Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Youssef El-Megreisi

الأحد 27 يوليو 2008

عـشاق العـصا

يوسف المجريـسي

"يولد الناس أحراراً" مقولة تكاد كل شعوب الأرض ترددها. فهل حقاً يولد الناس أحراراً؟

كان أولاد الرقيق يولدون عبيداً مملوكين لأسياد آبائهم ولا يولدون أحراراً، فمقولة "يولد الناس أحراراً" لا تستقيم لا حقيقة ولا مجازاً إلا إذا أنكرنا على الرقيق الصفة البشرية: أي أنهم لا يصنفون من ضمن "الناس". وربما لهذا لم تكن حياة العبد تساوي حياة الحر، وكانت لهم أحكام خاصة بهم، ولا يزال "فقه الرقيق" يدرس في الجامعات الإسلامية، ويتناوله الفقهاء في مؤلفاتهم إلى اليوم.

أول ما ينزل الإنسان إلى الدنيا تستقبله اللفائف والأقمطة،1 ويظل مقيّداً ومعتمداً كلياً على أمه، إن شاءت أرضعته من لبنها، وإن شاءت سلمته لمرضعة أخرى، وإن شاءت أرضعته حليباً صناعياً، وإن شاءت تركته يموت جوعاً. إن شاءت غسلته وألبسته وحمته من الحر والقر، وإن شاءت أهملته وتركته بقذارته في البرد والعراء، وإن شاءت دسته في التراب، كما كانت الحال في الجاهلية.

وليس للوليد خيار في تشكيل هويته، فيفرض عليه كل شيء فرضاً: الاسم؛ نوع الطعام؛ نوع اللباس؛ اللغة؛ الثقافة؛ الدين؛ المذهب؛ وغيرها. حتى القلفة يتم إزالتها عند اليهود والمسلمين في سن مبكرة، ولا خيار للطفل في هذا كله، وقد تتحول طفلة رضيعة إلى دمية جنسية يعبث بها وحش آدمي برضا أهلها ومباركتهم، ولا يزال فقهاء المسلمين حتى يومنا هذا يحكمون بصحة الزواج من الرضيعة، ثم تراهم بعد هذا يتشدقون بمقولة عمر بن الخطاب: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟"

الحقيقة التي لا مراء فيها أن الإنسان لا يملك عند ولادته من أمره شيئاً، قد يسلم لأسرة غير أسرته لتربيه، أو لملجأ أيتام ليعتني به، أو يقتل، أو يباع، أو يلقى في اليم، أو على قارعة الطريق ليلتقطه بعض السيارة، وقد يقدم قرباناً، وهو لا يزال في المهد صبياً، لصنم أو وثن من الأوثان. ولولا نهي القرآن عن قتل الأولاد لربما ظلت عادة وأدهم في التراب خشية العار والإملاق تمارس عندنا إلى اليوم.

لا يولد أحد حراً، حقيقة يؤكدها القرآن الكريم: "إذ قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محرراً فتقبل مني، إنك أنت السميع العليم"، قد نختلف في تفسير كلمة "محرراً" أو تأويلها، ولكن لا نستطيع أن ننكر أن السيدة مريم، عليها وعلى ابنها السلام، تم اختيار مستقبلها، منذ أن كانت في بطن أمها، برغبة من أمها وليس بأمر من السماء، فأمها هي التي قررت ونذرت ودعت، والله استجاب لدعائها وتقبل نذرها، أما كفالتها فتمت بالقرعة: "وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم، وما كنت لديهم إذ يختصمون".

إن الحرية تكتسب اكتساباً مع نمو عقل الإنسان وإدراكه، ولا يوجد على وجه الأرض من يولد حراً، فلا حرية إلا لمن حرر نفسه، مستميتاً في نيلها واستردادها ممن يسعون إلى سلبها منه. بل أجدني أذهب أبعد من هذا وأعكس هذه المقولة تماماً، وأقول: إن الناس يولدون عبيداً مملوكين لآبائهم أو أسيادهم، أما الأحرار فلا يولدون وإنما هم الذين يلدون حريتهم. الحر هو من يخرج على سلطة المتسلطين ويرفض هيمنة المستعبدِين، ولا ينحني للسوط ولا يخضع للعصا، وإن لزم الأمر ألهب بهما ظهر الجلاد.


