Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abdelmunsif el-Bouri
الكاتب الليبي عبدالمنصف البوري


عـبدالمنصف البوري

Thursday, 1 february, 2007

العـلة ليست في "الجدد"

عـبدالمنصف البوري

" الإصلاح في عين الرعية هو القضاء على أسباب الإنحطاط وفي مقدمتها الإستبداد الذي أدى الى الجور والإستئثار بالخيرات " د. عبدالله العروي

يبدو أن هناك إصراراً من القذافي على إغفال وتجاهل الأسباب الحقيقة وراء فشل نظامه بكل المعايير الشرعية والسياسية والاقتصادية وحتى الانسانية.

وهناك استخفاف بالحقائق التي أدت إلى هذا الواقع البائس الذي وصلت إليه الأوضاع في ليبيا، من قبل الفريقين المتصارعين داخل أروقة السلطة، الذين يتمسكون بالوضع الراهن؛ فالثوريون تحت تأثير التخيلات "الثورية"، وما يسمى بـ"الإصلاحيون" تحت الشعارات التي تحلق في سماء الأوهام السياسية.

ولايزال هولاءِ كالقذافي ينسبون كل المساوئ والإخفاقات لأخطاء فردية هنا وهناك، أو يعزونه الى تآمر الأعداء والطامعين داخل الوطن وخارجه .

ولايزال المشهد السياسي للسلطة في ليبيا يعكس الانشطار والتناقض بين القول والفعل، وتقف هذه السلطة ممثلة في معمر القذافي الذي لا يجرؤ على تحمل أي مسؤلية ويتجاهلُ الأفكار والأشخاص والممارسات التي جاء بها ووضح دورها في إعاقة أى تغيير أو إصلاح حقيقي.

والسؤال المنطقي الذي يطرحه كل ليبي هو: أي تغيير؟ وأي إصلاح يريده القذافي؟ ومن يسيطر على توجهات هذا "الاصلاح"؟ وهل هذا سيكون في مصلحة الشعب الليبي الذي لم يلمس على أرض الواقع أي نتائج؟.. وهل يمكن لمن قام بتحطيم مقدرات المجتمع الليبي وفكك قواه الاجتماعية أن يكون قادرا على إستبدال تلك القوى والبنى والتكوينات بأخرى جديدة تكتسب ولاء وشرعية الليبين وإجماعهم؟.

فالخلل لايزال قائماً ومستمراً من خلال التوهم بإمكانية المحافظة على الوضع الراهن بكل عيوبه وتشوهاته، ومن خلال الاعتقاد بأن تطعيم النظام بعدد من الاشخاص يملكون أمصالا واقية أوعلاجات شافية سيكون حلا لمشاكل ليبيا.

ومسرحية القذافي الجديدة للمحافظة على الوضع الراهن تقوم دائما على دغدغة آمالِ وطموحات الليبين فيما هو قادم مستقبلاً, وليس في الوقت الراهن؛ وذلك من خلالِ الإمساك بالعصا من الوسط وعبر تنحية بعض الوجوه والرموز جانبا لوقت "العازة", معتقداً أن تطعيم منظومته التي هي "العلة الحقيقة" ببعض الوجوه الجديدة سواء كانت مقترحة منه أو مدعومة من إبنه سيف سيحل المشكلة الليبية!!!

وإذا كنا قد تعلمنا من المثل الذي يقول بأنك "إذا وضعت تفاحة فاسدة في سلة من التفاح الجيد فإن كل مافي السلة من تفاح سوف يفسد"، فما بالك إذا وُضعت عدة تفاحات يُعتقد بأنها جيدة في سلة من التفاح الفاسد.... فماذا ستكون النتيجة؟

إن الاعتقاد بأن هؤلاء القلة من "الجدد" يمكنهم أن يحققوا شئيا لصالح الشعب الليبي في ظل هذه المنظومة "العلة" هو مجرد وهم؛ لأن الحكمة تقول: أنك مهما ألقيت في البركة الملوثة والآسنة من حجارة نظيفة, فلن تستطيع أن تطهرها لأن حجم التلوث أكبر من أن تتطهر بهذه الطريقة.

العلة إذن ليست في من يأتي ومن لا يأتي حتى لو جيئ بأقدر وأكفأ الأشخاص للبيئة الفاسدة فإن النتيجة ستكون معروفة مسبقا؛ لأن العلة تكمن في المنظومة الكاملة التي قام عليها "نظام معمر القذافي" بأفكاره وأشخاصه وممارساته والممثلة في "الفكر الخاطئ" و"الحاكم المستبد" و"الأعوان الفاسدون" وفي الممارسات الظالمة والخاطئة.

