Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Youssef El-Megreisi

Sunday, 30 April, 2006

         
         

( 4 )

صراع الأنفس :

مطالعـة في رواية "يزعـم بيريرا" لأنطونيو تابوكي
(4)

يوسف المجريـسي

استمر مونتيرو روسي في كتابة المراثي المعدة سلفاً، فلا يرثي كاتباً أو أديباً، إلا وضعه في سجل الخالدين إن كان من أنصار الحرية، أو سوّد صفحاته إن كان من أنصار الاستبداد.

كان بيريرا مشفقاً من جرأة صاحبه وتهوره، وكان يتصبّب عرقاً كلما قرأ ما يكتبه مونتيرو روسي. هذا الشاب، الذي عينه أملاً في أن يوظف تخصصه ويتكلم عن الموت أو عن المعاد، لا يأتي على ذكر أحد دون أن ينبش في سيرته السياسية.

طلب مونتيرو روسي إلى بيريرا، في لقاء معه في مقهى أوركيديا، أن يجد مأوى لابن عمه الإيطالي، برونو روسّي الذي دخل البرتغال قادماً من إسبانيا بجواز سفر أرجنتيني مزور باسم برونو لوغونيس لتجنيد متطوعين برتغاليين للقتال في صفوف الجمهوريين ضد الجنرال فرانكو. قال بيريرا لمونتيرو روسي وهو يمسح العرق من جبينه: "إنني مستغرب من طيشك، لا أدري إن كنت تدرك خطورة ما تطلبه مني". ثم ما لبث أن اقتنع، وخطر على باله فندق صغير لا يدقق في هوية النزلاء، فطلب إلى صاحبه أن يحضر هو وابن عمه لمنزله، محذراً إياه من الاتصال به بالهاتف أو المرور عليه في مكتبه.

حين زاراه وقدّم لهما شراب الليمون، سُمع صفير لسيارة إسعاف، فانتفض بروني مذعوراً إلى النافذة ليرى ماذا يجري في الخارج، فقال بيريرا لمونتيرو روسي: "قل لابن عمك أن يهدأ، نحن لسنا في إسبانيا، وهذه ليست الحرب الأهلية". ثم بدأ الجدال:

بروني: عذراً على الإزعاج، ولكني هنا لأجل القضية الجمهورية.
بيريرا: اسمعني جيداً، يا سيد لوغونيس، سأتكلم ببطء لتفهمني، أنا لا أهتم لا بالقضية الجمهورية ولا بالقضية الملكية، أنا أحرر صفحة ثقافية في صحيفة مسائية، وهذه الأمور لا تدخل في نطاق اهتماماتي ... سأجد لك مأوى هادئاً، أكثر من هذا لا أستطيع أن أفعل لك شيئاً، وحذار من البحث عني، لأنني لا أريد أية علاقة بك أو بقضيتك.
بروني (ملتفتاً إلى ابن عمه): ليس كما وصفته لي، كنت أتوقعه أحد الرِّفاق.
بيريرا: أنا لست رفيقاً لأحد، أعيش وحدي، وأحب البقاء وحدي، رفيقي الوحيد هو نفسي.

طلب مونتيرو روسي من بيريرا مساعدة مالية لابن عمه، فاستأذنه بيريرا لحظة، وذهب إلى غرفة نومه ليتحدث إلى صورة زوجته ويخبرها بآخر التطورات، شرح لها أن مارتا، التي سبق أن كلمها في شأنها، وراء توريط مونتيرو روسي في كل هذه الأمور، وهو يذعن لأهوائها لأنه واقع في غرامها، ثم استشارها إن كان من الأفضل أن يحذره منها.

زعم بيريرا أنه فهم رد زوجته، فعاد ونصح الشاب أن يأخذ حذره من مارتا، فجامله مونتيرو روسي برد لطيف، وأخرج له من جيبه مقالاً عن الشاعر الإيطالي دانّونسيو، واعداً إياه أنه في المرة القادمة سيتكلم عن بعض الكتّاب الكاثوليك. غضب بيريرا حتى قبل أن يقرأ المقال:" اسمع، لا تظنن أنني أريد كُتّاباً كاثوليكيين بأي ثمن، فنظراً لأنك أعددت بحثاً عن الموت فكِّر بكتّاب اهتموا بهذه المسألة، أي مسألة الروح، بدلاً من أن تأتيني بسيرة رجل دنيوي كدانّونسيو. هذا الرجل وإن كان شاعراً جيداً إلا أنه قضى حياته في العبث، والعابثون لا ينالون إعجاب صحيفتي، أو على الأقل لا ينالون إعجابي".