أقوى سلاح يملكه المضطهِد هو عقل المضطهَد 2

إن حب الإذعان للأقوياء، أو الاحتماء بهم، أو الاعتماد عليهم، وإيجاد "سيد" أو قائد يُطاع ولا يُعصى، أمور مستأصلة في كيان الإنسان ولا يستطيع عنها فكاكاً إلا أولوا العزم من البشر. وهناك أقوام يشدون الرحال ويدفعون الأموال لكي يجلدوا بالسياط على ظهورهم وأدبارهم، وتُنـزل بهم جميع أنواع المهانة والمذلة، فلا تستغرب من "عشاق العصا" الذين يتساقطون واحداً تلو الآخر وينضمون إلى قافلة العبيد لسبب من الأسباب، فالعبودية هي الأصل في الإنسان، ولا يمكن أن يفهم الحرية أو يستوعبها أو يتذوق حلاوتها والاستمتاع بها إلا من حرر نفسه من الرق النفسي والفكري تحرراً حقيقياً، ولا يمكن أن يتحرر الإنسان من العبودية حقاً إذا فضل على الحرية شيئاً آخر في الوجود، فالحرية للحر كالماء للسمك.

الناس في أغلب الشعوب لا يقاتلون من أجل حريتهم الشخصية كما يقاتلون من أجل استقلال أوطانهم، لأن اللغة والدين والثقافة والعادات والتقاليد تلقن لهم منذ الصغر، ولهذا يرفضون الغريب تلقائياً كما يرفض الجسم العضو الغريب المزروع، ولكنهم لا يتلقون شيئاً من معاني الحرية والاستقلال الفكري، لأن الإنسان بطبعه، ولا سيما الشرقي، يجب أن يُطاع ويُتّبع في كل صغيرة وكبيرة. فالمجتمعات التي تتحكم فيها العقلية الأبوية والقبلية وتقاليد الجاهلية لا تشجع أحداً على الاعتراض، أو الرد على من هو أكبر منه سناً، أو أكثر منه علماً، فلا تعرف ما تلقنه لأبنائها إلا معاني الطاعة والانصياع والامتثال للأوامر، ويعتقدون أن الآباء أدرى بمصالح أبنائهم من أنفسهم، بل يضعون طاعتهم في مرتبة طاعة الله: "طاعة الأب من طاعة الرب"، ولهذا يطلقون دائماً على طغاتنا: "أبو العائلة"؛ "أبو الأسرة"؛ "أبو الدولة"؛ وأدبيات فقه الإذعان تمتلئ بهذه الألقاب والأمثلة:

• جانب السلطان واحذر بطشه        لا تعاند من إذا قال فعل 3

• بلادي وإن جارت علي عزيزة      وأهلي وإن ضنوا علي كرام 4

الحرية بمفهومها السياسي المعاصر مصطلح دخيل على لغة العرب. فالشعوب العربية اليوم كلها شعوب حرة بالمصطلح اللغوي القديم، فمادام الرجل ليس مملوكاً لأحد، ولا يباع في أسواق النخاسة، وليس أسيراً عند أحد، فهو حر، أي: خلاف العبد. ولا يوجد كلمة مرادفة لـ "الحرية" في اللغة العربية، ولا لكلمة "الحر". والشيء نفسه ينطبق على المرأة: الحرة هي خلاف الأمة أو الجارية. ولا تزال الحرية بمفهومها المعاصر لا تشكل أية أهمية في أولويات الإنسان العربي، ولا يشعر بفقدها إلا إذا دخل السجن.

إن من أصعب المعارك التي يخوضها الإنسان في حياته تحرير نفسه من هيمنة الآخرين، ولا تتحرر النفس حقاً إلا عندما ترفض كل أشكال الوصاية فلا تقبل أن يفكر أحد نيابة عنها، ولا تقبل أن تتوسل حقوقها من أحد، ولا تذعن لشيء غصباً أو كرهاً، ولا ترضخ لضغط أو ابتزاز، ولا تتهاوى أمام إغراء المادة والجاه والسلطان.

