Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abdelmunsif Hafedh el-Bouri
الكاتب الليبي عبدالمنصف حافظ البوري


عبدالمنصف البوري

الجمعة 1 اكتوبر 2010

النقابات ومحاولات التدجين
 

عـبدالمنصف حافظ البوري

فى خضم تسارع الجدل الذى أثير فى الفترة الماضية حول الندوة التى عقدتها نقابة المحامين بطرابلس تحت إسم "واقع ومستقبل المجتمع المدنى"، وردودالفعل العنيفة عليها من قبل لجان الوصاية المعروفة باللجان "الثورية"، ثم ما تم بعد ذلك من قيام المحامين فى مدينة بنغازى بالدعوة لعقد اجتماع للنظر فى اختيار رئاسة جديدة لنقابة المحامين، بعد انتهاء مدتها القانونية. الا أن هذه "الرئاسة" التى انتهت صلاحياتها بانتهاء فترتها تصر على البقاء فى مناصبها، وقامت بإغلاق أبواب مقر النقابة بالسلاسل والأقفال، ثم توالت بعدها التحذيرات والتهديدات والاتهامات بالخيانة للمحامين فى مدينة بنغازى كما توالت الاجتماعات "لقوى الوِصاية الثورية" للبحث فى كيفية فرض التدجين واستمراره على النقابات عموما.

وفى ضوء  هذه التطورات فإنه من الواضح أن هناك إصراراً وعناداً  يفوق عناد أتباع الجاهلية من عناصر السلطة وطبقة المستفيدين على بقاء الوضع الراهن على ما هو عليه بكل عيوبه وتشوهاته، وعدم الاعتراف والإقرار بحق الناس فى المشاركة الفعلية وليست الشكلية، من أجل إدارة شؤونهم بدون وصاية أو تملق.

 ولهذا السبب نجد أن "هؤلاء الاتباع والمستفيدين" ينزعجون بل يخافون من فكرة تحرّر النقابات من الهيمنة السلطوية والعودة لأداء دورها الرائد في المجتمع، وهو الدور الذى كانت تضطلع به قبل الإنقلاب العسكري، فيسارعون بالوعيد استخدام أساليب الإقصاء والتهديد واستحضار لغة التخوين والعنف، التى لم يعرفوا ولم يتعلموا لغة غيرها، ولا اسلوب آخر فى الحوار والتعامل مع من يختلفون معهم سوى ما تشربوه من ثقافة الذبح والتصفية الجسدية تحت  مقولة الحسم "الثورى" شعارات الإنعتاق "النهائي للبشرية".

ولم يكفِ "هؤلاء المتسلطين" ما ارتكبوه على مدى أربعة عقود من مجازر وفساد وإفساد ونهب للمال العام والخاص، حتى تعمقت أزمة  البلاد بتغييب كل أشكال الممارسة الديمقراطية، وأوصلوا شرائح كثيرة من المجتمع الليبي إلى حالة من الفقر والعوز، فى دولة تعد من أغنى الدول الإفريقية، ولم يلتفتوا إلى إنهيار الخدمات العامة وشيوع البطالة بين أعداد كبيرة من الشباب، وإنسداد فرص الحياة الكريمة أمام الغالبية من المواطنين الليبيين، وتغوّل الفساد والمحسوبية والرشوة في جميع مؤسسات وقطاعات وأجهزة الدولة والمجتمع، وها هم المتسلطون من جديد يضعون "السيوف" على رقاب النقابات المهنية.

