Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Youssef El-Megreisi

Friday, 27 July, 2007
     

أبجديات منسية في العمل الوطني
( 2 من 4 )

يوسف المجريـسي

لقد خصصت جبهة الإنقاذ بالذكر في مقالي "أزمتنا: حقائق وأوهام" لأنني كنت أحد أعضائها وعايشت الفترات الأولى من تأسيسها. كنت أحد سبعة أنفار أو ثمانية ممن ناقشوا المسودة النهائية لبيانها التأسيسي في الرباط قبل إذاعته بأيام. ثم سافرت إلى الخرطوم بعد إعلان التأسيس مباشرة، ومكثت أشرف على أعمال مكتب الجبهة هناك لمدة سنتين. فعندما يشهد الإنسان عليه أن يشهد بشيء عايشه ورآه، وليس على شيء سمع عنه فحسب. وعندما كتبت مقالي لم أقل إنني سأؤرخ للمعارضة الوطنية، فعدم ذكري للفصائل الأخرى لا يعني الحط من قدرها أو الانتقاص من دورها، أو تجاهل مناقب رجالها وكفاحهم الطويل. لقد ربطتني صداقة وطيدة بكثير من رجال المعارضة الوطنية المخلصين قبل انضمامي للجبهة، ولا تزال هذه الصداقة قائمة إلى اليوم، ولكني لم اختلط بهم اختلاط عمل يومي كما اختلطت بأعضاء الجبهة وقادتها. أما ظاهرة بروز تنظيمات مكوّنة من نفرين أو ثلاثة فكانت معروفة في تلك الفترة، ولا تزال موجودة بيننا إلى اليوم.

يحسب للجبهة أنها كانت أول فصيل معارض يتوسع في ضم الأعضاء إلى صفوفه، ويحوّل العمل المعارض من عمل نخبوي إلى عمل شعبي، ويعرض برامج نضال بدلاً من برامج حكم. لقد ظن بعض المعارضين الذين سبقوا قادة جبهة الإنقاذ أن السادات سيتولى تنحية القذافي، فركزوا على شكل الحكم وضرورة وجود دستور للبلاد، وخاضوا كثيراً في الحديث عن الحكومات الانتقالية والمؤقتة، حتى وصل الأمر إلى التشاجر على المناصب الوزارية في بعض اجتماعاتهم.

هذه النبرة عادت تطغى من جديد على العمل الوطني. إن تفكيرنا في مرحلة ما بعد القذافي أكثر من تفكيرنا في المرحلة الحالية، ويظن كثير منا أن معارضتنا الهشة هذه، المنقسمة على نفسها حتى في هذا الوقت العصيب،(1) وفي مواجهة طاغية لم تر البلاد له مثيلاً، ستبقى صامدة كما هي بتنظيماتها ورجالها، لا يلين لها قناة حتى يرضخ نظام ما بعد القذافي لمطالبها بالعودة للشرعية الدستورية. إذا كان الناس قد بدأوا ينفضون عن المعارضة حتى في وجود القذافي فمن سيبقى فيها بعد اختفائه؟

لقد دُبجت عشرات المقالات، كل واحدة فيها تضع تصوراً لليبيا الغد، وتشرح أنظمة الحكم المختلفة في الدول الحديثة، وتتحدث عن دستور 51 ومزاياه، أما كيف نسقط هذا النظام لنحقق ولو جزءاً من هذه الأماني، فهذا موضوع لا تجد من يتطرق إليه بكلمة، دع عنك من يشارك فيه بعمل، أو كيف نصنع قوة في المنفى لها ثقلها في الداخل، وصوتها المسموع في دوائر القرار العالمية، حتى يكون لنا فعلاً وزن يحسب له حساب في حال سقوط القذافي، فهذا أيضاً موضوع لا يتطرق إليه أحد، وقد رأيتم كيف قامت عليّ الدنيا عندما تطرقت إلى أزمتنا الحقيقية في المنفى بدون كذب أو نفاق.

