Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Youssef El-Megreisi

Wednesday, 26 April, 2006

         
         

( 2 )

صراع الأنفس :

مطالعـة في رواية "يزعـم بيريرا" لأنطونيو تابوكي
* (2)

يوسف المجريـسي

يزعم بيريرا أنه كاثوليكي يؤمن ببعث الروح، ولكنه لا يؤمن، ولا يريد أن يؤمن، بالبعث الجسماني. تبعث الروح نعم، ولكن لِمَ يبعث معها هذا الجسد أيضاً؟ لِمَ يبعث معه هذه الشحوم التي تحيط به من كل مكان، وهذا العرق الذي يتصبّب بغزارة أيضاً؟ لا يريد بيريرا شيئاً من هذا يصاحبه بعد الموت فينكد عليه آخرته كما نكد عليه دنياه.

كان الأب أنطونيو، الذي استمع لاعترافات بيريرا بعد موت زوجته، يتضايق من هرطقة بيريرا، ومن عدم إلمامه، أو بالأحرى عدم اكتراثه، بما يجري في العاصمة البرتغالية من قتل وتصفية للمعارضين: "في أي عالم تعيش، يا دتور بيريرا، وأنت تعمل صحفياً؟ انزل إلى الميدان وتزوّد بالأخبار".

بيريرا، الغارق في ترجمة الأدب الفرنسي، لا يعلم شيئاً عن جرائم النظام اليومية إلا ما يسمعه من مانويل النادل في مقهى أوركيديا، وهذا يسمع أخبار البلاد من ثرثرة الرواد، وينقل له أحياناً ما تبثه إذاعة لندن عن حكم سالازار المستبد. الصحف لا تنشر شيئاً عن التصفيات الجسدية التي يرتكبها نظام سالازار في حق معارضيه، ولا تجرؤ أن تتطرق للنظام أو لجهاز من أجهزته بكلمة. "البلد كله صامت، لا يستطيع أن يعمل شيئاً غير الصمت".

كان بيريرا مولعاً بالموت وفلسفته، بل كان يشك أحياناً أنه حي أصلاً. وكان بحسه الفطري يشعر بالذي يجري في البلاد، وإن كان لا يتابع تفاصيل الأحداث اليومية: "هذه المدينة تفوح منها رائحة الموت، أوروبا كلها تفوح منها رائحة الموت".

هيام بيريرا بالموت وفلسفته قاده لقراءة بعض المقتطفات من بحث عن الموت قدمه شخص يسمى "فرانشيسكو مونتيرو روسّي" لنيل شهادته الجامعية في الفلسفة، وتكلم فيها عن بعض الآراء التي تنكر البعث الجسماني، فنزل بحثه برداً وسلاماً على بيريرا. أسرع بيريرا، الذي ظن أنه وجد ضالته، إلى الاتصال بالرجل هاتفياً، وأبلغه إعجابه بالبحث الذي كتبه عن الموت، وعرض عليه أن يعمل معه. وخجلاً من مكتبه المتواضع، طلب إليه أن يتقابلا في مكان عام، هذا ما زعمه بيريرا.

كان مونتيرو روسّي، وهو من أب إيطالي وأم برتغالية، عاطلاً عن العمل، يعيش على مكافاءات يسيرة لقاء غنائه في بعض المقاهي. بدأ حديثه مع بيريرا بالاعتراف بأن البحث الذي قدمه للجامعة ليس كله من نتاج قريحته، فجزء منه انتحله من فيورباخ (1) Feuerbach وجزء آخر من أحد الروحانيين الفرنسيين: "أستاذي نفسه لم يلاحظ هذا، الأساتذة – كما تعلم – أجهل بكثير مما نظن " .

سأل بيريرا مونتيرو روسّي إن كان مهتماً بالموت. ابتسم مونتيرو روسّي وردّ متعجباً: "أنا تهمني الحياة". ثم واصل: "لقد مللت الموت... ماتت أمي، المعلمة، منذ عامين بسب انفجار أحد الشرايين في الدماغ، ومات أبي، المهندس البحري، العام الماضي... فأنا من الموت قرفان... ثم لِـمَ كل هذه الأسئلة؟"

كان بيريرا يبحث عن شخص يكتب له مراثي مسبقة لكبار الكتاب، ممن يتوقع موتهم في أية لحظة لمرضهم أو كبر سنهم، مراثي تكتب سلفاً قبل موت أصحابها، كي لا تتأخر صفحته الثقافية في رثاء رجال الأدب والفكر، وذكر أعمالهم للقراء في أول عدد ينزل بعد الوفاة: " تخيل أن مورياك(2) مات غداً، كيف أتصرف أو أتغلب عندئذ على الحدث؟" لم يقتنع مونتيرو روسّي بما قاله بيريرا، ولكنه رضي بالعمل:" أنا أحب الحياة، ولكنك إذا أردتني أن أكون متخصصاً في المراثي فلا مانع لدي، شرط أن تدفع".

