Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Youssef El-Megreisi

Friday, 28 April, 2006

         
         

( 3 )

صراع الأنفس :

مطالعـة في رواية "يزعـم بيريرا" لأنطونيو تابوكي
(3)

يوسف المجريـسي

في هذه الحلقة نتناول رحلة بيريرا إلى مدينة كويمبرا، وهي على بعد نحو 200 كيلومتر شمالي العاصمة البرتغالية، وتشتهر بجامعتها العريقة. وسنرى فيها بيريرا شخصاً آخر تماماً في أفكاره، إلا فيما يخص الموت.

فكر بيريرا في قضاء بضعة أيام في حمامات بوشاكو بكويمبرا، إذ كان صديقه البروفيسور سيلفا، أحد الأساتذة الجامعيين، دعاه عدة مرات للاستمتاع بالماء الحار الطبيعي. كان بيريرا يعلم أن رئيس تحرير صحيفته سيكون هناك، ولكنه زعم أنه سيتفادى الحديث معه معتذراً بوجود صديقه سيلفا معه.

وجد بيريرا صديقه سيلفا في استقباله بمحطة القطار. بدأ البروفيسور حديثه في السيارة ناصحاً صديقه الكئيب: "عليك أن تجد رفيقة لحياتك تدخل على نفسك البهجة والسرور، إنني أقدر ارتباطك الحميم بذكرى زوجتك، ولكنك لا تستطيع أن تقضي بقية حياتك في حصد الذكريات". أجابه بيريرا "أنا عجوز، إنني سمين جداً، وأعاني من مشاكل في القلب. "فرد عليه سيلفا: "أبداً أنت لستَ عجوزاً إطلاقاً، أنت في سنّي، ثم إنك تستطيع أن تتبع حمية، وتأخذ إجازة، وتهتم أكثر بصحتك". "هيهات" أجابه بيريرا.

دخل بيريرا مع صديقه سيلفا لتناول العشاء في مطعم الفندق، وكانت صالة المطعم رائعة، سقفها مزخرف بالزهور على طراز مباني القرن التاسع عشر. هناك وجد رئيس التحرير يتناول العشاء مع سيدة ترتدي فستان السهرة، فحيّا كل منهما الآخر من بعيد، ثم أشار إليه رئيسه أن يأتي إليه.

رئيس التحرير: مساء الخير، يا دتور بيريرا، لم أتوقع رؤيتك هنا، هل هجرت الصحيفة؟
بيريرا: سيدي، أريد أن أكلمك في أمر إن لم يكن لديك مانع. لقد عينت متمرّناً ليساعدني على كتابة المقالات التأبينية المعدة سلفاً لكبار الكتاب الذين قد يموتون بين لحظة وأخرى.
رئيس التحرير: دتور بيريرا! إني أتناول العشاء مع سيدة لطيفة ورقيقة، وكنت أتحدث معها في أمور مسلية، وتأتي أنت لتكلمني عن أناس على حافة القبر!
بيريرا: معذرة سيدي، ما كان بودّي أن أفتح معك حديثاً مهنياً، ولكن في الصفحات الثقافية علينا أن نتوقع موت هذا الفنان أو ذاك، وإذا مات أحد فجأة فمن العسير كتابة رثاء بين عشية وضحاها. تذكر أنه منذ ثلاث سنوات عندما مات ت. إ. لورانس(1) لم ترثه أية صحيفة برتغالية إلا بعد وفاته بأسبوع، وإذا أردنا للصحيفة أن تكون معاصرة فعلينا مواكبة الحدث.
رئيس التحرير: لا تعد إلى الحديث عن الموت، الله يرحم والديك، وإلا ستنكد علينا عشاءنا، وفيما يتعلق بالصفحة الثقافية افعل ما تشاء... طاب مساؤك وطابت شهيتك.

