Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Youssef El-Megreisi

Monday, 24 March, 2008

شاهد الزور وتاجر الدستور

يوسف المجريـسي

قبل عقد مضى أو أكثر أراد الفنان القدير علي عمر إرميص، أحد أكرم الأصدقاء الذين عرفتهم، أن يهدي لي إحدى لوحاته، فسألني عما أريد أن يدونه لي في اللوحة، فطلبت منه أن يكتب لي هذين البيتين :
وما من كاتب إلا ستبقـى      كتابتـه وإن فنيـت يــداه
فلا تكتب بكفك غير شيء     يسرك في القيامة أن تراه

هذه التحفة الفنية، التي أعتز بها كثيراً، وضعتها في مكان بارز يفرض علي رؤيتها أكثر من أي شيء آخر في البيت لتذكرني دائماً بمسؤولية الكلمة وعواقبها، ولهذا لا يمكن أن أرسل مقالاً للنشر إلا بعد أن أزن كل كلمة فيه. لقد سخّرت قلمي دائماً لمحاربة الاستبداد، والدفاع عن المظلومين، ملتفتاً إلى مجادلة الرأي لا الأشخاص. قد أضع أوصافاً مثل "متافل" أو "معارضة مخصية" من باب المجاز اللغوي ليس أكثر، ولكن لا يمكن أن اسمي شخصاً بعينه وأضعه في هذه القائمة أو تلك. حتى عندما انتقد أحداً بقسوة في صفوف المعارضة انتقده تلميحاً لا تصريحاً، وفي مقالاتي كلها لا يتجاوز عدد الذين انتقدتهم ذاكراً أسماءهم ثلاثة أنفار. وإني على استعداد لقبول النقد مهما كان قاسياً، مادام في إطار النقاش السياسي والفكري، وفي دائرة الأمور العامة، ولكن إذا تعدى أيما امرئ الحدود المتعارف عليها في النقد، وخرج عن دائرة الجدال إلى أمور شخصية، وحاول أن يشوه سمعتي بأكاذيب يلفقها فلا أتردد في نسفه هو وأباطيله نسفاً ليذوق وبال أمره.

وأحد هؤلاء الذين خرجوا عن الحدود المتعارف عليها محمد بن غلبون، وكنت أنوي أن أرد على مقاله الثاني: "هذا ليس رداً على يوسف المجريسي"، ولكن استجابة لصديق عزيز طلب مني عدم الرد، كظمت غيظي، فلم أرد. ولو كان الأمر يخصني وحدي لما أعرت له والله بالاً، ولكنه يخص أبي الذي هو في ذمة الله، ومن حقه عليّ أن أبره ميتاً كما بررته حياً. ويجب أن يعرف دعيّ الورع هذا أن هناك فرقاً حاسماً في المناظرات حول القضايا العامة، ففيها يختصم الناس وتصطرع الآراء، أما الناس في حياتهم الخاصة وشؤونهم الفردية فلهم حرمتهم في الدين وفي القانون، فإن لم تفهم ذلك فإنا على إفهامك إن شاء الله لقادرون.

إنني لست ملزماً بذكر قصة العقد لهذا الذي نصب نفسه وصياً على الملكة فاطمة. فهذا الرجل الذي يخاطب ابن عمتي، عثمان العالم، قائلاً: "لو أنك ذلك العاقل الذي تدّعي يا أستاذ عثمان لبعثت لي أولاً برسالة خاصة متّزنة على عنواني الإلكتروني المُعلن، ولسرت في مسعى الصلح كما يفعل العقلاء"، أفلم يكن أولى به هو أن يعرف قصة العقد مني؟ فلو أنه اتصل بي وسأل عن قصة العقد فور تسلّمه الصورة من السيد حسين سفراكي، لكان في حل من أن يعظ الناس ويفتي في التفرقة بين العتاب والسباب. فهو يملك عنواني البريدي ورقم هاتفي أيضاً، ولكنه لم يفعل شيئاً من هذا، لأنه لا يصنع هذا إلا من كانت سريرته مخلصة، فماذا نقول لرجل حرمه الله من هذه الصفات، وابتلي بسوء الفعل وسوء الظن:
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه     وصدّق ما يعتاده من تَوهّم ِ

بل إنه احتفظ بصورة العقد في ملف الابتزاز ليستعين بها ضدي متى شاءت له نفسه الخبيثة. وكنت أستطيع أن أروي قصة العقد في ردي الأول، ولكني لم أفعل لأنني لا أريد أن أشجع هذا الشيخ المراهق على إخضاع الناس لأسلوبه الابتزازي الوضيع.