ولا يزال بعض المعارضين، بعد قرابة أربعة عقود من الحكم الفاشي البغيض، يقللون من شأن قوة القذافي ونظامه، ويضخمون من المعارضة وقوتها. فمنا من يظن أن رسالة مفتوحة للقذافي سيسمع لها العقيد ويلبي مطالب الإصلاح فيها، ومنا من يظن أنه بمجرد عودته ستستقبله جموع الشعب الليبي في المطار استقبال الفاتحين، ومنا من يظن أن صعود المعارضين في طائرة واحدة والهبوط بها في مطار طرابلس ستقصم ظهر النظام وتجعله أحاديث، ومنا من يظن أن نشر إعلان للاعتصام في أحد الميادين على الإنترنت سيأتي بجموع شعبنا من كل فج عميق، ومنا من يظن أن افتتاح قناة فضائية سيفجر الشعب الليبي تفجيراً، ومنا من يظن أن التفافنا حول رمز من الرموز الوطنية في الداخل أو الخارج سيجعل منه معارضاً ليبياً كنلسون منديلا يهز عرش سرت هزاً ويطوي خيمة القذافي طياً، ومنا من يظن أن تبني دستور 51 هو الحل. ولم نلاحظ أننا لم نوفق حتى في حشد واحد في المائة من أحبابنا الذين يسكنون في لندن لاعتصام لا يتطلب أكثر من الوقوف ساعتين ترحماً على أرواح 1200 سجين قتلوا شر قتلة. إذا لم يخرج لقضيتنا الذين ترسل لهم الدولة البريطانية رجال أمنها لحمايتهم، فكيف سيخرج لها الذين ترسل لهم مافيا القذافي رجال عصاباتها لحصد أرواحهم؟

وعوداً إلى حديثنا عن الجبهة، فلا يظنن أحد أنني أريد أن أجامل قادتها اليوم، أو أسوّغ أخطاءهم، أو التمس ودهم، ولم أفعل ذلك حتى يوم كانوا في ذروة قوتهم. ولكن لابد لي من التعقيب على الدعم الذي تلقته الجبهة والذي يتحدث الناس عنه دون ذكر تفاصيله أو معرفة أسبابه أو محاولة تقدير الأموال التي تحصلت عليها خلال مسيرتها النضالية.

إن الدعم التي تلقته الجبهة، سواء كان مادياً أو معنوياً، لم يكن لينهال عليها من أية جهة لو كانت تنظيماً صغيراً من بضعة أنفار. إن أغلب الدعم الذي تحصلت عليه الجبهة، بما فيه السيولة المالية، كان من العراق، ومعروف أن اتجاه الجبهة السياسي، وميول قادتها الفكرية، كانت أبعد ما تكون عن أفكار حزب البعث وقضاياه العربية القومية، فلماذا لم يدعم العراق قادة حزب البعث الليبي بقدر ما دعم به الجبهة أو أكثر؟ الجبهة فرضت نفسها على الساحة الدولية بقاعدتها العريضة وليس بسواد عيون قادتها، ولا بميول رجالها الفكرية أو السياسية. لقد أدركت كل دول المنطقة أنه بالجبهة وحدها يمكن تخويف القذافي والضغط عليه وإركاعه، وقد أثبتت الأيام أن استثماراتها في الجبهة لم تذهب سدى.

ودعونا الآن نتحدث بالأرقام ونسأل: ماذا ملكت الجبهة: ملياراً، مليارين، ثلاثة؟ حتى لو فرضنا أنها امتلكت كل هذه الأموال، ماذا يساوي هذا كله بجانب ما يملكه القذافي وما سخره ويسخره لحماية حكمه؟

