Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Youssef El-Megreisi

Monday, 31 July, 2006

وداعـاً أبا التاريخ

يوسف المجريـسي


صورة للراحل الكبير أخذها الكاتب له عند زيارته الأخيرة في نهاية ديسمبر 2005

1 / 11 / 2005

الأخ يوسف المجريسي المحترم

عيد بأية حال عدت يا عيدُ        بما مضى أم لأمر فيك تجديدُ؟
أرجو أن يكون هذا العيد فيه تجديد وحياةُ حريةٍ لكل بلد عربي مقيد مهما كان نوع القيد ـ وطنياً أم أجنبياً.
أترى هل يئس الله من الأمة العربية؟
لك يا أخي تحيتي وإلى اللقاء.

نقولا زيادة

أترى هل يئس الله من الأمة العربية؟ سؤال لا يتوقعه أحد أن يقرأه في رسالة معايدة. ولكن هذه هي المعايدة التي خطها لي الدكتور نقولا زيادة في عيد الفطر المنصرم. ولأنني أصاب بغم في كل عيد، زادتني معايدته غماً على غم.

مات شيخ المؤرخين العرب، مات كمداً وحسرة في هذه الأيام النحسات وهو يرى سماء لبنان تمطر دماراً وخراباً. لقد كان محظوظاً حقاً أن يرحل ولا يزداد عذاباً على عذاب. إنه محظوظ حقاً من يغادر هذه الدنيا الظالمة التي يتربع على عرشها وحوش آدمية تتغذى على لحوم شعوبنا وهي تشوى حية على نار الغاز العربي بمباركة قادة الحضارة الغربية في القرن الحادي والعشرين.

كم من عيد بائس عايشه مؤرخنا. ألا يكفيه ما رأى من أبناء "شعب الله المختار" في فلسطين، وما فعلوه به وبأهلها؟ وها هي روحه المعذبة تصعد إلى بارئها غاضبة وناقمة على حال أمة العرب المهين. لقد فتح عينيه على حرب عالمية كبرى بسب اغتيال أمير، وأغمضهما على حرب ظالمة شرسة بسب خطف جندين. شعوب تقاد إلى المذابح والمسالخ بجريرة غيرها، وأخرى يحكم عليها بمشاهدة تنفيذ المجازر وهي مقيدة الأيدي ومكممة الأفواه.

كيف يستطيع المرء أن يجد الكلمات في رثاء صديق عزيز وهو يرى الأمة كلها في حاجة إلى رثاء وتأبين؟

كثيرون هم الذين عرفوا الراحل أستاذاً وباحثاً ومؤرخاً، وكثيرون تحدثوا وسيتحدثون عن علمه الغزير، ومؤلفاته العديدة، وحياته الحافلة بالعطاء والكفاح في المحافل العلمية لمدة تزيد عن سبعين عاماً. لكني سأتحدث عن "زيادة" رجل المواقف.

لقد شدني إليه مواقفه المشرفة من قضية الشعب الليبي، إذ كان أحد القلائل الذين لم يستطع سفيه ليبيا أن يشتريهم بنفطه أو زيته رغم تكرار المحاولات، ورضي بالتعاون مع مركز علمي بسيط بدون تحفظ، وبدون مقابل، ولم يتوقف عطاؤه منذ أن تعرفت عليه في صيف 1996 بأكسفورد إلى يوم وفاته. فقد أهدى لنا قبل وفاته كل رسائله التي بعث بها إلى زوجته من برقة عام 1949.

بعد تأسيس مركز الدراسات الليبية في أكسفورد كان الدكتور نقولا زيادة أحد أول الأسماء ممن فكرنا في الاتصال بهم للتعاون معنا، ليس لمؤلفاته عن ليبيا، أو مكانته العلمية فحسب، بل لمعرفتنا بتاريخ الرجل الناصع، وعفته، وبعده عن السلاطين ونفوذهم. فطلبتُ إلى صديقنا نديم شحادة، مدير مركز الدراسات اللبنانية، أن يبحث لي عن عنوانه أو هاتفه للاتصال به. ولم تمض بضعة أشهر حتى اتصل نديم يخبرني عن وجود زيادة في لندن ومعه رقم هاتفه. بعدما اتصلت به قال لي بلهجة في غاية التواضع: لا تتعب نفسك بالحضور إلى لندن، فأنا سأقضي ثلاثة أيام بلياليها في كلية (Keble) في أكسفورد لحضور مؤتمر آرام، فاختر من هذه الأيام الثلاثة ما شئت، إنه يسعدني أن أراك وأتعرف عليك.