عثر بيريرا على سكن لابن عم مونتيرو روسي، ودفع إيجار الغرفة، ثم اتفق مع مونتيرو روسّي على أن يتقابلا ظهر اليوم التالي في مقهى أوركيديا، ثم قضى ليلته بعد هذا يترجم بعض أعمال بلزاك(1). وفي صباح اليوم التالي زعم بيريرا أنه اتصل بطبيبه يشكو ضيقاً في التنفس، فأشار عليه الدكتور أن يقضي بضعة أيام في مصحة للعلاج الطبيعي تمارس رقابة جيدة على نزلائها، ويديرها أطباء متخصصون درسوا في فرنسا. استحسن بيريرا الفكرة، ولكنه زعم أن ارتباطه بالصحيفة يحول بينه وبين الذهاب لهذه المصحة. ذكّره طبيبه أن صحيفته أسبوعية، وبإمكانه أن يعدّ مواد أسبوعين أو ثلاثة ويسلمها للمطبعة قبل دخوله للمصحة، وختم حديثه معه قائلاً:" الصحة أهم من الثقافة". وافق بيريرا بعد هذا الإلحاح، وطلب إلى طبيبه أن يحجز له مكاناً لمدة أسبوع فقط.

حان وقت ذهاب بيريرا إلى مقهى أوركيديا للقاء مونتيرو روسي، ولكنه فضل أولاً قراءة المقال عن دانّونسيو، إذ لم يتسن له قراءته بالأمس. بدأ مونتيرو روسي مرثيته قائلاً: "منذ خمسة أشهر تماماً، في اليوم الأول من مارس عام 1938، وفي الساعة الثامنة مساءً. مات غابريلي دانّونسيو. في ذلك الوقت لم تكن هذه الصفحة الثقافية ولدت بعد، ولكن الآن جاء الوقت المناسب لنتحدث عنه. هل كان دانّونسيو شاعراً عظيماً...؟ من الصعب الإجابة عن هذا السؤال، لأن أعماله ما تزال جديدة لنا نحن معاصريه. ولعله من الأفضل أن نتحدث عن صورة الإنسان التي اختلطت بصورة الفنان. كان الرجل قبل كل شيء شاعراً ملهماً، أحبّ الترف، والحياة الاجتماعية، والكلام المنمق، والنشاط والحركة. كان من كبار رواد أدب الانحلال، محطماً للقواعد الأخلاقية، عاشقاً للفسق والفجور. تبنى أسطورة الإنسان الأعلى "سوبرمان" من الفيلسوف الألماني نيتشه(2)، كان داعية للدخول في الحرب العظمى، مناوئاً للسلام بين الشعوب. قام بممارسات حربية واستفزازية، كالطيران فوق فيينا عام 1918، حين ألقى منشورات إيطالية على المدينة. بعد الحرب نظم احتلال مدينة فيومي (Fiume) ... أطلق عليه فرناردو بيسوا(3) لقب "البوق المنفرد" (assolo di trombone)، ربما لم يكن مخطئاً، فالصوت الذي يصلنا منه لا يشبه صوت كمان عذب، بل صوت آلة نفخ مدوية كهزيم الرعد، صوت بوق حاد ومزعج. حياة قلَّ مثلها، وشاعر داعر، ورجل يطفح بالشبهات والفساد، إنه رمز لا يجب تقليده، وهذا هو مدعاة تذكُّرنا له اليوم".

