Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Youssef El-Megreisi

Saturday, 26 January, 2008

اطلبوا الموت ولو في الصين

يوسف المجريـسي

في أوائل التسعينيات اتصل بي الدكتور سعيد رمضان، رحمه الله،* من جنيف يطلب رأيي في سفر ابنه، الدكتور أيمن رمضان، إلى طرابلس. فقد وجهت إليه دعوة لإجراء بعض الفحوصات، وربما العمليات الجراحية، في العاصمة الليبية (وكان يرأس قسم جراحة المخ في مستشفى كانتونال الجامعي، أكبر مستشفى في جنيف). وقال لي رحمه الله: " أيمن يريد رأيي في هذا الأمر، وأنا أترك الأمر لك، لو قلتَ لا، فلن أوافق على سفره"، فأجبته لا داعي لإقحام السياسة في هذا الأمر، ولا تظن أن غضبي على زيارات بعض رجال الحركات الإسلامية إلى ليبيا سيشمل حتى ابنك، فأيمن طبيب، وسفره إلى هناك لغرض إنساني، فدعه يذهب ليستفيد الأطباء والمرضى في طرابلس من خبرته.

لقد ظل الطب منذ القرون الأولى بعيداً عن الصراعات الدينية والسياسية. والأطباء العسكريون، من أية دولة وأية ملة، لا يتأخرون في معالجة الجرحى من أعدائهم في ميادين الحرب، حتى إن كانت جيوش بلادهم تعاني هي نفسها من شح في الأدوية. والمجرمون لا يقدمون عادة للمحاكم، ولا ينفذ فيهم حكم الإعدام أثناء مرضهم. هذه أعراف راعتها البشرية في كل مكان، أما القذافي فقد وصل به حقده الأسود على مدينة بنغازي إلى أن جرد مستشفياتها حتى من أبسط أنواع الأدوية، ولن يتردد لحظة هو وزمرته الفاسدة في قطع الأوكسجين عن أهلها لو استطاعوا.

لقد كتب كثيرون غيري عن المأساة والمحنة التي تمر بها مستشفيات بنغازي، وما يعانيه مرضانا من عذاب ومعاناة لقلة الأطباء وانعدام الأدوية في جماهيرية القذاذفة الملعونة، حتى بات يطلق على كل مستشفى في بنغازي اسم "ثلاجة". على أية حال، فإنني مهما كتبت في هذا فلن أكتب أفضل ممن سبقوني في هذا الموضوع، وكفى بقضية أطفال الايدز شهادة على إجرام القذافي وحقده. ولكني أريد أن أذكر هنا تجربة شخصية مع المرض أثناء العهد الملكي، ما كان بودي أن أخوض فيها لولا موت أخي محمد نجيب الذي ذهب إلى ربه قبل أيام يشكو ظلم القذافي وفجوره.

لقد أصبت بحادث في يناير عام 1964 أدى لكسر الحوض وعجزي تماماً عن المشي، ولم تنجح المستشفيات الليبية في علاجي بعد قضاء عدة أشهر فيها. لم يكن قد مضى على موت أخي سالم الذي دهسته سيارة مطافئ وهو عائد من مدرسته أكثر من شهور. وعزم والدي، رحمه الله، على أن يعالجني بأي ثمن، ولو أدى ذلك إلى قفل محله إلى الأبد. فأخذني إلى مصر، فقضيت فيها مدة، مستبدلاً جبيرة تلو جبيرة، دون جدوى. ولم أكن استطيع المشي خطوة دون آلام، ودون الاستعانة بعكازين طبيين.

وقرر الوالد السفر بي إلى مستشفى (Rizzoli) في مدينة بولونيا، وهو أفضل مستشفى متخصص في العظام في إيطاليا، وهناك وجدوا خطأ جسيماً في عمليات الجبر زادت منطقة الحوض سوءاً، وتسببت في تطويل رجل وتقصير أخرى (وما أزال إلى اليوم أعاني من العرج، وأحتاج إلى لبس حذاء يُعدّل في أحد مستشفيات العظام لأتفادى الآلام في العمود الفقري). واقترح الأطباء إجراء عملية في منطقة الحوض لإصلاح هذا الخلل، فرفض الوالد الاقتراح لخطورة العملية، ولزوم وجود قطعة حديد داخل الجسم تلازمني مدى الحياة. ثم اكتشفوا أيضاً أنني أعاني من سل العظام في الحوض (coxitis) وعلاجه قد يستغرق مدة طويلة، إذ يتطلب مجموعة من حقن معينة في العظام تستبدل بحقن أخرى مختلفة كل بضعة أشهر، وكذلك التصوير الشعاعي بشكل دوري لمراقبة العظام. ويتطلب علاج السل، مع العلاج الطبيعي لتأهيلي على المشي من جديد، وقتاً طويلاً، ويتطلب كذلك نقلي إلى مصحة متخصصة، تابعة للمستشفى، تسمى اختصاراً (Codivilla Putti) وتقع في مدينة جبلية صغيرة قرب حدود إيطاليا مع النمسا تسمى (Cortina D’Ampezzo).