كان بيريرا يهتم بالمراثي مقدماً، قبل أن يموت أصحابها، وكان مونتيرو روسّي يهتم بالقبض مقدماً، قبل أن يسطر كلمة واحدة.

كان لمونتيرو روسّي صديقة اسمها مارتا، تعمل كاتبة رسائل في إحدى شركات الاستيراد والتصدير. وكانت تكبر صديقها بعام أو عامين، وقد تعرف عليها بيريرا في أول لقاء مع مونتيرو روسّي، ولاحظ تأثيرها الشديد عليه. كانت شابة ثائرة ، لا تؤمن بمنزلة بين المنزلتين، ولا تطيق الواقفين على الأعراف، الذين يتذبذبون بين الحق والباطل باسم الوسطية أو الاعتدال، فإما أن ينحاز الإنسان للخير، وإمّا أن ينحاز للشر. جلّ المقالات التأبينية التي كتبها مونتيرو روسّي للصحيفة كانت (كما اعترف مونتيرو روسّي لبيريرا فيما بعد) هي وراء صياغة أفكارها، فكل نعي يكتبه مونتيرو روسّي إما أن يشيد بمواقف المتوفى المشرّفة تجاه قضايا الساعة ووقوفه ضد الفاشية، وإما أن يحمل على مواقفه المتخاذلة وسكوته عن قول الحق.

قالت مارتا لبيريرا في هذا اللقاء: "لقد حدثني مونتيرو روسّي عن مشروعك الصحفي، الفكرة ممتازة، يوجد كثير من الكتاب بلغوا أرذل العمر وعليهم أن يرحلوا. الحمد لله أن دانّونسيو(3) هذا قد هلك منذ بضعة أشهر، والعقبى لذلك المتزمت كلوديل(4)، فقد عاش أكثر مما ينبغي، ألا توافقني؟ أكيد أن صحيفتكم الكاثوليكية الميول ستسعد بأن تخصص له مساحة لا بأس بها، ثم هنالك ذلك النذل مارينتي(5)، فبعدما تغنى بالحروب والمدافع انضوى هذا القبيح إلى قمصان موسوليني السود، ليته يختفي هو الآخر!"

بدأ بيريرا يتصبّب عرقاً من هول ما سمعه من مارتا، وطلب إليها أن تخفض صوتها حتى لا يسمعها أحد، فنهضت مغضبة وغادرت المكان تاركة صديقها مونتيرو روسّي وبيريرا يناقشان مشروعهما الصحفي. زعم بيريرا أنه شعر بارتياح بعد مغادرتها، واستمر هو وصاحبه في الحديث. قال بيريرا لمونتيرو روسّي: "إن الفلسفة تبدو وكأنها تعنى بالحقيقة لكن لعلها لا تعبر إلا عن الأوهام، على حين يبدو الأدب وكأنه يعنى بالأوهام، ولكن لعله يعبر عن الحقيقة". فأجاب مونتيرو روسّي، وهو يبتسم ابتسامة عريضة، أنه يرى في هذا تعريفاً دقيقاً للمنهجين.

ثم تابع بيريرا حديثه قائلاً: "كنت أود أن اقترح عليك مورياك وبرنانوس(6) لأنني أحبهما، ولكن في الوقت الحاضر لن أفرض عليك شيئاً. اصنع ما تراه مناسباً". بعدها أسرّ بيريرا الندامة على أنه فوّض شخصاً لا يعرفه هذا التفويض المطلق، وقد اعترف له أن جزءاً من بحثه منحول. ولكن من حسن حظ بيريرا أن مونتيرو روسّي بدأ يثني على أحد كتابه المفضلين: "برنانوس رجل شجاع، لا يخشى أن يعبر عما يدور في أعماق نفسه". ما كاد ينتهي مونتيرو روسّي من لفظ "نفس" حتى تنفس بيريرا الصعداء، كانت الكلمة بلسماً لمرضه. فسأل بسذاجة: "هل تؤمن بالبعث الجسماني؟" أجابه مونتيرو روسّي: "لم أفكر أبداً في هذا الأمر، صدقني إنها مسألة لا تهمني إطلاقاً". أعطى بيريرا عنوان مكتبه لمونتيرو روسّي وحذره من بوابة العمارة التي تعمل مخبرة للبوليس، وكان تحذيره له زلة لسان ندم عليها.

