Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Youssef El-Megreisi

Wednesday, 25 January, 2006

أصنام وأقزام

يوسف المجريسي

في منتصف الثمانينيات عرض علي أحد الأصدقاء العمل في دار نشر بجدة، فرفضت شاكراً عرضه، فقال لي، محاولاً إغرائي: كيف ترفض عملاً يتيح لك أن تكون على مقربة من مكة والمدينة؟ فقلت له: إن حريتي عندي أهم من مجاورة مكة والمدينة وبيت المقدس.

أي والذي كرَّم بني آدم، إنني أفضل معيشةً ضنكاً في بلد تصان فيه حرية الإنسان وكرامته على العيش مليونيراً في بلد يعامل الناس فيه كالعبيد!

إنني أستغرب كيف يتغنى معارض بالحرية والديمقراطية ثم يعلن استعداده لرفع الراية البيضاء والقبول بحكم الاستبداد مقابل الإفراج عن السجناء السياسيين، وقفل السجون؟ إذا كان مفهوم الحرية لديه هو الأكل والشرب والنوم خارج السجون فلا تثريب عليه، بل أصاب وأحسن صنعاً، ونتمنى له عوداً سريعاً إلى وطنه، على ألا يرجع إلى المهجر مرة أخرى كما فعل من قبل، وليدع حياة المنفى للمعارضين الفاشلين أمثالنا!

منذ بضعة أشهر كتب داعية السلام هذا، بعدما سجل لنا رومانسياته السياسية في أكثر من حلقة، قائلاً: "فالعقيد القذافى، بدوره الجديد الحامي للعملية الديمقراطية دون التدخل فيها، سينتقل إلى خانة مؤسس دولة ليبيا الحديثة".

ترجم، أيها القارئ الكريم، الجملة أعلاه إلى أي لغة حية، وضع معها نبذة عن القذافي ونهجه في الحكم، وحجم الدخل الليبي من النفط، وأوضاع البلاد الاقتصادية بعد 36 سنة من حكمه، وقدمها لأي تلميذ في العالم الحر، لا يزال يحبو في عالم النقد، واطلب منه تعليقاًَ عليها. لا شك أن التعليقات قد تتفاوت من تلميذ إلى آخر، ولكن الشيء الوحيد الذي يستحيل أن يصدقه أي تلميذ، وربما يجعله يعتقد أنك تستهزىء به، هو أن تخبره أن كاتب الجملة داعية من دعاة الحرية والديمقراطية.

منذ إقامتي في المنفى قبل ثلاثة عقود وأنا أجد رغبة فطرية، وأشعر بنوع من الاعتزاز والفخر، في مناهضة أنظمة الاستبداد في العالم العربي. وقد ربطتني علاقات صداقة بكثير من المعارضين العرب في المنفى، ولا يكاد يوجد نظام عربي إلا ونددت به علناً، ولكني لم أجد يوماً ما رغبة حقيقية بمعارضة القذافي، أو أشعر فخراً بما أقوم به ضده، لأن نظرة الاحتقار إلى هذا الملازم البليد ظلت دائماً تسيطر عليّ، ولهذا بذلتُ جزءاً كبيراً من وقتي في مناهضة بقية الأنظمة العربية وعلى الأخص نظام صدام. وأجد نفسي اليوم مذهولاً وأنا أرى بعض المعارضين يحشر سفيهنا في زمرة المثقفين، ثم يحلم أن العجوز المختال الذي قضى ستاً وثلاثين سنة في السلب والبغي والتخريب سيُخلق خلقاً جديداً، فينفخ في ليبيا من روحه فإذا بها جنّة "خضراء" تسرّ الناظرين.

لو قرأنا سيرة كل الطغاة لوجدنا أن كل طاغية كان له تاريخ مثير قبل وصوله للسلطة، ولو لم يصلها فإن له من المواهب والقدرات الذاتية ما يؤهله ليلعب دوراً خطيراً في عالم السياسة، أو عالم الفكر، أو عالم الأدب، أو عالم الرياضة، أو عالم الجريمة، إلا القذافي، فلا ينطبق عليه شيء من هذا. إنه طاغية من أخس أنواع الطغاة وأحقرهم، فلا هو معروف لأحد قبل وصوله للسلطة، ولا يستطيع أحد أن يتخيل أي عمل كان سيعمله هذا الملازم لو لم يغتصب السلطة، وكُشف أمره، وسُرّح من الجيش.

كتابه الأخضر لا يصلح حتى لمجلة حائطية في مدرسة ابتدائية. أعد صفّ الكتاب وإخراجه وضع اسمك عليه، وأرسله لأي دار نشر طالباً نشره، وانتظر الرد! فهذا الكتيب على الرغم من الملايين التي أنفقت من رزق الشعب الليبي عليه لم ينشهر منه إلا جملة واحدة "المرأة تحيض والرجل لا يحيض"، ولو حذفت لصعب على أي مثقف عربي أن يعرف مؤلف هذه الترهات الخضراء، بما فيهم أكثر الذين طبلوا لنظريته الأضحوكة وزمروا لها. وعلى الرغم من الملايين التي أنفقها السفيه تسويقاً لفكره وسياسته وأطروحاته، فإننا لم نسمع ولو مرة خبراً يعلن عن وجود تنظيم، أو القبض على مجموعة تروج للكتاب الأخضر في دولة من الدول العربية أو غير العربية.