أما الآن وقد أصبح هذا العقد حديث الرسائل، وأقحمت قصته حتى عثمان العالم، ووقف، من باب الوفاء، يدافع عن خاله بشير المجريسي، فأنا أولى بالدفاع عن والدي منه، ولهذا قررت أن أنشر رداً شافيا ومفصلاً، فالقصة كلها لا تخلو في نهايتها من طرافة. فإن لم يكن ردي شافياً، فسيسمع بن غلبون الكلمة الشافية من المحاكم البريطانية، بإذن الله تعالى. ولن أتردد في استدعاء السيد حسين سفراكي الذي سلم له صورة العقد ليقول في المحاكم البريطانية كل كلمة قالها لبن غلبون، إذ إنني استبعد تماماً أن يختلق السيد حسين سفراكي تلك القصة التي حبكها بن غلبون زاعماً أن العقد اشتراه والدي من ضابط اقتحم القصر الملكي، أو أنه أهدي لي بمناسبة زواجي.

من قال إن العقد مسروق؟ ومن قال إن العقد أهداه لي والدي بمناسبة زواجي؟ من أين أتى بن غلبون بهذا الكلام؟ هل سمعه من حسين سفراكي الذي أرسل له صورة العقد؟ لماذا لم يرد بن غلبون بقسم يعارض قسمي، ويقسم بأغلظ الأيمان أنه من الصادقين، وأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين؟ كما أقسمت أنا بأغلظ الأيمان على كذبه؟

لقد استبدل والدي، كما يعلم أهل بنغازي، محل السجاد في ميدان الشجرة في أواخر الثمانينيات بمحل لبيع الذهب، ونظراً لعدم خبرته في تجارة الذهب ترك إدارة المحل لأخيه المرحوم عبد الحميد المجريسي. ومعروف أن أكثر أعيان ليبيا الشرفاء أدركتهم فترات عصيبة خلال حكم القذافي، فكان مصدر عيشهم هو بيع مصوغات أمهاتهم وزوجاتهم وأخواتهم، وأشد المتضررين من حكم العسكر كانوا السادة السنوسيين، وليس ضباط سبتمبر الذين اقتحموا القصور. وأحد هؤلاء السادة باع عقداً ذهبياً ذاكراً أنه كانت تملكه الملكة فاطمة، أو أنه من الملكة فاطمة. ولم يكن ملزماً أن يذكر من كان يملكه أو من أهداه له، فالذهب يباع أو يشترى في ليبيا بدون سين وجيم، وبسعر السوق، ولا تزيد قيمته أو تنقص بقيمة صاحبه، وما ذكر البائع القصة إلا لصداقة هذا الرجل بوالدي، وليذكر أن السنوسيين اضطروا لأن يبيعوا حتى ممتلكاتهم التي لها ذكرى خاصة بسبب ما وصل حالهم إليه من فقر وعوز.

وعندما مات عمي عبد الحميد ترك عقداً ذهبياًً لابنته الوحيدة، زوجتي، وهي لا تعرف عنه شيئاً، ولم تستخدمه مرة واحدة. وعندما جاء والدي إلى بريطانيا مع أحد أحفاده، وقبل رجوعه بيوم أو يومين، طلبت منه أن يرجع بالعقد إلى ليبيا ويبيعه هناك ليستفيدوا من سعره، لأننا لا حاجة لنا به. وهنا اعترض والدي على بيع العقد وذكر لي قصته، ورجّح أن العقد أهدته الملكة للرجل، أو أنها سلفته لزوجته مؤقتاً، ولكن بعدما طالت غربتها تنازلت عنه، أو أن الرجل اشتراه في أحد المزادات العلنية بغية حماية ممتلكات الملك وزوجه من الضياع، آملاً أن يعيد إليها العقد إذا عادت ليبيا إلى أوضاعها الطبيعية، بعد أن بيعت بعض أملاك السنوسيين في المزادات بعد الانقلاب، ولكن الفقر الذي أصاب الرجل، كما وقع لمعظم الليبيين بعد انقلاب العسكر، اضطره لبيعه. هذه كلها كانت مجرد تخمينات من الوالد، فلم يكن والدي يعرف كيف امتلك الرجل العقد على وجه التحقيق، فالسادة السنوسيون تعاملوا كثيراً مع والدي بيعاً وشراءً، والنزعة الفضولية كانت منعدمة تماماً عند والدي، فلم يكن يسأل أحداً في الأمور الخاصة، إلا إذا أخبره الشخص نفسه بها.