*   *   *

لم تنل مقالة واحدة من مقالات مونتيرو روسّي إعجاب بيريرا، لطغيان النبرة السياسية عليها، ثم لأنه لا يستطيع أن ينشرها أصلاً في بلد كالبرتغال يرزح تحت حكم استبدادي لا وجود فيه لحرية التعبير وتعدد الآراء، فكان يحتفظ بها في ملف خاص.

كان بيريرا في داخله يتحسر لأنه لم يرزق بولد، وبدأ يحنو على الشاب، فاستمر يدفع له ثمن مقالات تأبينية، غير قابلة للنشر، من جيبه الخاص، رغم فقره ودخله المتواضع، فهو لا يستطيع أن يتقاضى من إدارة الصحيفة ثمن مقالات معادية للفاشية لا يمكن أن يسمح بها رئيس تحرير صحيفته المحسوب على النظام، ولا يمكن لأي صحيفة برتغالية أن تتجرأ على نشرها.

انتهز مونتيرو روسّي حلول ذكرى اغتيال الشاعر والأديب الإسباني لوركا(7) فكتب قائلاً: "منذ عامين، وفي ظروف غامضة، غادرنا الشاعر الكبير فديريكو غارسيا لوركا، وتحوم الشكوك على أنه قد مات غيلة بيد خصومه السياسيين. العالم كله يتساءل، كيف يمكن أن ترتكب جريمة وحشية مثل هذه؟"

ثم كتب نعياً سياسياً مفترضاً موت الأديب الإيطالي مارينيتي: "بموت مارينتي اختفى داعية من دعاة العنف، فالعنف كان مصدر إلهامه. بدأ في نشر "بيان المستقبل"(8) في صحيفة باريسية عام 1909، يمجد فيه أساطير الحرب والعنف، فقد كان عدواً للديمقراطية، محباً للحرب، ومروجاً لها... بارك المغامرة الإيطالية في ليبيا، كتب بياناً منفراً عنوانه "صحة العالم تكمن في الحرب وحدها".(9) صوره تبرز لنا رجلاً يتبدى في أوضاع متغطرسة، بشاربين أجعدين، وسترة أكاديمية مغطاة بالميداليات(10)، أسبغتها عليه الفاشية الإيطالية، لأنه كان نصيراً فظاً لها، وبموته يختفي شخص كريه من موقدي الحرب ودعاتها".

تضايق بيريرا جداً من استمرار مونتيرو روسّي في كتابة مقالات لا توافق اللغة الصامتة المسموح بها في البلاد، التي تقول كل شيء ولا تعني شيئاً، بالضبط كما يفعل كتاب المعارضة المخصية. فأصبح يتصيد كل فرصة ليقرّع فيها الشاب على أسلوبه، ويبين له سياسته وسياسة صحيفته، وهذه بعض مقتطفات من أقوال بيريرا لمونتيرو روسّي في أماكن متعددة في الرواية، تبرز فيها روح بيريرا السلبية:

"عزيزي مونتيرو روسّي، أنت راوٍ ممتاز، ولكن صحيفتي ليست المكان المناسب لكتابة الروايات. في الصحف تكتب الحقيقة، أو أشياء تشبه الحقيقة. ليس عليك أن تذكر كيف مات الكاتب، وفي ظل أية ظروف مات، ولماذا مات؟ عليك أن تقول ببساطة أنه مات وحسْب".

"إما أنك متهور وإما أنك محرّض، ولا مكان في الصحافة البرتغالية للمتهورين والمحرّضين".

"المشكلة هي أن العالم مشكلة، ولسنا قطعاً من يحلها".

*   *   *

كان مونتيرو روسّي حذراً جداً أثناء مكالمته الهاتفية مع بيريرا، لا يفصح عن المكان الذي يتصل منه، ويتفادى اللقاء معه في مكتبه، فشعر بيريرا أن مونتيرو روسّي ليس على ما يرام، وساوره القلق عليه. كما أن بيريرا آثر هو كذلك أن يبتعد مونتيرو روسّي عن المكتب، فبوابة العمارة كانت مخبرة لا يطيقها بسبب كثرة فضولها، وتجسسها عليه.