رغم أن صورة النقابات المختلفة الموجودة لا تقدم - على الأقل في الوقت الراهن - إمكانية لبلورة حركة إجتماعية فاعلة ومرتبطة بقضايا تطور وتقدم المجتمع الليبي، إلا أنها  من الركائز المهمة التي لا يمكن تجاهلها ولا إغفالها لأي حراك مجتمعي، وإذا كانت صورة البلاد التي أضناها الاستبداد تعكس حجم الأزمات التي تعاني منها، فإن السؤال الذي يطرح نفسه: هل سينتظر المجتمع إلى أن تصحو النقابات من كبْوتها وتحطم القيود التى كبّلتها طوال السنوات الماضية، لكي تعيد تشكيل الحركات النقابية والإجتماعية؟ أم أن المجتمع وبما يعانى من إحتقان وما يحمله من مكونات حيوية سيعمل على خلق تحركات مضادة على هذه الهجمات المتكررة؟

والآن في ظل الهجمة التي تتعرض لها هذه النقابات وسائر مكونات المجتمع المختلفة فى حاضرها ومستقبلها، هل ستبقى النقابات ساكنة صامتة وتستمر في القبول بأن يقتصر دورها فقط على إقامة الاحتفالات والمشاركة في المؤتمرات واللقاءات التي تقام لتقديم الولاء والطاعة للحاكم  كما هو مفروض عليها حاليا كاداة من ادوات الحشد؟

 وهل ستظل هذه المؤسسات النقابية نائية بنفسها عن مهامها الأساسية فى المجتمع؟

لقد اصبحت هذه المؤسسات، حسب وجهة نظر البعض، مجرد واجهة أخرى من واجهات السلطة، وصار نشاطها رمزياً مقتصرا على دعم توجهات السلطة، والتواجد في الاحتفالات والندوات والمؤتمرات والمظاهرات المؤيدة لها ولسياستها الداخلية والخارجية وانصرفت عن دورها الاساسى.

 مع الأسف قادة هذه العلاقة القائمة على السيطرة من قبل السلطة، والتى تعتمد على الولاء لا الكفاءة إلى إضعاف الممارسة الديمقراطية والحرة في صفوف الأطر النقابية وتقليص عضويتها، وبالتالي إفقادها تأثيرها السياسي وزخمها الجماهيري في الوقت ذاته، وهذا ما جعل فعاليتها مفقودة فى المجتمع ودورها يتضاءل بشكل كبير.

 والملاحظ أن مظاهر الضعف هذه قد تفاقمت منذ قيام الانقلاب حتى الآن، فمع قدومه بدأت الأجهزة الأمنية بالتدخل في تشكيل معظم النقابات التي يفترض فيها أن تناضل لتحصيل الحقوق المهنية لأعضائها ومنتسبيها، والأنكى من ذلك أن معظم قيادات العمل النقابي أصبحوا موظفين في السلطة، وبالتالي تم تفريغ العمل النقابي من محتواه بالكامل، كما لم تتوقف "القيادات" المفروضة من السلطة، والتى لم تتغير رموزها الأساسية منذ عقود، عن فرض حالة من الإغتراب بينها وبين اعضائها، بالإضافة إلى معاناة تلك النقابات من ذات الأمراض المتعلقة بغياب الديمقراطية، الأمر الذي أدى إلى تعطيل دورها في إطار العمل المهنى والوطني العام.

ومما عمق هذا الإغتراب عن الواقع غياب تفعيل البرامج والمهام المطلبية المباشرة المعبرة عن قضايا ومتطلبات وحقوق الليبيين خصوصاً والمهنيين عموما، والإكتفاء بالإهتمام اللحظي والمؤقت في مناسبات معينة، إذ لا يعقل لنقابات مهمة فى المجتمع (المحامين، الصحفيين، الاطباء، المهندسين، المعلمين، العمال، وغيرها)  أن تستمر هذه الحالة من الابتعاد عن هذا الواقع المتردي والاكتفاء بالتعاطف، أوالموقف التضامني النظري مع مايحدث في المجتمع من فساد وإفساد، دون أن تبدى رأيها العلمى والموضوعى على الاقل فى اطار مجالها وتخصصها . ويعتبر هذا الضعف ظاهرة يجب أن تخضع للمراجعة والنقد للخروج من هذا الوضع الذاتي المأزوم للنقابات، نحو تفعيل دورها وإثبات وجودها وفق منطلقاتها المهنية وما يحتاجه الناس بالضرورة.