العهد الملكي: الشفاء على حساب الدولة ولو في قمم الجبال. مستشفى (Codivilla Putti)

كان ذلك في عام 1964 ولا أظنه كان بمقدور أي ليبي في ذلك الزمن، إلا عدداً محدوداً جداً من الموسرين، أن يتحمل على حسابه نفقات سنتين أو أكثر في مستشفى خاص في أوروبا، ولا كانت ليبيا يومها تنهال عليها مليارات النفط وعائداته. كان والدي مواطناً عادياً، لم يكن عضواً في مجلس النواب ولا في مجلس الشيوخ، ولا كان يكتب في الصحافة ويتزلف للنظام كما يفعل اليوم كثير ممن يعالجون على حساب الدولة في أكبر مستشفيات أوروبا بسب إمساك أو إسهال أو نزلة برد. كان والدي تاجراً يملك محلاً لبيع السجاد، ولا يختلف عن آلاف المواطنين الذين يملكون محلاتهم وشركاتهم التجارية، ولكن الدولة لم تتخل عنه يوم وقف على بابها يطلب العلاج لابنه.

تركني والدي، رحمه الله، في المصحة، وكان عمري يومها ست سنوات، مطمئناً إلى أن السفارة الليبية في روما ستتولى متابعة أمري بدون كلل أو تقصير. وصلت إلى المصحة معوقاً في خريف 1964 ولم أغادرها إلا معافىً في خريف 1966. نفقات سنتين كاملتين في المستشفى تحملتها الدولة، يوم كانت دولتنا دولة تهتم بأطفالها ورجالها، وتنفق بسخاء على الصحة والتعليم، وليس على جيوش من مصففي الشعر، ومصممي الأزياء والقبعات، ممن تلازم سفيهنا اليوم في حله وترحاله.

لم أكن أنا الليبي الوحيد في المصحة، فقد سبقني إليها فتحي بادي، وهو أحد دكاترة العظام اليوم، وأظن أنه لا يزال إلى اليوم يستعين بعكاز أو عكازين للمشي، وشخص آخر اسمه، على ما أذكر، مبروك الفلاق أو بوطلاق، كان مصاباً في يده إصابة بليغة، وكلاهما غادر المستشفى بعد أشهر من وصولي.

ونظراً لهشاشة صحتي لم يتخلص والدي من ملفي الطبي أبداً تحسباً لمضاعفات الأدوية الجانبية في المستقبل، أو عودة السل إلى جسمي، وسلمه لي قبل موته بسنة. وربما كان المفيد أن أطلعكم على الصورة المرفقة لرسالة من السفارة الليبية في روما تطلب من المصحة الإذن بالسماح لي بالرجوع إلى ليبيا لمدة شهر، ثم العودة لاستئناف العلاج، وذلك لتتبيّنوا مدى اهتمام الحكومة الليبية آنذاك بمواطنيها وصحتهم وسلامتهم، واستجابها لحاجاتهم الإنسانية، فوالدي زارني مرة واحدة بعد سنة من بدء العلاج، لصعوبة السفر وتكاليفه من ناحية، ولبعد المكان وصعوبة الوصول إليه من ناحية أخرى، وكان يأمل أن يعود بي لفترة قصيرة لتطمئن والدتي عني، وقد كانت حديثة العهد بفقد أحد أبنائها، ولكن الطبيب الذي كان يشرف على علاجي رفض الطلب لأن الحقن كانت تعطى يومياً، وكان لا يريد أن يقطع علاجي الطبيعي.


يوم كانت سفاراتنا تهتم بعلاج أبنائها وليس بتصفيتهم جسدياً

ولكن حظ المرضى في جماهيرية القذاذفة غير حظ المرضى في العهد الملكي، وعلى حين كنتُ محظوظاً أن وقع لي الحادث وأصابني المرض في تلك الأيام الزاهرة بالعطاء، فإن مرض أخي نجيب وقع للأسف في عهد السلب والنهب وقهر الرجال.