ولم يكن هذا العقد ليثير اهتمامي إطلاقاً، ولم أعطه أية قيمة إضافية لمجرد أن الملكة كانت تملكه، لولا أن والدي أضاف، عندما روى القصة، أن هذا الرجل الذي باع العقد رهن مرة ساعة نادرة عند أحد أثرياء الليبيين، كان قد أهداها إليه شاه إيران، ومات دون أن يتمكن من استرجاعها. فقلت للوالد بعد سماع قصة الساعة، سأحاول التأكد من قصة العقد، فلعلّ له قيمة معنوية أو تاريخية عند الملكة فاطمة، فإذا كان له ذكرى عزيزة عند الملكة فسنعطيه لها. فنهاني الوالد قائلاً: "إن العقد ملك زوجتك وليس من حقك إعطاؤه لأحد، وإذا سألتها فلن تقول لك لا، فلا تحرجها".

تعمل زوجتي موظفة في الحكومة المحلية مع إحدى بلديات مقاطعة أكسفورد طوال أيام الأسبوع من الصباح إلى المساء، وتعمل أيضاً متطوعة مع إحدى جمعيات الإسعاف الخيرية، وكثيراً ما تستدعى في عطلة نهاية الأسبوع لتشارك في الخدمات الإنسانية وعند حدوث الفيضانات أو العواصف وغيرها. ومنذ زواجنا، قبل أكثر من عشرين سنة، لم تحضر عرساً أو أية مناسبة اجتماعية يتطلب منها أن تتزيين بالذهب، لانشغالها بالدراسة الجامعية ثم بالعمل، فرأينا أن إبقاءنا على العقد ضرب من تكنيز الذهب. صحيح إننا مستورون مالياً، والحمد لله، إلا أننا أحياناً نمر بظروف مالية صعبة، ولا تسمح لنا حياتنا الاجتماعية المتواضعة بهذا الترف، فقررنا بيعه. وهنا واجهتني مشكلة ضميرية. كيف أبيع العقد مع احتمال أن يكون له قيمة معنوية عند الملكة فاطمة؟ الذهب له قيمته في السوق ولا نحتاج إلى تعاطف ولا شفقة من أحد لبيعه، بل لو أردت توسلاً أو عطفاً أو شفقة فلا حاجة لي للذهاب لأي غريب، بل لا احتاج لبيع العقد أصلاً، فلدي من الأقرباء والأصدقاء والمحبين، والحمد لله، من لا يردني لو طلبت منهم أن يساعدوا أحد الغرباء، دع عنك أن أطلب المساعدة لنفسي. فلا حاجة لي أن أقف على باب سفراكي أو باب غيره. وهذا الشيء يعرفه عني أغلب أصدقائي المقيمين في المنفى.

إنني لم أذهب إلى السيد حسين سفراكي إلا لأنه أخبرني شخصياً بأنه اشترى سيارة من مزاد علني في مصر كان يملكها الملك إدريس رحمه الله. وأنا الذي طلبت منه أصلاً التحقق من قصة العقد وتاريخه. لقد كنت حريصاً على إراحة ضميري بخصوصه كي لا أكون سبباً في إضاعة شيء له قيمة معنوية أو تاريخية عند العائلة المالكة. أما المبلغ فلم يكن يهمني كثيراً، بل إنني أفضل بيعه بثمن أقل لليبي، على بيعه بثمن أغلى لأجنبي. ولم أذكر له أية تفاصيل عن العقد حفاظاً على اسم الرجل حتى نعرف القصة الكاملة من الملكة فاطمة. فلا أظن أن الملكة سيسرها أن ترى شيئاً أهدته أو أعارته لعزيز عليها تم بيعه في سوق الذهب. والحمد لله أني لم أبح باسم الرجل، وإلا لكان اليوم على لسان بعض الرعاع، كما فُعل باسم والدي.