وبقدر تنامى الوعي بأهمية إستقلالية النقابة وبلورة شخصيتها المميزة، فأننا ندرك أيضاً أهمية ممارسة دورها وتنفيذ سياساتها من خلال كوادرها وأعضائها وأنصارها في النقابة المعنية، إنطلاقاً من الموقف الذي يقوم على أساس استيعاب الأهداف والدور والخصائص المميزة للنقابات، وبالذات جماهيريتها وديمقراطيتها بما يلغي تبعيتها الهيكلية أو المصلحية للسلطة.

أن النضال من أجل قضايا وهموم المجتمع يظل دوما السمة الغالبة لكافة مكونات المجتمع المدنى كما تتطلبه حاجة تلك المجتمعات، وهو يعد أحد أهم أوجه العمل الأساسية والضرورية وبالذات من خلال عمل النقابات في جميع مراحله، بل إن أهمية العمل النقابى في الظروف التى يعانى منها شعبنا تصبح ضرورة ملحة إلى درجة كبيرة في هذه المرحلة التي تتداخل فيها المهام الوطنية بالديمقراطية وبالمطلبية، وهو ما يستدعى تفعيل العلاقة بين المجتمع والأطر النقابية بدرجات عالية من التنسيق تتناسب وطبيعة هذه المرحلة.

إن هذه المرحلة تتطلب تعبئة وتأطير أوسع قطاعات الشعب الليبي، بمختلف فئاته وشرائحه الإجتماعية والمهنية صاحبة المصلحة في التحرر الوطني الديمقراطي، وإذا كان هذا الشرط لا يمكن تحقيقه في إطار القوى الوطنية المكبلة والممنوعة من ممارسة حقها فى التنظيم والتعبير، فإنه من الممكن تحقيق هذا الشرط عبر أطر الإتحادات الطلابية والروابط والنقابات، التي تبرز هنا بوصفها الهيئات المناسبة التي يمكن أن يتحقق عبرها ذلك الشرط الخاص، بتعبئة وتأطير أوسع القطاعات في أوساط الجماهير الشعبية.

وفي هذا السياق فإن تقدم النقابات في هذه الأطر - العلنيـة والسلمية - مرهون بتلازم الجانب المطلبي والجانب السياسي في نشاطها داخل النقابات، إذ أنه من الصعب إلى درجة تقترب من الإستحالة، الفصل التعسفي بين النضال الإجتماعي الإقتصادي والنضال الوطني، وبشكل خاص في أوساط النقابات المهنية التي تقوم على الشرائح الواعية من أبناء المجتمع الليبي.

 ويبقى الحد النقابي الأدنى المطلوب اليوم وجوبا، النضال الواعي والملتزم من أجل فرض الحريات الديمقراطية على السلطة، ولا سبيل لفرض الحق النقابي والحريات النقابية دون النضال الدؤوب، من أجل حرية التفكير والتعبير والتنظيم والمعتقد والإنتصار لقضايانا الوطنية والإنسانية. كما أن الحد الأدنى للعمل النقابي يعني العمل جنباً إلى جنب، مع مكونات المجتمع المدني الديمقراطي الأخرى من أجل فرض إرادة الشعب الليبي، وهي مجالات وواجهات مازالت بعض الأطراف مترددة في الاقتناع بها، أو تتجنبها وتغض الطرف عنها خشية بطش السلطة أو بعض المتنفذين فيها، أو قد تعلل ذلك بضرورة التركيز علي ما يسمى باكذوبة الإصلاح التي لم ترَ النورالى الان  في الواقع التطبيقي رغم مضى نحو خمس سنوات على طرحها وربما لن تراه للابد.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home