Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abdelmunsif Hafedh el-Bouri
الكاتب الليبي عبدالمنصف حافظ البوري


عـبدالمنصف البوري

الإربعاء 2 ديسمبر 2009

من برلين الى بنغازى

هل سقط جدار الخوف فى ليبيا ايضا ؟

عـبدالمنصف حافظ البوري

منذ سنوات قليلة مضت كان جدار برلين الذى قسم ألمانيا يقف حائلا ضد وحدة الشعب الألمانى، وهوالجدار الذى عمد بالقتل والإرهاب، الفصل والتباعد لعشرات السنين بين الشعب الألمانى الواحد، وما يمثله وجود هذا الجدار من ترسيخ لثقافة الخوف، التى تنمي فى الشخصية الإنسانية الاستعداد للطاعة والتقبل، دون رفض أو معارضة أي بفعل التسلط الذى ينشر الخوف، ويقتل القدرة على التساؤل أو النقد أو التفاعل مع قضايا المجتمع، وثقافة الخوف هذه تعيد إنتاج الشخصية السلبية للمواطن بعد أن تقتل فيه إرادة الفعل لما يدور حوله أو حتى له شخصياً، هذه الثقافة تستهدف شل إرادة المواطن الحرة، وإعادة تكوينه فى شكل الإنسان الخائف المحاط بشبكة من المحرمات والنواهي فلا يقوم أو حتى يتجرأ على القيام بشيء. وفى النهاية الخوف هو الذي يخلق مجتمع العبودية حيث الإنسان إما مكرهاً على الطاعة أو مخدوعاً بها، والتاريخ الإنسانى حافل بالأمثلة، وكثيرا من الشعوب التى استمرأت عبوديتها ماضياً وحاضراً وتغلغل فيها الخوف إلى درجة الإستلاب .. وفقدت ليس فقط حريتها، بل قدرتها على الإستيقاظ لاسترداد حريتها وكأنها لم تكسب حريتها وإنما كسبت عبوديتها.

ألمانيا وبعد سنوات طويلة من المعاناة .. تظافرت جهود الشعب الألمانى، وتحررت إرادته من كل القيود والمعوقات ليقوم بأسقاط جدار الخوف ومعه جدار برلين العازل، وقد كان للأجيال الشابة دورا رائداً فى تسريع هذا السقوط ؛ حيث بدأت الجهود بسيطة بالفؤوس والمطارق ، ثم انتهت إلى الإسقاط الكامل ليس للجدار فحسب بل للنظام الشمولي فى ألمانيا الشرقية ، وليتم توحيد الشعب والأراضى الألمانية من جديد.

وفى ليبيا التي عاش شعبها أربعين عاما من الاستبداد والظلم تحت الحكم الفردى ، بدأت تلوح فى الأفق بوادر جدية لكسر جدار الخوف، فالعامل المشترك الذي جمع بين سكان بنغازى وطرابلس وصرمان والبيضاء وغالبية المدن والمناطق الليبية، تمثل في عدم الرضوخ لقرار السلطة بتحديد يوم العيد طبقاً لمزاجية القذافي، الذي يهدف إلى المزيد من إهانة الشعب الليبي فى كل مالديه من قيم ومعتقدات وتراث وثقافة، حيث عبر سكان ليبيا في عدة مدن وبدرجات متفاوتة عن رفضهم لممارسات "النظام"، وتدخلاته التي وصلت إلى درجة التلاعب بالأمور الدينية والمسائل العقائدية، حتى لم يعد من المقبول السكوت على مثل هذه التصرفات والقرارات أكثر من ذلك.

ولاشك أن التراكمات المأساوية والسلبية التى خلقها وأوجدها "نظام" القذافى طوال الأربعة عقود الماضية، وما أسفرت عنه من حالة احتقان دائم فى داخل المجتمع الليبي، وفقدان أي درجة من المصدقية كانت تمهد لسقوط جدار الخوف، فالشهيد ضيف الغزال هزم الخوف، والكاتب عبدالرزاق المنصورى هزم الخوف، وآخرين قد نعرفهم أو لانعرفهم هزموا الخوف قبل وبعد هؤلاء، واحداث 17 فبراير كانت هزيمة للخوف، ومحاولة الاعتصام التى قام بها الدكتور إدريس ابوفايد وجمال الحاجى وكل رفاقهم الشرفاء كانت هزيمة للخوف، وخروج أهالى وذوي أطفال الإيداز وضحايا سجن ابوسليم كانت هزيمة للخوف، والآن موقف غالبية الشعب الليبي فى عيد الاضحى بداية حقيقية لكسر جدارالخوف الذي يحول بين الإرادة الحرة للمواطنين وبين التحرك، أو منعهم من أخذ زمام الأمور بأيديهم وفرض اختيارتهم. والمشهد الجديد يؤكد على بروز ظاهرتين غاية فى الأهمية:

أولهما شعبية الموقف: أى أن هذا الموقف كان موقفا شعبياً خالصاً فلم يعد الأمر مرتبطا بالنخبة أو المثقفين أو الكتاب والصحافين أو المعارضة الليبية، مما كان يعطي الحجة فى السابق للنظام بتصنفيهم وإلصاق التهم بهم .. وتلفيق الادعاءات لهم، وإنما شمل الموقف غالبية شرائح المجتمع الليبي، كبيرهم وصغيرهم رجالهم ونسائهم.

وثانيهما وحدة الموقف: بمعنى أن هذا الموقف كان موقفا واحدا فى شرق البلاد وغربها وجنوبها، لم تنفرد به مدينة واحدة أومنطقة جغرافية محددة ، وإنما شارك فيه غالبية سكان المناطق والمدن الليبية ولو بدرجات متفاوته.

وإلى جانب هاتين الظاهرتين كان هناك جانب آخر لايمكن إغفاله، تمثل في التلاحم الحقيقى بين الليبيين في الداخل والخارج، وتبلور الكثير من المطالب بينهم حول المشكلات الجوهرية التي تعاني منها البلاد، وكيف وصلت الأوضاع في ليبيا إلى حالة من الجمود والتحجر، حتى أصبح المواطن العادي يدرك تمام الإدراك أن ادعاءات "النظام" بالإصلاح، هي في الواقع محاولة للتاثيرعلى وعيه وامتصاص غضبه والتلاعب بمتطلباته الأساسية، في حياة حرة وآمنة وكريمة وعادلة، وإهدار أمانيه في مستقبل واعد وزاهر.

وفي ضؤ هذه الوضعية المتردية التي وصلت اليها البلاد و حال العباد، لم يعد من المجدي توقع أي خير من النظام إلا برحيله.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home