ترى كيف تمضي حياة بيريرا في محيط تكتنفه المخاوف والاستبداد من كل جانب؟ وهل من ضوء يتسرب إلى نفسه التي غشاها ظلام الحزن والواقع البائس؟ هذا ما سنتعرض له في الحلقة القادمة ونحن ندخل منعطفاً جديداً من رائعة تابوكي الروائية.
________________________________________________

(*) أبدأ من هذه الحلقة باختصار الرواية، وسأضع علامات الاقتباس حول المقاطع المترجمة كما هي، أو أورد حوار الشخصيات مجرداً عمّا يحيط به من وصف وتعليق إلا في أدنى الحدود.
(1) لودويج أندرياس فيورباخ (1872-1804) Ludwig Andreas Feuerbach فيلسوف وعالم اجتماع ألماني، يعدّ أحد أهم فلاسفة الإلحاد في العالم ممن أثروا في ماركس وإنجلز، وأسهموا في نشر الفكر العلماني واليساري في أوروبا.
(2) François Mauriac (1970-1885) أديب فرنسي حصل على جائزة نوبل للأدب عام 1952.
(3) غابريالي دانّونسيو Gabriele D’Annunzio (1863-1938) أحد أكبر شعراء وأدباء أوروبا في القرنين التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، تغنى بالمجازر التي ارتكبتها إيطاليا في ليبيا، ووصف المجاهدين بأقذع الأوصاف. كان زير نساء، مشهوراً بالفجور والمجون في أدبه وحياته الشخصية، وكان أيضاً طياراً حربياً، ومقاتلاً شرساً. شكل مليشيا عام 1919 احتل بها مدينة فيومي (إحدى المدن الرئيسية في كرواتيا اليوم)، وأقام فيها حكومة مستقلة لمدة عامين تقريباً، حتى تعرض لقصف جوي مكثف من الجيش الإيطالي بأمر من رئيس الوزراء الإيطالي آنذاك جيوفاني جوليتي، أجبر بعدها على الانسحاب والاستسلام. وعلى الرغم من أن موسوليني عارض بشدة الغزو الإيطالي لليبيا، ودخول إيطاليا في الحرب العالمية الأولى، على عكس دانونسيو تماماً، فإنه تأثر كثيراً بأفكار الشاعر، وكانت علاقته به خليطاً من الإعجاب به والحذر منه. رفض دانّونسيو أن يرتبط بحكم موسوليني، أو أن يكون عضواً في الحزب الفاشي، أو أن يحمل البطاقة الفاشية. ولكنه قبِل عام 1937، بعد إلحاح شديد من موسوليني، برئاسة الأكاديمية الملكية الإيطالية. أسندت إليه هذه المهمة بعدما كبر سنه، ولم يعد يشكل خطراً على نظام الحكم. رفض حضور أي اجتماع من الاجتماعات، ومات ولم يضع رجله أبداً في مقر الأكاديمية. أقام له موسوليني جنازة رسمية في إيطاليا، وسار شخصياً في جنازته مرتدياً سترة الأكاديمية الرسمية.
(4) باول كلوديل Paul Claudel (1868- 1955) كاتب وأديب ودبلوماسي فرنسي محسوب على التيار الكاثوليكي، كان معادياً للإسلام وللسامية، ومسانداً قوياً للاستبداد.
(5) فيليبو توماسو مارينتّي Filippo Tommaso Marinetti(1876- 1944) شاعر وأديب وكاتب مسرحي إيطالي، وأحد أبرز المنظرين الفاشيست. ولد في الإسكندرية وقضى جزءاً من شبابه في مصر. مؤسس مذهب المستقبلية في الفن، مذهب يدعو للثورة على كل شيء قديم، لعب مذهبه دوراً كبيراً في تنمية الحركات التكعيبية والتعبيرية والسريالية في أوروبا. كان يؤمن بأن الحرب صحة للكون، وأن العنف يطهر كل شيء.
(6) Georges Bernanos (1888- 1948) كاتب فرنسي ذو ميول كاثوليكية.
(7) فدريكو غارسيا لوركا Federico García Lorca (1899-1936) قتل على يد الكتائب الفاشية في الحرب الأهلية الإسبانية.
(8) Manifesto Futurista أول نسخة من البيان ظهرت باللغة الفرنسية ونشرت في صحيفة الفيغارو الباريسية.
(9) Guerra sola igiene del mondo
(10) يقصد هنا سترة الأكاديمية الملكية الإيطالية (Reale Accademia d’Italia) وهي مؤسسة فاشية، لعبت دوراً خطيراً في نشر الفكر الفاشي في المؤسسات العلمية والثقافية في البلاد، أسسها موسوليني نفسه عام 1926، وافتتحها رسمياً عام 1929، وكان مارينتّي أحد أبرز أعضائها. كانت تضم كبار علماء وأدباء إيطاليا، منهم المتعاطفون مع الحكم الفاشي، و منهم اللاهثون وراء امتيازاتها المادية، وكان من ضمن أعضائها الكاتب المسرحي الشهير لويجي بيرنديلّو (Luigi Pirandello) الحائز على نوبل الأدب عام 1934، وأنريكو فرمي (Enrico Fermi) الحائز على نوبل الفيزياء عام 1938.


         
         

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home