انصرف بيريرا إلى صديقه سيلفا، وجلس يتناول معه العشاء، وبعد فترة من الصمت دار بينهما الحديث التالي:
بيريرا: ما رأيك في هذا كله؟
سيلفا: في كل ماذا؟
بيريرا: في كل ما يحدث في أوروبا.
سيلفا: لا تهتم، نحن لسنا في أوروبا، نحن في البرتغال.
بيريرا: ولكنك تقرأ الصحف وتسمع الراديو، إنك تعلم ماذا يحصل في ألمانيا وإيطاليا، إنهم متعصبون، يريدون وضع العالم بين الحديد والنار.
سيلفا: لا تقلق، إنهم بعيدون.
بيريرا: حسناً، ولكن إسبانيا ليست بعيدة عنا، إنها على بعد خطوتين من هنا، وأنت تعلم ما يجري في إسبانيا، إنها مجزرة، مع أنه كانت هناك حكومة دستورية، كل هذا بسب جنرال متعصب.
سيلفا: حتى إسبانيا بعيدة، نحن في البرتغال.
بيريرا: حتماً، ولكن حتى هنا الأمور ليست على ما يرام، البوليس يتسلط ويقتل الناس، في البلد اضطهاد، ورقابة على حرية التعبير، هذا بلد استبدادي، الناس لا تساوي فيه شيئاً، الرأي العام لا يساوي شيئاً.
سيلفا: أصغ إلي يا بيريرا جيداً، أما زلت تؤمن بالرأي العام؟ الرأي العام خدعة صنعها الأنجلو– سكسونيون. الإنجليز والأمريكان هم الذين يتبرزون علينا بفكرة الرأي العام، معذرة على التعبير، نحن الذين لم يكن لدينا يوماً نظامهم السياسي، ولا تقاليدهم، ولا نعرف شيئاً عن نقابات العمال. نحن قوم من الجنوب، يا بيريرا، من يصرخ أكثر هو الذي يحكمنا.

استمر النقاش الساخن بينهما، وذكّر سيلفا صديقه بيريرا بما درساه معاً في الجامعة من القصائد الغنائية الشعبية، وعاداتهم في البرتغال: كيف كان الشباب يذهب للحرب، وتبقى النساء في البيوت تنتحب، وعاد الجدال بينهما من جديد:
سيلفا: الملك كان هو الحاكم، هل فهمت؟ القائد هو الذي يأمر، وكنا دائماً في حاجة إلى قائد، واليوم أيضاً نحتاج إلى قائد.
بيريرا: لكنني صحفي.
سيلفا: وإذن؟
بيريرا: إذن يجب أن أكون حراً، لأقدم أخباراً صحيحة للناس.
سيلفا: وما دخل هذا؟ أنت لا تكتب مقالات سياسية، بل تكتب مقالات ثقافية.
بيريرا: اسمعني جيداً، تخيل أن مارينتّي مات غداً، هل تعرف من هو مارينتّي؟
سيلفا: معرفة غامضة.
بيريرا: حسناً، مارينتّي شخص قذر، يتغنى بالحرب، سوّغ المجازر ودافع عنها، إنه رجل إرهابي، بارك المسيرة نحو روما(2)، مارينتّي شخص قذر، إن من واجبي أن أقول هذا الكلام.
سيلفا: اذهب إلى انجلترا، وهناك قل ما تشاء، سيكون لك قراء كثيرون.
بيريرا: سأذهب إلى سريري، انجلترا بعيدة جداً.

قطع بيريرا إجازته وعاد إلى لشبونة، وفي القطار جلس بجوار امرأة ذات ساق خشبية، كانت تقرأ في كتاب لتوماس مان(3). كانت ألمانية يهودية من أصل برتغالي، تتكلم البرتغالية بطلاقة ولكن بلكنة أجنبية، كانت تنتظر الحصول على التأشيرة الأمريكية، فانتهزت فرصة إقامتها للتعرف على المدن البرتغالية ومعرفة جذور أسرتها.

بدأ بيريرا حديثه معها معرفاً بنفسه، وفعلت هي الشيء نفسه، وصرحت له أن قومها غير مرحب بهم في أوروبا، ولا سيما في ألمانيا، وهي تدرك، من خلال قراءتها للصحف، أن التعاطف مع اليهود منعدم تماماً. وفيما يلي بعض ما دار بينهما:

السيدة: ربما كانت صحيفتك هي الاستثناء الوحيد، رغم أنها كاثوليكية، كاثوليكية أكثر مما ينبغي لشخص غير كاثوليكي.
بيريرا: هذا بلد كاثوليكي، أنا كاثوليكي أيضاً، كاثوليكي على طريقتي الخاصة. لقد قامت محاكم التفتيش عندنا للأسف، وهذا شيء لا يشرفنا، ولكن، أنا مثلاً، لا أؤمن بالبعث الجسماني، ولا أدري إن كان هذا يعني لك شيئاً؟
السيدة: لا أبداً، لا يعني لي شيئاً، هذا الأمر لا يعنيني بتاتاً.
بيريرا: لاحظت أنك تقرئين كتاباً لتوماس مان، أحبُّ هذا الكاتب كثيراً.
السيدة: هو أيضاً ليس راضياً عمّا يجري في ألمانيا.
بيريرا: أنا كذلك لست راضياً عمّا يجري في البرتغال.
السيدة: افعل شيئاً إذن.
بيريرا: شيئاً مثل ماذا؟
السيدة: أنت رجل مثقف، تحدث عمّا يجري في أوروبا، عبر عن وجهة نظرك الحقيقية، افعل شيئاً.

