Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Youssef El-Megreisi

Monday, 30 July, 2007

     

أبجديات منسية في العمل الوطني
( 3 من 4 )

يوسف المجريـسي

لا يمكن أن أكتب شيئاً يتسبّب في فتنة بين رجل من الصين وآخر من الأرجنتين، دعك عن الإيقاع بين أهل برقة وأهل طرابلس. إن تقديري للشخص يعتمد على قدر عطائه للعمل الوطني، فأقرب الناس إلى نفسي أكثرهم معارضة للقذافي، ومعارض حقيقي من طرابلس أفضل عندي من مائة معارض ممن يروجون للصلح مع القذافي ولو كانوا منحدرين جميعاً من برقة أباً عن جد. لقد بنيت صداقتي طوال العقود الثلاثة الماضية على هذا الأساس، بل إنني لا أتردد في مصادقة الطرابلسي البعيد عن السياسة وشؤونها، ولا أصادق أحداً يروج لطي صفحة الماضي مع الحكم الفاشي أبداً، ولو كان من جيراني في بنغازي. فالأول قد أجد له عذراً لابتعاده عن السياسة، أما الآخر فلا أجد له أي عذر، لأن دعوته ترسخ مبدأ الاستبداد والظلم، وتتساهل في دماء الناس وأرزاقهم وحقوقهم. الأول يعمل بالحكمة: "قل خيراً أو اصمت"، أما الثاني فلا يقول خيراً ولا يصمت.

وعندما ذكرت قلة المعارضين من "مدينة" طرابلس ذكرتها بصفتي معارضاً ليبياً، وليس معارضاً برقاوياً، وتساءلت عن سبب قلة المعارضين من مدينة طرابلس الذين يشاركوننا في نشاطات المعارضة في المنفى حرصاً مني على تصعيد المعارضة، وليس طعناً في المدينة أو اتهام أهلها بالتقاعس أو بالجبن. لو كنت أعدّ كلّ بعيد عن السياسة جباناً لوصمت أسرتي كلها بالجبن، فأنا الوحيد في العائلة كلها الذي سلك طريق المعارضة، ولولا هذا الحكم الغشوم الذي فرض عليّ السياسة لما رأيت سياسياً يسلك طريقاًَ إلا وسلكت طريقاً غيره.

جلّ قراءاتي لا علاقة لها بالسياسة. ويشهد الله أني لم أدخل في هذه المعممة السياسية إلا كرهاً، ولا أجد أية متعة في هذه الكتابة، وأراني أجر نفسي لها جرّاً، ولولا وعد قطعته للأستاذ نوري الكيخيا لما كتبت هذا الرد. ولهذا أفهم مبغضي السياسة حق الفهم، بل إنني أعدّ نفسي أحدهم، ولعل بعضكم اطلع على ردي الفوري الغاضب عندما وُصفت بالكاتب السياسي، ولكن عندما ترى بيتك ومن فيه من أهلك يحترق، ولا يوجد في بلدك مراكز لرجال الإطفاء ليتولوا مهمة إخماد الحريق، فلا يمكن أن توكل الأمر للسماء ثم تظل واقفاً منتظراً هطول الأمطار. لو كانت بلادنا لها باع طويل في التجارب السياسية والتنظيمات الحزبية والعمل النقابي وغيره لتركنا هذا الأمر لأهله، ولكن دولتنا تفتقر إلى رجال السياسة، وأولئك القلة الذين برزوا في العهد الإيطالي والعهد الملكي لقوا على يد العهد الفاشي الثاني ما لقوا، ومن هاجر منهم إما انتقل إلى رحمة الله، وإما في انتظارها، فماذا نصنع؟ لا يوجد حل إلا بتسييس أنفسنا جميعاً، وحمل خراطيم الماء لإطفاء هذا الحريق الهائل الذي شب في منازلنا.

