبة كخيوط العنكبوت من الصعب الإمساك بجوانبها كلها، بل كل جانب منها يكشف عن جملة من الظواهر والأسباب والملابسات والنتائج، بحيث يمكن القول أنه من الممكن أن يقف الإنسان عمراُ بكامله ولا يصل الى الإحاطة بعناصرها كلها، وهذه المقالة لا تتجاوز الحقيقة ولكنها تحاول أن تلقى الضوء على جزئية منها، تتعلق بطبيعة العلاقة القائمة بين الإستبداد الداخلى والإرهاب في الخارج ، في ظل الحالة الليبية. مستندة في ذلك على النتيجة التي يقود اليها "منهاج" الفوضوية والعداء والرفض لمبادئ الشرعية والمشروعية على المستويين المحلي والدولي، والى الأرتباط الوثيق الذي يحدد مسار السياسات الداخلية والخارجية، واعتمادها بالكامل على صانع قرار واحد، ومستندة أيضاُ الى النظرية القائلة بأن الممارسات الخارجية لأي نظام سياسي أو دولة لايمكن أن تكون إلا نتاجاُ طبيعيأ له، ولحقيقة ممارساته الداخلية.

أولا : لماذا لجأ القذافي الى الإستبداد في داخل البلاد وممارسة الإرهاب خارجها؟

إن البحث عن السبب هو الهدف الرئيسي لفهم دوافع ومغزى الممارسات التي يقوم بها "نظام" القذافي، وليس من الغريب أن كثير من المحللين والمتابعين لما يحدث في ليبيا، قد لجأوا الى طرح هذا السؤال منذ البداية دون أن يتيقنوا بدقة من مصدر وحقيقة الدوافع والأسباب، وهي التى أكتنفها في كثير من الأحيان الغموض والتناقض، ولعل مصدر هذا الغموض والتناقض يعود الى درجة الخلط القائم بين إيعاز هذه الأسباب الى الأجهزة ومؤسسات السلطة والعاملين فيها، وبين اسنادها الى سلوكيات الحاكم نفسه.

إن البحث في هذا الأمر يوضح بدون أي درجة من الشك، أن سلوكيات الحاكم هي المسئولة بالدرجة الأولى عن ذلك، وأن الأفراد والأجهزة والمؤسسات - مع عدم الإقرار بإخلاء مسئولياتهم بالكامل - ماهم إلا ادوات أستخدمت في القمع والإستبداد الداخلى والإرهاب الخارجي، وفي هذا المجال تزودنا النظرية السلوكية في علم السياسة بعدد من المفاتيح لفهم الأسباب والدوافع للإجابة على السؤال القائم:

لماذا لجأ القذافي لهذه الممارسات؟

هناك حقيقة ينبغي الإشارة اليها أولاُ وهي تتعلق بشخصية القذافي السيكولوجية، أى النفسية، وسلوكه المترتب عليها، فالشعور بعدم القدرة على تحقيق الذات قد أوجد لديه مركب نقص أو عجز، اعتقد بأن تعويضه يتم من خلال شعوره بالقدرة على التاثير في الآخرين أفراداُ أو أنظمة، كما أن الحاجة الى الوصول الى مكانة عالية داخل المجتمع، وفرض تصوراته على الآخرين وتحقيق القوة والسيطرة عليهم، تظهر في التعبيرعن رغبته في السلطة دون تحمل مايترتب عليها من مسؤوليات.

ومن جانب آخر، فإن نمو السلوك غير المتطابق أو غير المتوافق مع بنيته الذاتية في المراحل الأولى من العمر، قد زادت من شعور القذافي بالعجز والقلق، فهذا العالم من حوله - كما يعتقد - يدفعه الى أن يكون إما ضد الغير أو مع الغير أو الإنسحاب بعيداُ عن الكل، وعلى هذا الأساس يكون السلوك العدائى ضد الغير أسلوب توافق للقلق، وممارسة الإستبداد والإرهاب وسيلة لخفض التوتر نتيجة شعوره باالعجز أمام العالم الذي يراه مليء بالعداء. إن عدم قدرته على التمييز بين الأشياء التى تنتمي اليه وما ينتمي الى الآخرين في البيئة المحلية أو الدولية، وإدراك المعايير والقيم الإجتماعية بصورة محرفة قد نتج عنه تكوين مفهوم سلبي للذات غير متطابق مع الذات الواقعية.

وأصبح تحقيق الذات بالنسبة للعقيد القذافي مرتبط بممارسات يعتقد أنها يمكن أن تنمي لديه الإحساس بالقوة والتفوق والتزود بالشعور بالمكانة والعظمة... ومن هنا كانت الألقاب والتسميات مثل القائد، والملهم، والثائر، والقائد العظيم، والقائد الأممي، وقائد ثورة الفاتح العظيم، والمعلم، والمهندس. إن هذا الشعور الذي تولده مثل هذه التسميات والألقاب لا يعدو أن يكون إلا تعبيراً عن النرجسية التي يعرفها علم النفس، وهي النرجسية التى تجعل كل الأشياء والموجودات تتمحور حول الأنا، وكأن العالم كله ينحصر في الأنا، وحول الذات... وقد ترتب على وجود هذا الشعور المرتبط "بالأنا " اعتقادا جازما بالقدرة الخارقة عن تقديم الأمثل والأفضل من المعايير والأفكار والنظم التي لا يمكن أن يصل اليها أحد، أو يرقى لمستواها شيء آخر مهما كان هذا الشيء.