لو قاتل كل فرد دفاعاً عن حريته الشخصية لما استطاعت دولة أن تحتل دولة أخرى إلا إذا أفنت شعبها بالكامل. كيف تمكنت بريطانيا من احتلال وإدارة شبه القارة الهندية؟ كيف تتمكن جيوش من عشرات الآلاف أن تفرض هيمنتها على مئات الملايين مهما امتلكت من سلاح وقوة؟ كيف استطاعت بريطانيا القلية السكان أن تجعل نصف سكان الكرة الأرضية في القارات الخمس يذعنون لصولجانها وسلطانها؟ لو استخدمت بريطانيا في ذلك الزمن ذخائر جيوشها كلها لنفدت قبل ينفد عشر سكان حي من أحياء بومباي أو كراتشي، ولكن الجيوش الغازية عبر كل العصور تدرك أنها بمجرد أن تقتل بضعة آلاف فإن بقية الملايين ستذعن لها، ولهذا ترى ثلاثة جنود أو أربعة يتمكنون ببضع بنادق أكلها الصدأ من فرض منع التجول على شارع طويل عريض يسكنه المئات. وثلاث أو أربع سيارات عسكرية تجوب بضعة شوارع كفيلة بأن تشل أحياء سكنية يقطنها عشرات الآلاف، وبهذه الطريقة تتمكن شرذمة ضباط من القيام بانقلاب عسكري وبسط هيمنتهم على بلاد برمتها في سويعات. نظام كامل يتهاوى ويتساقط ببيان من الإذاعة، وببضعة آلاف من الجنود يسيطرون بهم على بلد قد يبلغ تعداده عشرات الملايين.

لو عدّ كل فرد الأمر مساساً بحريته الشخصية، وليس شأناً عاماً يخص الوطن كله، لخرج الناس جميعاً يتحدون حتى من يفرض عليهم منع التجول، دعك أن يفرض عليهم الحكم بالغصب والقوة، سواء أكان غازياً أجنبياً أم غازياً محلياً، ولكن مادامت الحرية لا تعني للفرد شيئاً فمسؤولية الدفاع عن الوطن في نظره مسؤولية الجيش، أو المعارضة، أو المثقفين، وغيرها من أسباب وأعذار يسوغ بها العبيد عبر العصور إذعانهم وخضوعهم لكل حقير يسودهم.

ساداتُ كل أناس من نفوسهمُ         وسادة المسلميـن الأعبـدُ القــزمُ
أغاية الدين أن تحفوا شواربكم      يا أمة ضحكت من جهلها الأمم؟

لو كان كل فرد يعد نفسه "صاحب الزرع" لما تجرأ ملازم نكرة أن يحول بلداً برمته إلى مزرعة خاصة به، وشعبها إلى عبيد له فيها. وقد أثبتت الأزمة الأخيرة مع سويسرا5 للعالم أجمع أن مصالح ليبيا ومواردها المالية والبشرية لا تسخر إلا لخدمة سفهاء سرت: القذافي وصبيانه.

بلادنا ليست إلا مزرعة كبرى يُرغم فيها العبيد على تقديم طيبات ثمراتها "للسيد المالك" وينتظرون صابرين ما يجود به عليهم من فضلاته وفضلات صبيانه، وأي فرد في المزرعة يتجرأ أن يكسر القيد ويحرر نفسه من هيمنة "السيد" تأتي مجموعة من العبيد الأوغاد المخصيين روحياً وفكرياً ليشدوا وثاقه متفانين ومتسابقين في خدمة مالكهم.

جاء في ديباجة ما يسمى الميثاق الوطني للدولة الليبية: "إننا نشجب العنف أداة لفرض الأفكار..." وورد في ما يسمى الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان: "أبناء المجتمع الجماهيري يحرمون العمل السري واستخدام القوة بأنواعها والعنف والإرهاب والتخريب، ويعتبرون ذلك خيانة لمثل وقيم المجتمع الجماهيري... وينبذون العنف وسيلة لفرض الأفكار والآراء ..."