ذهبت إلى الكلية في حدود الساعة التاسعة مساءً، فوجدته نزيلاً في أحدى غرف الطلاب. كانت غرفة صغيرة جداً وتبدو كأنها مدخنة من رائحة التدخين، وكانت شبه مظلمة من ضوئها الخافت، فحاولت أن أنهي معه الحديث بسرعة لأنني وجدت صعوبة في التنفس من غليونه الذي يقوم بإشعاله كلما خمد. إلا أن تواضع الرجل وأدبه وأخلاقه، والطريقة التي بدأ بها الثناء على الشعب الليبي، واستحسان مشروع المركز، جعلني أتحمل الاختناق وأخجل من إنهاء الحديث بسرعة والانصراف. لم يسألني أي سؤال شخصي، ولم يطلب أية تفاصيل عن المركز، بل أبدى فوراً استعداده لتقديم كل ما بوسعه لإنجاح مشروع المركز والتعريف به، وأبدى استعداده لترجمة كتاب إدريان بلت الضخم (يزيد على ألف صفحة) شرط أن أتحمل مسؤولية مراجعته، وأن يخرج اسمه كمترجم، واسمي كمراجع. لم أصدق أن رجلاً في شهرته ومكانته العملية، وله من المؤلفات العشرات، ومن الأبحاث والمقالات المئات، أن يعرض عليّ هذا العرض السخي. كنت قد أتيت معي بكتيب من تأليفه، وهو: "ليبيا وتونس والجزائر"، كان قد أرسله لي من مصر الأستاذ جمال البنا، مهدى لأحد الأشخاص بخط زيادة بدون تاريخ، فسألته عمّا إذا كان يعرف الشخص الذي أهداه إليه، فتذكره فوراً، وذكر لي أنه مات منذ فترة طويلة، وأخرج قلماً وكتب في الصفحة نفسها: إهداء لعزيز عليّ هو الأخ يوسف المجريسي.. ذكرى لقائنا في أكسفورد 16 تموز/يوليو 1996 ـ نقولا زيادة.

لا يوقع الدكتور نقولا زيادة بلقبه العلمي أبداً، ولا يحب وضع لقب الدكتور على أغلفة كتبه، وهي عادة شائعة ومعروفة في الغرب، فلا توضع الألقاب العلمية على المقالات أو أغلفة الكتب، على عكس ما نعهده من أدعياء العلم في العالم العربي، فنادراً ما تجد صاحب لقب دكتوراه عربي لا يستخدم لقبه في كل صغيرة وكبيرة، ويطلب حتى من أقرب الناس إليه أن يلقبوه ويدكتروه حتى في غرف النوم.

هذا بعض تواضع مؤرخنا الكبير، وبهذه الروح كان لقائي الأول معه، فكيف أستطيع أن أصف عشرات اللقاءات في لندن وبيروت بعدما توثقت الصداقة والمحبة بيننا في السنوات العشر الأخيرة؟

منذ أن تعرفت عليه والصلة لم تنقطع بيننا بالهاتف والفاكس والمراسلات البريدية. وكنت أتردد عليه بصورة شبه يوميه في شقته في الدور التاسع بقريطم كلما زرت بيروت، لأمكث فيها أسبوعاً أو أسبوعين، وكان أخرها في نهاية ديسمبر/كانون الأول الماضي. كان يطلب مني أن أزوره في أي وقت رغم شعوري بأنني أثقل عليه بسب ثقل سمعي، فكان لا يتضايق من أن يدوّن كل ما لا أستطيع سمعه، ولا زلت احتفظ بعدد من الكراسات عن آرائه في بعض الشؤون العربية، وفي مقتل جاره رفيق الحريري، الذي كان يسكن على بعد خطوات من شقته، وفي غيرها من الأحداث التي مرت بها لبنان في السنوات الأخيرة.

بدأ نشاطه مع المركز بمحاضرة ألقاها في صيف عام 1999 بعنوان: "السنوسية: حركة إسلامية إصلاحية". وكان قد عزم على أن يحضر شخصياً لمؤتمر "الذكرى الخمسين لاستقلال ليبيا" الذي عقدناه في كلية الدراسات الشرقية والإفريقية بلندن في إبريل عام 2002، ولكن طبيبه منعه من السفر لأسباب صحية، فأرسل إلى المؤتمر رسالة معبرة تأثر بها الحفل عندما تليت عليه، فبعدما ذكر كيف كانت ليبيا التي عرفها قبيل الاستقلال وبعده، أنهاها بالكلمات الآتية، وهي تبين مرارة وحسرة الرجل على ما آلت إليه ليبيا تحت حكم العسكر:

"... وأخيراً جاء الطوفان. وخيم الحزن والأسى على النفوس، لأن هذه الشجرة التي كانت آخذة في النمو حُدّ من نموها، وأخمد حماس العمل فيها.
تشرد من ليبيا كثيرون. وأنا وقد قُضي عليّ ألا أعود إلى بلدي فلسطين سنة 1949، أشعر معكم يا إخواني، لكن أنا: الذي شردني عن وطني تخطيط عالمي طماع، أما أنتم فقد تم ذلك على يد القُربى :
                      وظلم ذوي القربى أشد مضاضة        على النفس من وقع الحسام المهند
وإلى اللقاء في ليبيا."