قلت في مقالي (أزمتنا: حقائق وأوهام): "إذا أردنا أن نصّعد معركتنا مع القذافي فيجب ألا يقل عدد المؤتمرين من مدينة طرابلس عن 20% من عدد الحضور". هل يتهم بالجهوية من يطالب بهذه النسبة لأهل مدينة طرابلس في المؤتمر الوطني؟ لو طالبت بهذه النسبة لتمثيل سكان مدينة طرابلس في برلمان يحكم ليبيا لقامت علي القيامة من بقية مدن ليبيا بما فيها المجاورة للعاصمة؟

لقد حضر قرابة 165 شخصاً لمؤتمر المعارضة في صيف 2005، فهل يستطيع أخونا الفاضل مصطفى علي الذي حضر المؤتمر، وكتب محتجاً على مقالي، أن يذكر لي كم كان عدد المعارضين من مدينة طرابلس الذين حضروا المؤتمر؟ لا أظنهم يتجاوزون الخمسة، ولا أظن يوجد حالياً عضو واحد من سكان العاصمة في لجنة المتابعة. أما الاعتصام الأخير في لندن احتجاجاً على مجزرة بوسليم فقد حضره ثلاثة أنفار من مدينة طرابلس من مجموع 50 متظاهراً تقريباً. من هؤلاء الخمسين سبعة فقط من سكان لندن، والبقية من مانشستر وبقية المدن البريطانية الأخرى. يا ترى لو تساءلت عن سرّ قلة الليبيين من لندن في الاعتصام الأخير فهل سأتهم بالجهوية؟ أليس ليبيو لندن أولى بأن يكونوا أكثر عدداً من ليبيي مانشستر في هذه المناسبات بحكم تعدادهم وقربهم من العاصمة؟

إذا أردنا أن نسقط القذافي بالكفاح السلمي، فكيف نسقطه إذا لم يكن مركز قوة المعارضة في العاصمة نفسها؟ هل تظنون أن انتفاضة في بنغازي، أو في مصراتة، أو في سبها، أو في الجبل الغربي، ستسقط النظام إن لم يستجب لها سكان العاصمة؟ لقد طوقت انتفاضة فبراير في نصف ساعة من قوات الدعم المركزي، ولم تمر سويعات قليلة حتى استقبل مطار بنينة آلاف الجنود جاءوا لتطويق بنغازي ومحاصرتها حتى لا يدخل إليها أو يخرج منها أحد.

إنّ أي عصيان مدني إذا لم يشارك سكان العاصمة فيه محكوم عليه بالفشل، فالعالم لا يسحب الاعتراف من أية حكومة إلا إذا فقدت السيطرة على العاصمة، بل إن العصيان المدني في طرابلس وحدها أفضل من العصيان المدني في مدن وقرى ليبيا الأخرى مجتمعة. وهذا ما ذكرته في مقالي السابق: "كيف ننقل معارضتنا لقلب العاصمة وليس في صفوفنا من أهلها إلا القليل؟" هل يعدّ جهوياً ويتهم بالإقليمية من يناقش مثل هذه الأمور؟

لقد رأيت بنفسي عدداً من الطرابلسيين في إحدى المظاهرات العربية في لندن، أغلبهم يقيم في المنفى لأكثر من عقدين، لم أرهم ولو مرّة واحدة في اعتصام ليبي. المظاهرات التي تقام أمام السفارة الليبية في لندن لا يحضرها أكثر من شخصين أو ثلاثة من مدينة طرابلس من مجموع 50-60 شخصاً. على حين أن سكان الجبل الغربي الذين لا يشكلون إلا نسبة صغيرة من عدد سكان ليبيا ترى وجودهم بقوة في كل نشاط معارض. هذه الحقائق نذكرها لنعرف ما الخلل، وليس للمزايدة على أحد، أو مناً على أحد، وأذكرها كليبي، وليس كبرقاوي.

أنا لا اتهم أحداً بأي شيء، ولست ابتغي من كلامي هذا إثارة النعرات، أو النيل من إخوتنا الطرابلسيين، وإنما أعرض الحقائق كما هي، وأكون ممتناً لأي شرح لهذه الظاهرة سواء جاء من طرابلس أو من بنغازي أو من واق الواق.

أين العصبية في قولي:"هذا النفاق الاجتماعي الذي نحياه في الداخل والخارج هو الذي حال بيننا وبين أن نسلط الضوء على الفجوة العصبية التي تفصل بين شرق البلاد وغربها حتى نتدارسها معاً بروح الصدق والصراحة، وتحت قبة واحدة هي قبة الولاء لوطن نحن جميعاً أبناؤه، أرضاً ومصيراً، حاضراً ومستقبلاً؟" لست بالعشائري أو المتعصب، ولو كنت كذلك لما قلت: "إننا نعاني منذ زمن طويل من عصبية بغيضة وقبلية ذميمة جعلت أبناء الوطن الواحد، شرقاً وغرباً، يعيشون في عزلة إقليمية ويتنابزون بالألقاب؟" ماذا كان سبب حملتي على المهاجرين الجدد غير خذلانهم للمعارضة الوطنية؟ أليس المئات منهم من برقة؟