لا شيء يرعب المستبدين والمستعبدِين كما يرعبهم حمل المضطهَدين للسلاح لاسترداد حريتهم وحقوقهم، فيحرم هؤلاء المنافقون الجبناء على الناس ما أباحوه لأنفسهم. ومع هذا ترى "عشاق العصا" في صفوفنا ينصاعون لأوامر "السيد" ويشنعون على الكفاح المسلح وأنصاره، وينكرون على المستضعفين استخدام الآلات الحادة لكسر سلاسل وأغلال من حديد تلف أعناقهم وأيديهم وأرجلهم منذ أربعين سنة.


العبد السعيد أكبر عدو للحرية

بلادنا مستعبدة أرضاً وشعباً ولا يفك أسرها من أغلال القذاذفة وسلاسلهم إلا مقاومة ومعركة تحرير شاملة، ولا مقاومة حقيقية وفعالة بدون سلاح، ومن يريد أسوداً نباتية بدون مخالب وأنياب فليبحث عنها في غير هذا الكون. لابد من إذكاء نار الحرب ضد طغمة سرت الفاسدة التي استعبدتنا ولو بدأناها بحرائق بالبنـزين والكبريت وقنابل المولوتوف، فالمعارضة السلمية لا تجدي مع العقلية الفاشية وقبائل الجهل والتخلف.

إنه لا يحق لمخلوق أن يمنعنا أو يحرم علينا استخدام كل وسائل القوة من أجل أن نحرر أنفسنا ونسترد كرامتنا وحقوقنا وأرزاقنا. لن نتوسل حقوقنا، ولن نستجدي أحداً، ولن نقبل أبداً أن نكون عبيداً تتوارثنا ذرية القذافي الفاسدة ولو كلفتنا الحرية حرباً لا تبقي ولا تذر.


عندما يكون الظلم قانوناً تصبح المقاومة واجباً

أملنا في المستضعفين والمحرومين والعاطلين والناقمين من شباب بلادنا لينتفض ويثور على كل ما له علاقة بنظام سرت الفاشي المتسلط، أما "عشاق العصا" ومحررو عرائض التسول وكتاب رسائل الاستجداء المفتوحة للطغاة وأبنائهم، فلا يرجى منهم خير، ولن يزيدوا هذا النظام العفن إلا صلابة وقوة.

الشعوب التي لا تمل من وضع "الكريمات" والمراهم على ظهورها ولا تنـزع السياط بالقوة من جلادها لن تتحرر أبداً. فالحرية تؤخذ أخذاً ولا تعطى، وتؤخذ كاملة ولا تتجزأ.

وليس لنا، عشاق الحرية، ما نقدمه لإخوتنا "عشاق العصا" والمتفائلين "بالحراك السياسي" إلا أن نقول لهم: لكم دينكم ولنا دين، وهنيئاً لكم العصا، وللقذافي نقول: احتفظ لنفسك "بخراك السياسي".
________________________________________________

1. الجمع الصحيح للقماط: قمّط، ولكن الجمع الشائع والسائر على الألسنة هو أقمطة.
2. المقولة لستيف بيكو أحد أشهر رجال المقاومة لنظام جنوب إفريقيا العنصري، قضى نحبه عام 1977 تحت التعذيب في أحد سجون بريتوريا المظلمة.
3. بيت من "لامية" ابن الوردي، إحدى أشهر قصائد الوعظ في الأدب العربي.
4. من أشهر أبيات أحمد شوقي التي ترددها شعوبنا الغافلة بفخر وحماسة. لا والله، ليست بعزيزة دولة يظلم فيها الإنسان ويهان، ولا خير إلا في أهل يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة. حب الأوطان لا يبنى على العواطف والبكاء على ترابه أو سمائه، فالوطن يجب أن يكون حرية وكرامة قبل أن يكون أرضاً وأهلاً.
5. لا أظن أن سويسرا دخلت في معركة سياسية أو دبلوماسية مع أية دولة منذ قرون إلى أن ابتلاها الله بدولة الهمجية في سرت، حتى الطاغية هتلر الذي احتل جل أوروبا رفض احتلالها، واحترم حيادها رغم فرار عشرات الآلاف من اليهود الألمان بأموالهم إليها، ورغم أن غزوها لم يكن يكلف الجيش الألماني أكثر من بضع ساعات، ولكن شتان بين فوهرر ألمانيا الجبار وبين بهلوان سرت الحقير.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home