كان العراق أكبر ممولي الجبهة مالاً وعتاداً، وحسب معلوماتي، ومتابعتي لتاريخ الجبهة منذ تأسيسها، فإن الدعم الذي تلقته الجبهة من العراق يفوق أضعاف ما تبرعت به سائر الدول مجتمعة. كان هذا الدعم على شكل عتاد عسكري قدمه العراق للجبهة أثناء تواجدها في السودان وفي تشاد، ثم ضاع بسقوط نظامي النميري وحبري، ولم يكن للجبهة في ضياعه يد، وكان على الشكل التالي:
• حمولة طائرة عسكرية من العتاد والسلاح عندما كانت الجبهة في السودان(2)
• حمولة 40 طائرة عسكرية من العتاد والسلاح في تشاد
• حمولة 3 طائرات من المواد التموينية في تشاد

هذا هو الدعم الحقيقي الذي تحصلت عليه الجبهة طوال تاريخها، ومن الصعب تقديره مالياً، ولم يكن العراق أكبر الداعمين للجبهة عسكرياً فحسب، بل كان أيضاً أكبر ممولي الجبهة مالياً، فمجموع المبالغ التي تسلمتها من العراق يقدر بـ 10 مليون دولار.

لقد كان العراق إذن هو الممول الأكبر والأساسي للجبهة، سيولة وعتاداً، وليس السعودية أو أمريكا كما يتوهم الكثيرون. فلماذا لم تتحصل بقية التنظيمات على مثل هذا الدعم أو أكثر، ولاسيما أن بعضها كان محسوباً على حزب البعث، وكان على رأس بعضها رجال في وزن منصور رشيد الكيخيا لا تنقصهم مكانة أو شهرة عربية ودولية؟ لنكن منصفين لله وللتاريخ، وليس للجبهة، ونسأل أنفسنا: هل الأموال هي التي أتت بالقاعدة العريضة للجبهة، أم أن القاعدة العريضة هي التي أتت بالأموال للجبهة؟

جل الدعم الذي تلقته الجبهة كان على شكل دعم عسكري سواء في السودان أو تشاد، كما ذكرنا، أو في شكل إمداد وتموين من الجزائر أثناء استنفار الجبهة هناك. أما السيولة، فيما أعلم، فلم تكن مضمونة ولا منتظمة أبداً، وكانت دون الدعم العسكري بكثير.

ويجب ألا ننسى أيضاً الخسائر النقدية التي تكبدتها الجبهة إثر السقوط المفاجئ لنظامي النميري وحبري، فقد كان للجبهة بميناء بورسودان، أثناء انتفاضة إبريل 1985، باخرة متوسطة الحجم كانت قد اشترتها نقداً، وجهزتها بعدد من القوارب السريعة والقوارب المطاطية لاستعمالها في عدد من العمليات التي كانت قد خططت لها عقب معركة باب العزيزية، كما أنفقت قرابة 4 مليون دولار على شراء نحو مائتي سيارة لاندكروز، وأكثر من عشرين سيارة نقل كبيرة لقواتها في تشاد. ويجب ألا ننسى أيضاً، أن جزءاً كبيراً من مشتريات الجبهة العسكرية مولها بعض الأثرياء الليبيين في المنفى، ولكم أن تتخيلوا الآثار النفسية والمعنوية التي يتركها ضياع هذه الأموال على أصحابها الأصليين. أما حجم الكارثة التي حلت بالجبهة بعد سقوط نظامي النميري وحبري فمن الصعب تقديرها أو تصورها، لقد أصيبت الجبهة في عمودها الفقري.

لو استثنينا الدعم العسكري لوجدنا أن كل المبالغ التي صرفتها الجبهة منذ تأسيسها إلى اليوم تعدّ نثريات بجانب ما ينفقه أبناء القذافي على أعراسهم وأعياد ميلادهم في ليلة، دع عنك ما يصرفونه على يخوتهم وطائراتهم الخاصة. وربما دفع مثل هذه المبالغ أو أكثر للمعارضين الذين باعوا أنفسهم لشيطان سرت. وحسبك أن أحدهم يسكن اليوم في أحد أرقى أحياء لندن حيث لا يقل ثمن الشقة الصغيرة فيه عن ثلاثة ملايين جنيه إسترليني، وكان في أوائل الثمانينيات يتسول لطبع مجلته المعارضة.