فهل يتصور أحد أني أذهب لحسين سفراكي وأطلب منه أن يشتري مني عقداً مسروقاً اشتراه والدي من أحد الضباط الذين اقتحموا القصر الملكي، بل، وأكثر من ذلك، أضيف أن هذا العقد المسروق أهدي إلي بمناسبة زواجي؟ أنا استبعد تماماً أن السيد سفراكي قال شيئاً من هذا السخف لبن غلبون، ولكنه لفق قصة الضابط والسرقة والإهداء ليضفي طابعاً درامياً على أكاذيبه الغبية، فقد لاحظنا أنه لا يترك أحداً ينتقده بكلمة دون أن يرد عليه، ويتصدى للدفاع عن نفسه، ولو بأسماء وهمية كاسم "عبد الله توفيق"، وهو يحتفظ بكل قصاصة تطرقت إليه ولو كانت من سطرين، لأنه لا يتحمل كلمة نقد واحدة، وقد أصابه نقدي في مقتل، وعندما عرف أنه لا يستطيع مقارعة الحجة بالحجة لجأ إلى صورة العقد، وأضاف إليها بهارات من أكاذيبه التي لا تنفد.

وطبعاً لم تتعرف الملكة فاطمة على العقد لأنه لا يمت لها بصلة من قريب أو بعيد، فالأمر كله اختلط على الوالد، كما أخبرتني الوالدة في زيارتها الأخيرة لي في أكتوبر عام 2006. فقد كان خبيراً في أنواع السجاد العجمي والأوروبي، ولكنه لم يكن يفقه في تجارة الذهب والمجوهرات شيئاً. لقد أكدت لي والدتي أنها سمعت بقصة عقد كانت تملكه الملكة، ولكنها لم تره أبداً، ولا تعرف من يملكه الآن، أما العقد الذي بحوزتنا فقد أقسمت لي بأغلظ الأيمان أنه عقد آخر تماماً اشتراه والدي عام 1978 من السعودية أثناء رحلته للحج، وأنها هي التي أرسلته بعد ذلك لعمي عبد الحميد (أيام كان يملك محل ذهب في سوق الظلام) ليشتريه. وقالت لي بعه الآن وأنت مرتاح البال، فلا قيمة تاريخية ولا أهمية معنوية له من بعيد أو قريب.

هذه هي من الألف إلى الياء قصة العقد التي أساء فيها بن غلبون لوالدي رحمه الله، ولي شخصياً، ولحسين سفراكي الذي ائتمنه على الصورة فلم يراع له سراً ولا أمانة. إنني أستبعد تماماً أن يكون قد أخذ موافقته قبل نشر الصورة، فالرجل معروف بشهامته وكرمه وترفعه عن سفاسف الأمور. ولولا حرصي على هذا المنبر الحر، ثم ارتباط هذه القضية بالسيد سفراكي المشهود له بالعطاء بلا حدود للعمل الوطني لجررت ذلك الدعيّ إلى المحاكم البريطانية فور نشره للصورة ولأرغمته على أن ينشر اعتذاراً في هذا الموقع ليتعلم أن يزن كل كلمة قبل أن يتفوه بها على الملأ. وسأفعل هذا بدون تردد لو تجرأ واستمر في اتهاماته الكاذبة، فهو بنفسه أقر بأن الملكة لم تتعرف على العقد، وما أسهل أن أرفع عليه الآن قضية تشهير، فهذه القضية تدخل في صميم قضايا تشويه السمعة (defamation).

لسنا تجار حرام، يا دعاة الإفك، ولو كنا نملأ بطوننا بالحرام لكان حالنا غير هذا الحال، ومهما لبستم من عمائم، ومها أطلتم من لحى، ومهما تسلحتم بالعكاكيز والسبحات، فتاريخكم الأسود معروف ولن يبيضه مصاهرتكم للأسرة السنوسية، ولا تبنيكم لدساتير كل العالم، ولن تستطيعوا لا أنتم ولا هذا النظام السرتاوي العفن، الذي تسيرون على خطاه وأنتم لا تشعرون، أن تشوهوا سمعة الوطنيين الشرفاء وتاريخهم الناصع.