كان أخي بعيداً عن السياسة تماماً، كان هادئاً ودوداً لا يغتاب أحداً ولا يحب أن يغتاب أمامه أحد، فطبيعته المسالمة لا تمكّنه من الخوض في الشؤون السياسية إطلاقاً، ولكن نظام الشر زج به في غياهب السجون لأكثر من ست سنوات وخرج منها، وظل يجهل بعد ذلك، حتى وفاته، أي شيء عن أسباب سجنه. لم يحقق معه، ولم توجه له أية تهمة، واستدعي فقط للتحقيق بعدما رفعتُ قضية على جماهيرية القذافي في الأمم المتحدة أطالب فيها بالكشف عن مصيره، إذ كانت كل الأسئلة أثناء التحقيق عني لا عنه. وفي أثناء وجوده في سجون القذافي أصيب بالتهاب في الكبد (Hepatitis C) بسبب شفرة الحلاقة التي كان يتبادلها داخل السجون عدة مساجين، فينتقل بذلك الفيروس من دم مسجون إلى آخر. وغالباً لا يكتشف المريض حالته إلا بعد سنوات، حين يكون الفيروس قد أتلف جزءاً كبيراً من الكبد، وبدأت أعراض المرض تظهر على الجسم.

ويتفاوت علاج التهاب الكبد من مريض إلى مريض، وأدويته متوفرة اليوم في أغلب بلاد العالم إلا في بلادنا المنكوبة بحكم القذاذفة، حيث لم يعد في مستشفياتها أطباء ولا دواء. لقد زادت صحة أخي تدهوراً بعد دخوله إلى إحدى "ثلاجات" القذافي، فسافر به أعضاء من الأسرة إلى الصين بعدما تكفل قريب لنا بتغطية تكاليف العلاج، ولم يمكث فيها أكثر من خمسة أيام، إذ عجز حكماء الصين عن إصلاح ما أفسده سفهاء سرت، وصعدت روحه من بكين تشكو إلى ربها حكم الفجار.

لم أر أخي منذ 22 سنة، وفور وصوله إلى الصين قدمت طلباً للحصول على التأشيرة الصينية، وجهزت نفسي للسفر، فقد كنت مشتاقاً لرؤيته ومعرفة تفاصيل اعتقاله وسجنه، وفوق كل هذا كنت أتمنى أن أكون بجانبه أثناء عملية زراعة الكبد، ولكن كتب له أن يرجع من الصين في صندوق، كما رجع أبوه من قبل من الأردن، وكما رجع أحد أعمامه قبل شهر من مصر، وكما رجع ويرجع مئات الليبيين بسب انعدام الأدوية والعلاج في دولة كان دخلها العام الماضي من تصدير النفط وحده 87 مليار دولار.

ولا بد أن أتوجه الآن بخالص الشكر لكل من واسانا وعزانا في مصابنا، سائلاً المولى عز وجل أن يمد في أعمارهم، وألا يريهم مكروهاً في عزيز عليهم، وأن يعجل بنهاية هذا الحاكم الفاجر، الذي لم يأت إلا بالفقر والقهر والمصائب لهذا البلد المسالم الطيب الذي يموت أبناؤه يومياً قهراً وكمداً، على حين يبذر هو وأبناؤه وأولياؤه خيراته على ملذاتهم ونزواتهم الصبيانية. ألا لعنة الله على الظالمين.
________________________

* أحد زعماء الإخوان المسلمين، ورئس تحرير مجلة "المسلمون" الشهيرة. وهو صهر الشهيد حسن البنا. حكم عليه عبد الناصر بالإعدام غيابياً عام 1954. لم يرجع إلى مصر لا في عهد السادات ولا في عهد مبارك، وعاش في المنفى حتى توفاه الله في جنيف في أغسطس 1995.
ملاحظة : لقد وعدت في مقال لي سابق أنني سأكتب عن سلبية الأكاديميين المتخصصين في الشؤون الليبية، إلا أنني لم أر أية فائدة حقيقية من الخوض في هذا الموضوع بعد الزيارة التي قام بها القذافي لبعض البلاد الأوروبية، فما بقي أحد في ظني يصدق أكذوبة حرص الغرب على نشر الديموقراطية وحقوق الإنسان في العالم الثالث بعدما رأينا ما حدث لإخواننا المعارضين في البرتغال وفرنسا. نستطيع الآن، من دون جدال أو مراء، أن نضمّ قصة حرص الغرب على حقوقنا وآدميتنا إلى خرافة الغول والعنقاء.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home