لقد أخبرني أحد قادة أحداث صيف 76 السودانية أنه حضر شخصياً جلسة مع القذافي قدم فيها أحد قادة فصائل المعارضة السودانية بضعة أنفار للقذافي على أنهم ضباط كبار في الجيش السوداني موفدين من زملائهم في الداخل، وأنهم خرجوا لمدة أربعة وعشرين ساعة فقط ليطمئنوا بأنفسهم إلى أن العقيد سيؤيد ثورتهم ويعترف بحكومتهم فور الإطاحة بالنميري. ثم أخبروا القذافي أن ساعة الصفر قد تحددت، ولا ينقصهم إلا "المعلوم" لتنفيذها وإزالة بعض العراقيل لإنجاحها. لقد روى لي الرجل كيف كان يضحك قادة المعارضة السودانية على القذافي ويعدّونه مجرد أحمق حامل لكيس ضخم من المال ليس أكثر. لقد تسلّم قائد هذا التنظيم السوداني خلال أيام 35 مليون دولار على حسابه الشخصي في سويسرا، أما الضباط المزعومون فقد كانوا جميعاً لاجئين مدنيين يقيمون في أثينا وينتمون لهذا التنظيم. هذا المبلغ الذي لهف من خزائننا، بعد لقاء مع عقيدنا ربما لم يدم أكثر من أربعين دقيقة، قد يعادل، حسب القيمة الشرائية في ذلك الوقت، أضعاف الأموال التي دخلت خزائن الجبهة في عشرين سنة.

إذا سخر القذافي عشرات الملايين لإنهاء حكم النميري في أواسط السبعينيات، فيا ترى كم سخر لإسقاطه بعدما استقبل الرئيس السوداني الدكتور المقريف رسمياً عدة مرات، ورحب بالجبهة في بلاده وفتح لها معسكراته؟ وكم سخر طوال عقود حكمه السوداء من أموال شعبنا لإنهاء المعارضة ككل وإخماد صوتها وتواجدها في القاهرة والرباط؟ أم أنكم تعتقدون أن حسني مبارك والحسن الثاني أخمدا صوت المعارضة الليبية في بلديهما وسلما عمر المحيشي ومنصور رشيد الكيخيا وجاب الله مطر وعزات المقريف ونوري الفلاح لوجه الله تعالى؟

لم يؤمن لسيدنا نوح إلا القليل رغم أنه مكث يدعو قومه 950 سنة، هل سنقول إن العمر الذي أعطاه الله لسيدنا نوح كان كفيلاً أن يهدي به حتى إبليس، على قياس أحد المعقبين على مقالي الذي قال إن الدعم الذي انهال على الجبهة كان كفيلاً بإسقاط هتلر؟

وعلى الرغم من هذا الدعم الذي لا يستهان به والذي تسنى للجبهة الحصول عليه، لا ينبغي أن ننسى أن الأموال هي وسيلة لا غاية، وأن الجبهة حتى لو أنفقت أضعافاً مضاعفة لهذه الأموال لم تكن لتستطيع أن توفر للجالية الليبية قليلاً مما تنعم به اليوم، أو أرضية صلبة للمناورة والتحرك كالتي تقف عليها الآن. لقد وجد كثير من المهاجرين الجدد أمامهم الجمعيات الخيرية التي أسسها الأوائل تمد إليهم العون وترسل لهم الأموال في الدول العربية، وتسهل لهم السفر إلى أوروبا وكندا، وجدوا المعارضين الأوائل يصوغون لهم الرسائل التي تشهد بأنهم كانوا أعضاء في التنظيمات المعارضة، وهم لم يكونوا فيها يوماً، ويشهدون للذين رُفض طلب لجوئهم في المحاكم بأنهم سيتعرضون للسجن والتعذيب والقتل إذا أعيدوا إلى ليبيا.