وبعدما حدثتك عن العقد دعني أحدثك قليلاً عن بشير المجريسي. لم يكن والدي، رحمه الله، يصلي فرضاً إلا في أحد المساجد قرب البيت أو قرب المتجر، بما في ذلك صلاة الفجر، ولم يتناول في حياته كلها قطرة خمر واحدة. حتى يوم الغارة الأمريكية رفض والدي أن يصلي الفجر في البيت، وأصر على الصلاة في المسجد رغم أزيز الطائرات والرعب الذي سيطر على البلاد، ومناشدة الأسرة له بألا يخرج للصلاة. وكان مشهوراً بمشاركته في الجنائز، فلا يكاد يموت أحد من بنغازي إلا ويشارك في تشييع جثمانه بمن فيهم الذين قتلهم النظام في سجونه، وكان أحد القلائل الذين أصروا على تعزية أسرة الشويهدي، بعد شنق ابنهم الصادق، رغم أن أسرة الشهيد حاولت طرد المعزين حرصاً على أمنهم وسلامتهم، وبعدما حوصر بيتهم من كل مكان بالمجرمين من لجان القذافي الثورية.

كانت جنازة والدي إحدى أكبر الجنائز التي شهدتها بنغازي في تاريخها، وقد أفرد له إمام المسجد الذي كان يصلي والدي فيه خطبة جمعة خاصة عنه. هذا الرجل الصالح الذي حاول النظام عدة مرات أن يجبره على أن يتبرأ مني وفشل، وسخر علاقاته الواسعة لخدمة الناس وفعل الخيرات، يأتي آخر هذا الزمن من يقحم اسمه لأغراض سياسة خسيسة ويتهمه بشراء المسروقات.

والدي، رحمه الله، آخر من يشتري شيئاً مسروقاً من أي مخلوق، دع عنك أن يكون مسلوباً من القصر الملكي، فقد كانت تربطه علاقات بأغلب السادة السنوسيين، قبل أن يولد ين غلبون ويعرف ما هي السنوسية ومن هم السنوسيون. لقد وقف والدي مع السادة السنوسية، وفرع أحمد الشريف بالذات، يوم تخلى عنهم أغلب الناس، ولوجه الله، وليس لأغراض سياسية وحزبية،* أو لمصاهرة أو نسب. وفعل نفس الشيء مع المرحوم ونيس القذافي، والمرحوم عبد القادر البدرية، صاحب جامع البدرية الشهير في بنغازي، وهو أحد أنزه رجالات ليبيا وأكرمهم يداً، ومع غيرهم من كبار الوزراء ورجالات العهد الملكي.


مجلة "المعرفة" تختار مصنع بشير المجريسي صورة لغلاف العدد

أذكر أننا في صيف عام 1970، ذهبنا في سياحة مع الوالد إلى روما، وبعد أقل من أسبوع من وصولنا قابلنا بالصدفة السيد عبد الله عابد السنوسي أمام محطة قطار (Termini) الشهيرة وهو في حالة يرثى لها، وعرفته فوراً لأنه كان أحد أصدقاء الوالد، وأولاده زملائي في المدرسة. وأول ساعة لبستها في حياتي كانت هدية منه أهداها لي بعد عودته من الحج. ولو قيل لي: صف حالته، لما وجدت أفضل من أبيات ابن الرندي في مرثيته الشهيرة للأندلس:

يـا مـن لذلة قوم بعـد عزهــمُ        أحـال حالهـمُ جــور وطغيـانُ
بالأمس كانوا ملوكاً في منازلهم     واليوم هم في بلاد الكفر عبدانُ
فلو تراهم حيارى لا دليل لهم       عليهمُ مـن ثيـاب الـذل ألـوانُ

إنني لا أنسى أبداً منظر البؤس والشقاء اللذين ارتسما على وجه السيد عبد الله عابد، وقد عانق أبي وأجهش في البكاء. وبدون أدنى تردد أو تفكير قرر والدي قطع إجازته والعودة إلى البلاد، ودفع كل المبالغ التي أتى بها معه إلى صديقه عبد الله عابد. هذا ما فعله قادة الانقلاب بأحد أكرم رجالات ليبيا، وأحد أشهر من سخر علاقاته وأمواله في صالح قضية تحرير الجزائر.