ثلاثة من إخوتنا الأفاضل، وهم السيد فائز جبريل، والدكتور محمد بالروين، والسيد سالم الحاسي، اجتهدوا ووضعوا "ميثاق عهد وطني" أدانوا فيه النعرات الجهوية وطالبوا المعارضين بالتوقيع على الوثيقة، وجميعهم مشهود لهم بالخير والبذل والعطاء، ولست بصدد مناقشة الوثيقة نفسها أو نقدها، ولا أريد إلا أن استشهد بها كدليل على صحة ما ذهبت إليه في مقالي المذكور. لماذا لم يفكر هؤلاء الإخوة الكرام، قبل نشر دعوتهم، في أن يضموا لقائمة الموقعين معارضين يمثلون كل ليبيا؟ أم أنهم دعوا ولم يستجب لهم أحد؟ إن الاستجابة الفورية للدكتور محمود تارسين وزوجته الدكتورة فوزية بريون لهذه الدعوة ينفي الشطر الثاني من السؤال، ويؤكد وجود أزمة حقيقة بين أهل الشرق والغرب، فرجل مثل الدكتور تارسين ينبغي إشراكه ومشاورته في أمر كهذا من البداية، لا أن يترك حتى يسمع كأي قارىء عادي لصفحات الإنترنت الليبية، ويطالب بالتوقيع كأي شخص آخر بدون أن يشارك في الصياغة والاستشارات الأولية. فهو أحد أعيان طرابلس في المهجر، فضلاً عن أنه محسوب على رجال المعارضة الأوائل، فكان الأولى أن يتصلوا به وبآخرين مثله من فزان والجبل الغربي وغيرها من مدن ليبيا الكبرى لكي تمثل الوثيقة ليبيا حقاً. هل السيد فائز جبريل المقيم في القاهرة أقرب إلى السيد سالم الحاسي والدكتور محمد بروين من الدكتور محمود تارسين المقيم معهما في أمريكا؟

هذه هي أبجديات وبديهيات العمل الوطني، فالوحدة ليست كلاماً للاستهلاك السياسي يقرأه الناس، وإنما ممارسات حقيقية وعملية في الميدان. وهذا ما طالبنا به عندما نادينا بإشراك أهل مدينة طرابلس في نشاطات المعارضة بما يناسب عددهم الحقيقي، بحيث تمثل المعارضة بلادنا تمثيلاً حقيقاً، ولا تظل محصورة في طائفة محدودة من الناس.

هؤلاء الثلاثة ليس بيني وبينهم إلا كل ود وتقدير، وجزء من كلامي هذا قلته حرفياً لصديقي فائز جبريل الذي أحمل له كل معزة وتقدير، ولكن نقد أوضاعنا لا يتم بمجاملة الأصدقاء والأحباب. هذا هو واقعنا، لا يوجد تنسيق أو اتصال حقيقي بين أهل برقة وأهل طرابلس إلا في حبر أقلام الذين يمارسون الكذب على أنفسهم والنفاق على شعوبهم. هذه هي الفجوة التي تحدثت عنها في مقالي السابق وطالبت أن "نتدارسها معاً بروح الصدق والصراحة وتحت قبة واحدة هي قبة الولاء لوطن نحن جميعاً أبناؤه، أرضاً ومصيراً، حاضراً ومستقبلاً".

لقد سألت أحد الإخوة الذين شاركوا في الإعداد للمؤتمر الوطني عن سبب قلة حضور الطرابلسيين للمؤتمر فذكر لي أنهم دعوا عدداً من أعيان مدينة طرابلس للحضور ولكنهم رفضوا. إنه يحز في نفسي أن أرى إخواني من طرابلس يخرجون احتجاجاً على جرائم شارون وألمرت وبوش في فلسطين ولبنان والعراق ولا يخرجون احتجاجاً على جرائم القذافي في حق أبناء وطنهم. أين نحن من قول رسولنا الكريم: "خيركم خيركم لأهله". بل إنني سمعت عن أسماء ليبية شاركت في مظاهرة احتجاج على منع ارتداء الخمار في المدارس الفرنسية، ولكنها لم تشارك ولو مرة واحدة في تظاهرة أمام السفارات الليبية. أي دين هذا الذي يرى منع ارتداء الخمار في مدارس في أقصى الأرض جريمة لا تغتفر، وسفك دماء 1200 بري ء في عقر دارك مسألة فيها نظر؟