وهذا يعني أن كل ما يصدر عن الغير أفراداُ أو جماعات من قيم ومعايير وقوانين ودساتير وأعراف وأفكار، وكل ماهو موجود من أنظمة ومؤسسات وأجهزة مرفوضة ومحكوم علي تطبيقها بالفشل الذريع، ومن هنا جاء طرح القذافي لما يسمى بالنظرية العالمية الثالثة، بإعتبارها "الحل النهائى" لمشكلات البشرية السياسية، والإقتصادية، والإجتماعية، والسياسية، كما أن تطبيق مايسمى بسلطة الشعب يمثل لديه قمة الإنعتاق النهائي، وكتابه الأخضر كما يراه هو خلاصة فكر البشرية.

ثانيا : رفض الشرعية الدستورية

إن الممارسة الأساسية التى تقود الى الإستبداد والإرهاب أياُ كان موطنه وساحاته يمكن تحديد أحد أهم عناصرها على وجه الدقة في الفوضى، بمعنى ممارسة الفوضى دون حدود أو قيود، وقد أشارت مدارس العلوم السياسية والفلسفية الى الأفكار "الفوضوية" بإعتبارها الفوضوية المعادية للحياة المنظمة كما يرتضيها المجتمع المدني... الفوضوية القائمة على رفض وإلغاء أى شكل من أشكال الضوابط والمحددات والقيود، سواء كانت هذه الضوابط والمحددات دستورية، أو قانونية، أو عرفية، أو إدارية، أو حتى دينية أو أخلاقية، بإعتبار هذه الضوابط والمحددات تنظم وتؤسس للحياة المدنية من جهة، وتضع القيود وتضبط الممارسات غير المنضبطة من جهة أخرى، كما أنها تحول دون قيام أى طرف أو جهة بالتحكم والسيطرة التامة.

وفي غياب أى صورة من صور الضوابط والمحددات والقيود التي تعارف عليها وقبل بسلطتها المجتمع المدني، يصبح كل شيء في المجتمع مباح للقيام بأفدح الإنتهاكات - تحت تسميات وشعارات عديدة - دون رادع من أحد أو خوف من شيء أو بمعنى آخر دون شرعية ودون مشروعية.

والمقصود بالشرعية هنا هو وجود التنظيم العام للسلطة السياسية بناء على أسس دستورية قانونية وبالقدرالذي يخلق مبرراُ عقدياُ لوجود السلطة، ويمثل أهم المحددات لنمط العلاقة بين الحاكم والمحكوم أو بين السلطة السياسية والمجتمع (1)

أما المشروعية فهي تعنى البديل الأكثر إنسانية لقواعد الإكراه والإجبار المادي والمعنوي التي يتم استخدامها لتسيير عملية الحكم وضبط الحركة العامة نحوها (2).

ولعله ينبغي في هذا المجال أن نميز بين المشروعية بمعنى القبول حيث تتأكد بمعناها المطلوب الذي يعبر عن إرادة الأغلبية، وبين المشروعية بمعنى الموافقة والرضا عما تقوم به السلطة السياسية، ويعتبر إلغاء ورفض أى شكل من أشكال الشرعية والمشروعية بمثابة الشروع في ممارسة الفوضوى وانتهاكاُ صريحا لمبدأ التقيد، وتحطيماُ لمفهوم الإنضباط، وتحللآُ من المعايير والقيم والروابط والإلتزامات الموجودة في المجتمع المدني أياُ كان نوعها أو كانت صورتها.

عندما جاء القذافي للسلطة في ليبيا في سبتمبر عام 1969، لم يقبل الشرعية الداخلية ولا الشرعية الدولية، وأتصف سلوكه وتصرفاته بالعداء لكل ماهو شرعي ومشروع، جاء الى الحكم بعقدة تحقيق الذات والأنا، وقناعة الرفض والعداء لكل ماهو موجود: الدستور، والقوانين، والمعايير الأخلاقية، والعرفية، والرفض والعداء لما هو قائم من مؤسسات وأجهزة وأطر، أى بمعنى آخر الرفض للقوانين والمبادىء التي كانت سائدة آنذاك، وكذلك الرفض لقواعد المجتمع الليبي وسلوكه، والرفض لقواعد المجتمع الليبي وسلوكه في التعامل والتخاطب، وفي طرق كسبه للعيش والرزق، وفي اساليبه التجارية واللإقتصادية، بل وللحريات السياسية.

استولى العقيد على الحكم وهو يحمل "قناعة ورؤية" تتمحور حول الذات "قناعة" ترفض أشكال الممارسة الديمقراطية عبر الإنتخابات والترشيح واختيار المجالس والفصل بين السلطات، "قناعة" رافضة وطاعنة في كل ماتعارفت عليه الإنسانية خلال مسيرتها الحضارية الطويلة، من معايير وقييم واساليب وقواعد في الحكم والتنظيم والعلاقات، وهذه القناعة الآحادية هى التي قادته الى الإستبداد برأيه أولاُ ثم بكل شيىء الى جانب ذلك، وهي التي قادته أيضا الى الإستخدام القسري والقهري لأدوات السلطة وأجهزتها لفرض "قناعته ورؤيته" الخاصة على الأخرين ومن ثم رفض الشرعية الداخلية ثم فيما بعد الشرعية الدولية .
________________________

(1) Dolf Sten Bergars, 'Legitimacy' International Encyclopdia, Social Sience p244.
(2) نفس المرجع نفس الصفحة.
انظر ايضا د.عبد المعطى عساف - أزمة الفاعلية السياسية - المستقبل العربي - العدد 29 ص14-15 بيروت، لبنان 1982م .


     

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home