أما رئيس الوزراء الأسبق ونيس القذافي، رحمه الله، فكان من أعز أصدقاء والدي، ومن المواظبين على الجلوس في محله الشهير أمام البرلمان، وكان قد اشترى أرضاً من أبي قبيل الانقلاب، وقبل وفاته جاء عارضاً الأرض على الوالد بالثمن نفسه التي اشتراها به. فوافق الوالد على شرائها شرط أن يدفع له أرباحاً عليها لأن سعرها قد زاد، فرفض ونيس القذافي أن يتقاضى مليماً واحداً زيادة، ورفض والدي أن يستغل كرم الرجل وصداقته، وأصر أن يشتري الأرض بسعر السوق أو لا يشتريها. وأصر ونيس القذافي هو الآخر على موقفه، وأنه لا يمكن أن يربح من والدي مليماً واحداً، وأنه فقط يتمنى أن تعود الأرض له لا لغيره، ولو أراد الربح لما أتى إليه. فعرض والدي عليه، كحل وسط، أن يشتري أحد إخوته الأرض وبالسعر الحقيقي لها، وذكر له أنه لا فرق بين أن يمتلك الأرض هو أو أخوه، فوافق عندها ونيس القذافي على الزيادة، وبيعت الأرض بسعر السوق لأحد إخوة أبي.


صناعة السجاد الليبي التي أسهم بشير المجريسي في ازدهارها

ثم جاء الدورعلى أبي وصودرت ممتلكاته وانضمّ إلى نادي الفقراء مع المنضمين، ومات في الأردن، ولم يسدد فاتورة المستشفى إلا أحد الأقرباء. لقد مات فقيراً محروماً، لا يملك ثمن علاجه، مثلما مات أغلب أصدقائه من رجالات العهد الملكي.

وليسمح لي القراء أن أحدثهم قليلاً عن أخلاق بعض رجالات العهد الملكي، لعل فيها موعظة لمن يريد الاتعاظ، وليت المرضى والحاقدين يتعلمون شيئاً من أخلاق بعض الفضلاء من رجال العهد الملكي، بدلاً من التشدق الكاذب بدستور 51.

لقد اتهم مرة أحد موظفي البنوك في أوائل الستينيات بأنه أضاع أو اختلس 100 جنيه ليبي، وكان مبلغاً كبيراً بمقاييس ذلك الزمن، فقال الرجل إنه ربما سلم هذا المبلغ خطأ لعبد القادر البدرية، وعندما سئل البدرية أكد أنه وجد هذا المبلغ معه حقاً، وقام بإرجاع المبلغ لخزانة البنك، وبعد فترة من الزمن تبينوا وجود المبلغ في البنك، وأنه وقع خطأ في الحسابات، وسئل البدرية عن سبب إقراره بأخذ هذا المبلغ، فقال: أنا رجل أنعم الله عليه بسعة الرزق، ومائة جنيه لا قيمة كبيرة لها عندي، ولكن طرد هذا الموظف المسكين سيخرب بيته حتماً.

لقد قضى عبد القادر البدرية أيامه الأخيرة في الأبيار فقيراً معدماً لا يجد حتى ثمن العلاج. فقد طلب من والدي قبل وفاته بمدة أن يشتري منه سجاداً كان قد اشتراه أيام عزه، فوجد أن والدي لم يكن أحسن منه حالاً، ولم يعد يستطيع شراء ولا بيعاً، فرجالات بنغازي غدوا جميعاً يعانون من البؤس والفقر، تجارتهم ركدت، وأعمالهم كسدت، ولم يعد يزدهر في مدينتهم إلا مهنة التجسس والعمل لحساب القبيلة الحاكمة.