وعليه فإن هذه المنظومة كانت ولاتزال هي العلة "الأولى" التي أسست للدولة الاستبدادية، ورغم أن هذه "الدولة" قد تبدو قوية للبعض ولكنها في حقيقة الأمر هي "دولة هشة". وما نقصده هنا ليس قدرة السلطة القائمة الأن على فرض الامر الواقع بالقوة والجبر, ولكن من حيث كونها لا تقوى ولا تجرؤ على الإقتراب من التغيير والإصلاح الحقيقيين، لأن ذلك حتما سيقود في النهاية الى الخيار الديمقراطي والممارسة الديمقراطية.

إذاً فالعلة ليست في مدى مقدرة هولاءِ "الجدد" ولا في مدى كفاءتهم ولا شهادتهم بل العلة في النظام نفسه وهو الذي أوصل البلاد الى هذه الحالة الراهنة من التردي والاخفاق فلا "الخبير الاستراتيجي " ولا " الخبير الإقتصادي" ولا "الخبير الصحي" .. ولا .. ولا .. ولا دراسات"جامعة هارفرد" أو غيرها تحل مشكلة ليبيا والليبيين للاسباب الثلاثة الآتية:

أولاً : لارتباط الفساد برأس السلطة والحاكم الفعلي وصاحب الحل والربط المتمترس خلف "فكره الأحادى" الذي يرفض قضية تغيير الواقع الراهن الى ماهو أفضل.

ثانيا : لأن إدارة "شؤن الدولة" مسيرة بالعلاقات القبلية والروابط العشائرية والسلطة الأبوية، وتداخل وتشابك تلك العلاقات بين الأب والأبناء والأصهار وأبناء العمومة والأعوان.

ثالثاً : غياب العقلانية مع التخبط في اتخاذ القرارات المتعلقة بالسياسات الداخلية والخارجية، والإختلال البنيوي، وإنعدام التخصص الوظيفي.

فبالنسبة لغالبية الليبيين تعتبر هذه التعيينات الجديدة لا تعني الشيىء الكثير للشعب الليبي؛ لأنه لايمكن فصل مايحدث اليوم من محاولات ترقيعية عن السياق التاريخي الذي سارت عليه ممارسات القذافي على امتداد أكثر من ثلاثة عقود، فضلاً عن الشروط التي فرضها على الشعب الليبي والظروف التي أوجدها في هذا الواقع البائس.

إن التساؤل الذي يطرح نفسه اليوم هو: هل "هولاء الجدد" سيتكيفون مع هذا الواقع المأساوي ويتصالحون مع الظلم والظالم, أو سيكونون أداة أخرى من أدوات النظام للمرحلة القادمة, أم أنهم سينحازون لكفة الشعب الليبي ومصالحه؟

وعلى هولاء القادمين أن يتذكروا إعتبارين اثنين: الأول؛ أنه لا يوجد شئ أسمه "دولة" بالمعنى الحقيقي, ولا دستور, ولا قوانين, ولا مؤسسات, ولا مسؤليات وإختصاصات, ولا محاسبة ولا رقابة, ولا قضاء عادل، ففي ليبيا يوجد حاكم مستبد واحد, وأجهزة أمنية, و"شوؤن عائلية" كلها تدار بعقلية "زعيم العصابة".

أما الاعتبار الثاني: فهو متعلق بعدم رغبة "رأس النظام" في تحسين الأوضاع السياسية والاقتصادية والمشكلات الاجتماعية.

فهؤلاء الجدد و"شهاداتهم التي يحملونها" لن تكسبهم لا الفخر ولا القيمة ولا المكانة الا إذا سخروها لخدمة الشعب والولاء له وللوطن وليس للحاكم، كما أن عليهم أن يدركوا أيضا أن مستوى ورقعة وعي الشعب الليبي وفهمه لم يعد كما كان في السابق بل اتسع ليرى الحقيقة كاملة وأمتدت رؤيتهم لما هو أفضل من هذا النظام الظالم بعد أن أختبروا أفكاره العقيمة وعرفوا حقيقة الأشخاص الذين يديرونه, وبعد أن عايشوا كل أشكال الظلم المفروض عليهم, ولمسوا ضخامة الأخطاء التي ارتكبها القذافي في حق الشعب الليبي.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home