يتوفر للمهاجرين الليبيين اليوم أضعاف ما كان متوفراً لجبهة الإنقاذ وبقية الفصائل الأخرى، فقد أنعم الله على الجالية الليبية اليوم بنعمة الاستقرار، وفي أغنى بلاد العالم وأكثرها حرية، على حين أن المهاجرين الأوائل لم يذق أغلبهم طعم الاستقرار إلا في العقد الأخير، وما من دولة عربية إلا وضيّقت عليهم وساومت بهم القذافي، وبعضهم سلم له غدراً ولا نعلم عنه إلى اليوم شيئاً، هذا فضلاً عن سقوط نظامي جعفر النميري وحسين حبري أثناء تواجد الجبهة وأعضائها في السودان وتشاد، وما أصاب فصائل المعارضة الرئيسية بعد هزيمة صدام في الكويت وفرض حصار دولي على بلاده، هذا بالإضافة إلى اضطرار كثير من المعارضين لترك مصر، ومن بقي فيها منع من مزاولة أي نشاط سياسي.

تنعم الجالية اليوم بالسيارات وأجهزة الكومبيوتر والهواتف النقالة والجوازات الأوروبية والكندية والأمريكية التي تسمح بالتنقل للقارات الخمس بدون الحاجة إلى تأشيرة، ولا يستطيع أن يتجرأ أي نظام عربي على أن يعتقلهم أو يستجوبهم أو يسلمهم للقذافي، بل يستطيع المقيمون في أوروبا اليوم التنقل بين بلدانها المختلفة بدون الحاجة إلى جواز سفر. هذا بالإضافة إلى أن المئات منهم يأتيه رزقه رغداً بدون عمل أو كد، مدفوعاً إيجار بيته، مضمونة تكاليف علاجه إذا مرض، وغيرها من امتيازات لم نرها في العقود الأولى من هجرتنا حتى في أحلام اليقظة.

عندما كانت المعارضة في أوج عطائها لم يكن هناك إنترنت، ولا بالتوك، ولا إيميل، ولا هواتف جوالة، ولا تكست، كانت البيانات تصاغ وتنشر بخط اليد ولا يطلع عليها إلا عدد محدود جداً من المقيمين في المنفى، فضلاً عما يتطلبه ذلك من استخدام آلات التصوير، والتوزيع بالبريد إلخ، أما اليوم فالآلاف من الليبيين في القارات الخمس يتابعون ما تنشره المواقع الليبية، بمن فيهم شعبنا في الداخل، وما يقرأه الآلاف اليوم ربما لا تستغرق كتابته وإرساله لأحد المواقع للنشر أكثر من دقائق معدودة. كان لا يملك الآلات الكاتبة إلا عدد محدود جداً من الأشخاص، أما اليوم فأجهزة الكومبيوتر تكاد تكون في كل بيت، هذا فضلاً عن المقاهي التي توفر خدمات الإنترنت بأقل من ثمن القهوة، وتمكن المستخدم من الاطلاع على كل الصحف العالمية، ومتابعة كل شاردة وواردة. كانت الاجتماعات لا تتم إلا بتكبد مشقة السفر وتكاليفه، أما اليوم فتدار بكل سهولة من غرف البالتوك في البيوت. ولكن، ويا للأسف، بدلاً من أن تسخر كل هذه النعم في خدمة قضيتنا الوطنية سخرت للطعن في المعارضة والسخرية من رجالها، وغدا الرتع في لحومهم فرضاً يومياً يتعبدون به لنيل أجر هذه الجهة أو تلك.