إذا أردنا أن نردم هذه الفجوة التي بين الشرق والغرب يجب أن يهتم أهل طرابلس بما يحل بأهل برقة وبقية ليبيا، وأن يهتم أهل الشرق بما يحل بطرابلس وبقية البلاد. إذا أردنا أن نحارب النزعات الإقليمية يجب أن نكون كالجسد الواحد، وأي إهمال لمدينة من مدن ليبية هو إهمال لبقية المدن، ومن قتل ليبياً من أي الأقاليم فكأنما قتل الليبيين جميعاً. وسأعود لقضية الوحدة الوطنية في الحلقة القادمة بإذن الله تعالى، وأخصص بقية هذه الحلقة لتفسير سبب استخدامي للفظ "القذاذفة" بالتعميم.

أسلوب التعميم موجود بكثرة في القرآن كقوله تعالى: "وقالت الأعراب آمنا، قل لم تؤمنوا، ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم" فليس المقصود هنا كل الأعراب، وإنما نفر منهم. أما دواوين الشعراء فتمتلىء بأسلوب التعميم، ولا سيما في الهجاء والفخر، كقول الشاعر:
أليس قريشكم قتلت حسيناً      وقام على خلافتكم يزيدُ

فهل يقصد الشاعر أن قريشاً كلها شاركت في جريمة القتل، والمقتول نفسه أحد سادة بني هاشم؟ وهذه بعض عبارات ابن هشام في سيرته: "تعنت قريش في عدم استماعهم للرسول صلى الله علية وسلم"، "قسوة قريش على من أسلم"، "استكبار قريش على أن يؤمنوا بالرسول صلى الله عليه وسلم". ولا يقتصر الأمر على القدامى، فهاكم أيضاً عبارات لأبي الحسن الندوي في سيرته النبوية: "يئست قريش منه ومن أبي طالب"، "محاربة قريش لرسول الله" "مقاطعة قريش لبني هاشم والإضراب عنهم"، هذا على سبيل المثال لا الحصر، وبطون كتب التاريخ كلها تستخدم أسلوب التعميم عند ذكر القبائل بلا حرج لأن التعميم غالباً لا يؤخذ حرفياً، ويفهم المقصود من سياق الكلام.

وليس هذا الأمر مقصوراً على العرب وحدهم، فالتعميم أسلوب لغوي معروف في كل اللغات. فلو سمعك إنجليزي تقول له بلغته: "إن الإيطاليين ارتكبوا مجازر شنيعة في ليبيا"، فسيعلم تماماً أنك لا تقصد كل الشعب الإيطالي عبر العصور وإلى اليوم، وإنما أولئك الذين غزوا ليبيا في حقبة معينة. وتأمل الفرق فيما لو قال لك قائل: "إن الأمريكان وصلوا للقمر"، ثم قال لك: "فوجئ الأمريكان بأحداث 11 سبتمبر". التعميم موجود في الجملتين، ولكن ستفهم أن المقصود من الجملة الأولى ليس أكثر من بضعة فضائيين أمريكان صعدوا فعلاً إلى سطح القمر، أما في الثاني فالمقصود الشعب الأمريكي كله، أو على الأقل أغلبه.

الشيء نفسه ينطبق على استخدامي للفظ "القذاذفة" فلا أقصد أبداً كل القذاذفة، وإنما أولئك الذين يسيطرون على دوائر صنع القرار. ومن حقنا أن نستخدم أسلوب التعميم لأن القذاذفة يسيطرون على كل المراكز الأمنية الحساسة في البلاد. وقد وضع الدكتور منصور عمر الكيخيا في كتابه "القذافي وسياسة المتناقضات" جدولاً من 12 صفحة يبين سيطرة قبيلة القذاذفة على كل مراكز القوة الحقيقية في الجيش وبقية الدوائر الأمنية في البلاد، وسجل قرابة 200 اسم، مع رتبهم العسكرية، يتولون إدارة البلاد أمنياً وعسكرياً لضمان عدم تمرد أي قوة مسلحة نظامية في البلاد على نظام الحكم.

وإني على استعداد لتلبية طلب أستاذنا نوري الكيخيا أو غيره من الإخوة إذا رأوا في استعمال اللفظ غير ما نرى. فلا أظن أنني سأصاب بأنيميا لفظية لو تخليت عن استعمال لفظ "القذاذفة".


     

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home