*   *   *

زعم بيريرا أنه حال وصوله إلى المقهى رأى مارتا تجلس في إحدى زواياه. قالت إنها جاءت نيابة عن صديقها مونتيرو روسي الذي سافر إلى ألنتيخو. سأل بيريرا عن ابن عم مونتيرو روسي، فنظرت إليه مارتا مبتسمة، وجرى بينهما الحديث التالي:

مارتا: كنت نعم العون له و لمونتيرو روسي، كنت حقاً رائعاً، أنت واحد منّا.
بيريرا: اسمعي يا آنسة، أنا لست منكم ولا منهم، أنا أفضل العمل بمفردي، ثم لا أعرف من أنتم، ولا أريد أن أعرف. أنا صحفي ومتفرغ للثقافة، انتهيت تواً من ترجمة قصة لبلزاك، أما قصصكم فأفضل عدم متابعتها، لست مراسل أخبار.
مارتا: نحن لسنا مراسلي أخبار، يا دتور بيريرا، أرجو أن تفهم هذا جيداً، نحن نعيش التاريخ لا ندونه.
بيريرا: التاريخ كلمة كبيرة، لقد قرأت فيكو(4) وهيغل(5)، التاريخ ليس حيواناً يمكن ترويضه.
مارتا: ربما لم تقرأ لماركس.
بيريرا: لا لم أقرأه، ولا يهمني. لقد سئمت من المدارس الهيغلية. ودعيني أكرر لك شيئاً سبق أن قلته لك: أنا لا أفكر إلا في نفسي وفي الثقافة، هذا هو عالمي الذي أعيش فيه.
مارتا: هل أنت فوضوي مستقل؟ هذا ما أحب أن أعرفه.
بيريرا: ماذا تقصدين؟
مارتا: لا تقل لي إنك تجهل معنى "فوضوي مستقل". إسبانيا مليئة بالفوضويين المستقلين...
بيريرا: اسمعي يا مارتا، أنا لم آت إلى هنا للحديث في السياسة. السياسة، كما قلت من قبل، لا تهمني، فالثقافة هي اهتمامي الأساسي. أنا أتيت إلى هنا لمقابلة مونتيرو روسّي، وأنت قلت إنه ذهب إلى ألنتيخو، ماذا ذهب يصنع هناك؟
مارتا: ذهب مرافقاً لابن عمه، ففي تلك المدينة يكثر الراغبون في التطوع للقتال في إسبانيا، في ألنتيخو توجد تقاليد ديمقراطية، ويوجد كثير من الفوضويين المستقلين من أمثالك. باختصار ذهبوا لتجنيد متطوعين.
بيريرا: حسناً، بلغيه تمنياتي له بالتوفيق في مهمته.

ذكر بيريرا لمارتا أن مقال مونتيرو روسّي عن دانّونسيو غير صالح للنشر، وكتب لها رقم هاتفه في المصحة التي سيكون فيها وطلب إليها تسليمه إلى صديقها. وزعم بيريرا أنه بعد أن ودّع مارتا شعر بارتياح وسعادة لا يعرف كنههما.

*   *   *

نترك بيريرا يشرب عصيره المفضل في مقهى أوركيديا، وسنرافقه في الحلقة القادمة إلى المصحة، حيث سيتعرف على طبيب يسبر له أغوار نفسه، ويشرح له خباياها، ويشجعه على استئصال الماضي من حياته اليومية ليودع ظلام القبور، ويفتح نوافذ نفسه لأنوار الحياة والتفاؤل والنشاط.
________________________________________________

(1) أونوريه دي بلزاك   Honoré de Balzac (1799-1850) من أشهر أدباء فرنسا، وأحد أهم أركان المدرسة الواقعية.
(2) فريدريك نيتشة   Friedrich Nietzche (1844-1900) فيلسوف ألماني له مباحث ونظريات رائدة في الفن والأدب والنقد، وآراؤه في الدين، وإيمانه بالقوة وبقدرة الإنسان على تفجير طاقاته النفسية، جعلت كثيرين ممن يؤمنون بالعنف يعدّونه ـ خطأ ـ إمامهم ورائدهم.
(3)   Fernando Pessoa (1888-1935) أحد أعظم الشعراء والأدباء البرتغاليين.
(4)   Giambattista Vico (1668- 1744) فيلسوف وأديب إيطالي.
(5)   Georg Wilhelm Friedrich Hegel (1770-1831) أحد أشهر الفلاسفة الألمان، صاحب المنطق الجدلي الهيغلي.


         
         

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home