إن حال الليبيين في المهجر اليوم خير ألف مرة من حالهم في عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن المنصرم، فقد غدوا يملكون القدرات الذاتية التي تغنيهم عن طلب المساعدات من الدول، فلا تستطيع أي دولة أن تستخدمهم ورقة ضغط أو تتاجر بهم مع القذافي، ولا سيما أن أغلبهم يؤمنون بالكفاح السلمي ولا يحتاجون لأية دولة من الدول المجاورة لليبيا، وحال الليبيين في الداخل اليوم أسوأ بكثير مما كانوا عليه في تلك الفترة. إن قدرة الليبيين اليوم على الاتصال والتنسيق بين الخارج والداخل، والدخول إلى ليبيا والخروج منها، أسهل بكثير مما كانت عليه في الماضي. كما أن إيصال كلمة المعارضة اليوم لشعبنا في الداخل أيسر بكثير، سواء عبر المواقع الإلكترونية أو الفضائيات العربية. كان النظام يومها في العقد الأول والثاني من الحكم، فأصبح اليوم في العقد الرابع، وعلى أبواب العقد الخامس، وازداد سجله الأسود طولاً وعرضاً، والذين قتلهم أو أعدمهم طوال السبعينيات والثمانينيات قد لا يصل عددهم حتى إلى 10% من الذين ذبحهم في يوم واحد في مجزرة بو سليم. لم تفقد بلادنا اليوم أموالها فحسب من أجل رفع الضغوطات على نظام سرت الباغي، بل فقدت حتى سيادتها. كل شيء فيها غدا موضعاً للسخرية، حتى قضاؤنا بات مادة تتندر بها الأقلام في الشرق والغرب. فالقدرة على إقناع الناس باستبداد هذا النظام وفساده غدت أيسر مما كانت عليه في الماضي، وأضف فوق هذا الاستفادة من تجارب المعارضين القدماء وأخطائهم، ورغم هذا كله لا تجد الحماسة المطلوبة لمعارضة القذافي عند المهاجرين الجدد. لماذا؟

أليست هذه هي الحقيقة؟ أوليس الأجدر بنا أن نعرف الخلل ونعالجه، بدلاً من التذرع بإمكانيات جبهة الإنقاذ الهائلة في الماضي، أو اتهام كل من يذكر هذا الواقع المؤلم بالمزايدة؟ قد نستطيع أن نلوم الجبهة على الفتور الذي أصاب الذين عايشوها، أو انخرطوا في صفوفها ثم انسحبوا، أو رجعوا لبلادهم، ولكن ما علاقة الجبهة، أو غيرها من فصائل المعارضة الوطنية الأخرى، بفتور آلاف المهاجرين الجدد اليوم؟ إذا لم توقظ ضمائرنا كل هذه الفواجع والكوارث التي حلت ببلادنا فماذا سيوقظها؟

لماذا لا ينطلق المنفيون الجدد، ولا سيما الناشطون منهم، بعمل وطني جديد لا علاقة له بفصائل المعارضة القديمة أو رجالها؟ إن العمل الوطني الميداني يحتاج لدماء جديدة، وقيادات شابة، وخطط عمل متجددة، يحتاج لرجال يتفرغون للحاضر لا للماضي، يصنعون القدوة، لا يبحثون عنها في أسلافهم. يفكرون في تصفية حساباتهم مع القذافي ونظامه وليس مع زملائهم في خندق المعارضة.

إذا لم يستيقظ الجيل الجديد من المنفيين ويعمل شيئاً ستظل ساحة المعارضة في غرفة الإنعاش، ولن يعيدها إلى الحياة عقاقير مؤتمر وطني ثان ولا ثالث.
________________________

(1) عاد الانقسام لصفوفنا، للأسف، وكل الجهود التي بذلت في المؤتمر الوطني ضاعت سُدى.
(2) بدأ وصول هذا الدعم بعد مغادرتي لمكتب الجبهة في الخرطوم، وسمعت عنه من مصادر موثوقة في الجبهة ولم أره بعيني. لقد رفضت علاقات الجبهة مع العراق جملة وتفصيلاً، ولهذا السبب انسحبت منها، ولازلت عند رأيي بخصوص هذه العلاقة، ولكن هذا لا يمنع أن أذكر الحقائق كما عرفتها فيما بعد بدون زيادة أو نقصان، فهذه الأحداث أصبحت جزءاً من تاريخ الجبهة، ورأيي فيها اليوم لا يقدم ولا يؤخر.


     

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home