رفض فقيدنا، رحمه الله، كل الإغراءات التي انهالت عليه لزيارة ليبيا بعدما بدأ عهد الاستبداد، ورفض الإدلاء بأي تصريح أو حديث لإذاعة أو مطبوعة ليبية حكومية، وكان دائماً يقول لي: "إن تاريخ ليبيا انتهي يوم 31 أغسطس 1969، وبعدها بدأ تاريخ القذافي".

ترجم الرجل للمركز كتاب "ليبيا والغرب" الذي نشرناه لجيف سيمونز عام 2003، ولم أكن أتوقع أن يعرض علي ترجمته الكاملة في العام التالي وقد بلغ يومها عامه السابع والتسعين، ولكن حبه للعطاء لم يفتر أبداً، وما أن انتهى من ترجمة الكتاب حتى قرر إهداء رسائله الخاصة التي كان يبعث بها إلى زوجته مرغريت من برقة عام 1949 يصف لها مدن ليبيا وقراها، وعادة سكانها وتقاليدهم، وأساليب حياتهم، وأسعار السلع، وعلاقته بالمسؤولين في دوائر إمارة برقة، إلخ. واقترح أن ننشر رسائله في كتاب ليكون جزءاً من وثيقة تؤرخ للحقبة القصيرة التي سبقت الاستقلال. قضى أكثر من ستة أشهر في مراجعتها بعد طباعتها، وسلمها لنا كاملة قبل وفاته بأشهر.

كنت دائماً أتحدث معه في الشؤون السياسية أو التاريخية، ولم أتطرق معه أبداً للأمور الدينية إلا عارضاً، ولكن في أحد الأيام زرته في منزله ببيروت وكنت أحمل معي كتاب نصر حامد أبو زيد "نقد الخطاب الديني". فسألني هل أنت مهتم بفكر هذا الرجل؟ قلت له إنني سمعت عنه أكثر مما قرأت له، فعدا بعض المقالات هذا أول كتاب اقرأه له. وفوجئت بأن الرجل يحيط بالفكر الإسلامي قديمه وحديثه وهو المسيحي الأرثوذوكسي المعتز بعقيدته. وقبل سفري بيوم مررت عليه لأودعه فوجدته قد جهز لي خمسة كتب لأبوزيد كتب عليها:" إلى مركز الدراسات الليبية عبر يوسف المجريسي.. عربون محبة لليبيا وأهلها".

التزم رحمه الله بالموضوعية العلمية في كل أعماله، وأرخ لظهور الأديان بكل حياد، وكان لا يذكر محمداً إلا ويلحقه بلفظ صلى الله عليه وسلم. ومن يعرف الراحل معرفة جيدة، يعرف أنه رغم طيبته وخلقه وتواضعه الشديد، لا يجامل ولا يمدح أحداً نفاقاً، فالذي يخرج من لسانه هو الذي يعبر عمّا في قلبه وصدره.

يعدّ كتابه عن الحركة السنوسية الذي نشرته مطبعة ليدن عام 1958 أحد أهم المراجع باللغة الإنجليزية عن الحركة، وأعيد طباعته عامي 1968 و1983 لكثرة الإقبال عليه من المؤرخين والباحثين في الشؤون الإسلامية.

كتب عدة مؤلفات وأبحاث عن ليبيا، ومقدمات لبعض إصدارات المركز ومنها مقدمة الموسوعة التاريخية التي أعدها الدكتور محمد يوسف المقريف. وكان أحد أعضاء الهيئة الاستشارية في مجلة مركز الدراسات الليبية، وممن ساهموا في عددها الخاص بمناسبة مرور خمسين عاماً على استقلال ليبيا.

كنا نخطط لإعداد مؤتمر تكريمي له في بيروت قبل نهاية العام، وكنت على موعد للسفر إلى بيروت في نهاية يوليو للتشاور معه حول قائمة المدعوين، ولكن الحرب الظالمة على لبنان حرمتني وحرمت المئات من زملائه وأصدقائه وتلاميذه ومحبيه حتى من المشاركة في تشييع جثمانه إلى مثواه الأخير.

نم قرير العين يا أبا التاريخ، فلن تسمع بعد اليوم شيئاً عن مآسينا، فقد رحلت في زمنٍ الأحياء فيه أحق بالرثاء من الأموات.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home