زعم بيريرا أن ذهنه ازدحم بما كان يريد أن يقوله لها. "كان يريد أن يقول لها إن رئيسه في العمل محسوب على النظام، وفوق هذا كله يوجد نظام بوليسي فرض رقابته على الصحف، وأن جدار الصمت مضروب على الناس جميعاً، ولا يمكن للناس أن يعبروا عن آرائهم بحرية، وأنه يمضي أيامه في حجرة بائسة في شارع رودريغو دا فونيسكا بصحبة مروحة مصابة بالربو(4)، تراقبه بوابة العمارة التي كانت على الأرجح مخبرة للبوليس. ولكنه لم يقل شيئاً من هذا. قال لها: سأفعل ما في وسعي سيدتي، ولكن ليس من السهل على شخص مثلي أن يفعل ما في وسعه في بلد كهذا، أنا لست توماس مان، أنا مجرد محرر مغمور لصفحة ثقافية في صحيفة مسائية متواضعة، أحيي ذكريات بعض الكتاب اللامعين، وأترجم قصصاً فرنسية من القرن التاسع عشر، أكثر من هذا لا أستطيع أن أفعل". أجابته: "أقدّر هذا"، ثم أضافت: " بإمكانك أن تفعل كل شيء، يكفي توفر الإرادة". نظر بيريرا عبر نافذة القطار ساهماً وتنهد.

بعد عودته لم يجد بيريرا من يحدّثه عن تفاصيل الرحلة إلا صورة زوجته.

*   *   *

ونترك بيريرا يحاور زوجته ونمضي معه في الحلقة القادمة لنتابع مشاكله وتقلبات مواقفه الفكرية، ونرى بداية دخوله في المعمعة السياسية.
________________________________________________

(1) توماس إدوارد لورانس   T. E. Lawrence (1885 – 1935) كاتب وأديب وعالم آثار إنجليزي كان يعمل لصالح الاستخبارات البريطانية. قاتل الأتراك مع العرب، كان مشهوراً باسم لورانس العرب، وسجل ذلك كله في كتابه الشهير "أعمدة الحكمة السبعة" (The Seven Pillars of Wisdom) الذي أبدى فيه إعجابه وتعاطفه مع العرب.
(2) في 31 أكتوبر 1922، اليوم التالي من تعيين ملك إيطاليا لموسوليني رئيساً للوزراء، خرج سبعون ألف فاشي يتقدمهم موسوليني في مسيرة نصر استعراضية في روما كان قد دعا إليها موسوليني قبل وصوله إلى السلطة. فبعد أن سيطرت المليشيا الفاشية على بعض المدن الإيطالية الكبرى في صيف عام 1922 فقدت حكومة روما قبضتها على الوضع في البلاد، ودعا موسوليني في خطاباته إلى المسير نحو روما. كان آخرها خطاب ألقاه في نابولي في 24 أكتوبر أعلن فيه أمام أكثر من أربعين ألفاً من أنصاره حتمية وصول الفاشيست إلى السلطة، فلقيت دعوته ترحيباً من بعض رجال الفكر والأدب في إيطاليا، وغدت علامة فارقة في تاريخ إيطاليا، ونقطة سوداء في تاريخ كل من أيدها أو سار فيها من رجالات إيطاليا، لأنها قادت إلى حكم استبدادي فاشي لم تر إيطاليا نهايته إلا بعد خرابها واحتلالها على يد قوات الحلفاء. ويوم أمر ملك إيطاليا موسوليني بتشكيل وزارة، بسبب خذلان الليبراليين له، لم يكن حزبه الفاشي يملك إلا 32 مقعداً من أصل 535 مقعداً في البرلمان. فانهزمت الأغلبية الصامتة أمام القلة الغوغائية الناشطة.
(3)   Thomas Mann (1875-1955) أديب ألماني فاز بجائزة نوبل للأدب عام 1929، ترك ألمانيا عام 1933 بعد وصول هتلر إلى السلطة، عاش فترة في سويسرا ثم هاجر إلى أمريكا عام 1938.
(4) كانت المروحة التي في مكتب بيريرا تتوقف عن العمل باستمرار، وتحتاج إلى هزّ في كل مرّة، وكان هذا في ظروف الحر الشديد يزيد من تعب بيريرا، ويزيد من عرقه.


       
       

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home