أكثر من ست وثلاثين سنة أنفقها مهرجنا الكبير على التنظير العقيم والثرثرة البلهاء، ولم يخرج من فيه جملة واحدة صلحت أن تكون قولاً مأثوراً، أو مثلاً، أو حكمة تدون في سجل الاقتباسات التاريخية، حتى حماقاته هي من النوع الثقيل، ثقل دمه، فلا تجد فيها أي نوع من الطرافة التي يمكن أن تضحك أحداً، ولا يجود عليه عاقل بأكثر من بسمة هزء وإشفاق.

ولا أظن أن التاريخ عرف مستبداً مثله، فيمكنك أن تجد بعض أوجه الشبه بين موسوليني وهتلر، وميلوسيفيتش وصدام، وستالين وتشاوتشيسكو، وماو وأنور خوجة، وعبد الناصر وكاسترو، ولكن يستحيل أن تجد للقذافي مثيلاً. فقد انفرد دون الطغاة أجمعين بالتفاهة والحقارة في كل شيء. عدد ما تشاء من الرذائل وستجدها كلها في القذافي، حتى صفات المخانيث لم يسلم منها دكتاتورنا. في العالم أجمع الرجال هم من يحرسون النساء إلا عند بهلواننا العجوز.

ولا يمكن أن يجد القذافي شعبية حقيقية حتى في أوساط أنصار الحكم الاستبدادي، لأن المستبد الشعبي يتطلب أوصافاً أخرى غير القتل والتنكيل بخصومه، وهي لا تتوفر عند طاغيتنا، فأنصار الاستبداد، بل بعض أعداء الاستبداد نفسه، يقدرون رجلاً كهتلر، أو ماو، أو موسوليني، أو فرانكو، أو عبد الناصر، فقد عرفوا جميعاً بأصالتهم ورجولتهم ووقار مظهرهم. إنّ معظم الطغاة عبر العصور وجدوا من يؤمن بأفكارهم، ووجدوا الملايين تهتف لهم بإخلاص في حياتهم وبعد مماتهم، دون أن يضطروا لشراء ولائهم بالأموال، ولكن لا يمكن أن تجد من يوالي القذافي، أو يؤمن بترهاته، إلا إذا كان يستفيد مادياً من ولائه، فلا يوجد في القذافي شيء يجذب الناس إليه غير المال.

كان موسوليني، أبو الفاشية في أوروبا، يعدّ قبل وصوله للحكم من أعظم رؤساء التحرير في تاريخ الصحافة الإيطالية، كان مثقفاً بليغاً فصيحاً، كتابةً وخطابةً، استطاع أن يفتن ملايين الإيطاليين ببلاغته وقوة حجته، بما فيهم كبار قادة الفكر الإيطالي في عصره، ويكاد الشيء نفسه ينطبق على هتلر وسيرته.

أما جمال عبد الناصر فقد أوجد لنفسه أتباعاً في أكبر قصور "الرجعية العربية" دون أن ينفق قرشاً واحداً من قوت الشعب المصري لشراء ذمم ضعاف النفوس، كان أتباعه أغنى منه ومن دولته، فجلّ كبار رجال الدولة في القصر السعودي آمنوا بفكره وسياسته، بل إن الملك سعود نفسه انقلب ناصرياً، وكادت أن تنقلب المملكة في عهده إلى مملكة حمراء لولا انقلاب فيصل عليه. والشيء نفسه كان ينطبق على ليبيا في العهد الملكي، فقد كانت بطانة الملك أغلبها من المحسوبين على التيار الناصري، على الرغم من دسائس عبد الناصر ومؤامراته على نظام الحكم في ليبيا.

كان أشهر أئمة الاستبداد في العصر الحديث، كموسوليني وهتلر وستالين وماو وغيرهم، لا يرحمون خصومهم، ولا يتقبلون نصيحة ولا نقداً، ولا رداً لحكمهم، ولكنهم لم يفضلوا شعوباً أخرى على شعوبهم، ولم يصرفوا الملايين لتحرير رهائن ليسوا من جلدتهم، ولم يهدروا ثروات بلادهم على القارات الخمس، بل كانوا يغزون البلاد الأخرى للاستيلاء على خيراتها وثرواتها لصالح شعوبهم وأوطانهم.

أغلب الطغاة شيّدوا ثم هدموا ما شيّدوه، أما صاحبنا فلم يبن شيئاً، بل هدّم ما كان مبنياً، فلا يتوفر في القذافي شيء من صفات الدكتاتوريين الذين حظوا بتأييد حقيقي من أنصارهم، وبشيء من الاحترام من أعدائهم.

إن القذافي كيسُ مالٍ منهوب لا غير: لا علم، ولا فكر، ولا ثقافة، ولا مبدأ، ولا أصالة، ولا بلاغة، ولا عمل صالح، ولا شكل حسن ـ لا شيء! ولا يزال، بعد تربعه على الحكم لأكثر من ست وثلاثين سنة، يعجز عن تركيب جملة واحدة مفيدة باللغة العربية الفصحى، دع عنك أن يستوعب جملة بلغة من اللغات الأجنبية، أما "الكاريزما"، ورزانة المظهر، وأدب الحديث ولباقة التصرف في المحافل الدولية، التي عرف بها جلّ الطغاة فهيهات هيهات! باختصار، إن هذا الرجل لو عُرض للبيع في سوق النخاسة لما اشتراه أحد بربطة "معدنوس".


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home