هذه كانت أخلاق بعض رجالات العهد الملكي، والحمد الله أنه لم يكتب لأحد من هؤلاء مقابلة صاحبنا هذا في القاهرة أو الرباط وإلا لوضعهم في قوائمه السوداء، كما فعل بالمرحوم محمد السيفاط، بوفروة، والحاج غيث عبد المجيد سيف النصر، مدّ الله في عمره، وغيرهما.

إني أربأ بنفسي أن أدخل في هذا المستنقع النتن الذي يحاول أن يجرنا إليه عنوة بعض المرضى نفسياً ليبعدونا عن قضيتنا الوطنية ويرغمونا على الخوض في أمور تافهة وشخصية لا علاقة لها بصراعنا مع القذافي ونظامه، ولكني قررت نشر هذا المقال على مضض لأضع حداً ونهاية لقصة هذا العقد، وليكون القراء على بينة ممن يؤرخ لهم تاريخ رجالات المعارضة، وليعيدوا قراءة كل كتاباته في ضوء عقدته النفسية وأحقاده على الوطنيين الشرفاء. فلم يسلم أحد من سمومه، ولا يعرف لهذا الرجل أية كتابات جادة ضد النظام، ولا مشاركة في أي محفل أو اعتصام وطني، وإنما ملأ صدره غروراً وإعجاباً بفكرته، وازداد انتفاخاً وزهواً بعدما تبناها المؤتمر الوطني، وتفرغ كلياً للحديث عنها، والتعرض للآخرين بالطعن أو التجريح، فهو يعدّ كل من يرفض فكرته، أو ينتقده، شخصاً عدوانياً يكرهه ويمقته ويحقد عليه، وعلى ضوئها ينسج أباطيله وأكاذيبه عليهم. حتى إن شخصاً (جزاه الله عني كل خير) كتب رسالة قصيرة يدافع فيها عني باسم "ن ن" واتهمه بأنه حاقد عليه، فهبّ مذعوراً يكتب باسم عبد الله توفيق بمجرد أن لمّحت لأكاذيبه في مقالي: "ثوابت الاستبداد".

منذ سنوات طلب مني أحد رجالات العهد الأول، وأحد أقرب الناس إلى الملك إدريس رحمه الله، أن أساعده في نشر وتوزيع رد على دعاوي هذا الرجل العريضة بخصوص علاقته بالملك، وأمور تخص كتاب دي كندول، وقصة رسالة الملكة فاطمة التي وردت في الكتاب، ولكني تجاهلت طلبه، ليس لشكي في صدقه، فقد أقنعني أن الكذب يجري مجرى الدم في هذا الرجل، بل حرصاً مني على عدم إثارة أي شيء يمس الملكة فاطمة، أو يثير فتنة في صفوف المعارضة. ولست أذكر هذه المعلومات للتهديد أو الابتزاز كما فعل هو بأسلوبه المافيوزي الرخيص مع السيد محمد السنوسي، وإنما ليعرف المتابعون لهذه المعركة، التي فرضت عليّ، أيهما فينا الحريص على سمعة الملكة فاطمة، وأيهما فينا يتصدى للدفاع عن المعارضين، وأيهما فينا يحرص على تشويه صورتهم بأي ثمن لعقدة نفسية لا تخفى على كل ذي بصيرة، وبدلاً من أن يعتذر لي عن افتراءاته بعد أن أقسمت له بأغلظ الأيمان تمادى في اتهامي بالتدليس، واستمر يصر على أن العقد مسروق.

كان باستطاعتك يا بن غلبون أن ترد على نقدي لك بدون إثارة أي موضوع شخصي لا علاقة له بالسياسة والمعارضة، ولكنك آثرت أن تخون أمانة حسين سفراكي، وتحشر العقد، واسم الملكة الفاطمة، وتربط سخفك هذا كله بمؤتمر أحمد الشريف، فأي صلح تطلب أن يسعى إليه بيننا عثمان العالم؟ مثلي لا يصالح كذوباً مثلك أبداً، ولو اعتذر مليون مرة.

اتق الله يا بن غلبون ولا تفترعلى الناس الكذب، ولا تأخذك العزة بالإثم. لقد أساء موضوع العقد إليك لا إلي. إنني أعلم عنك أكثر مما تظن بكثير، وأنا أتحمل أطناناً من النقد وأنت لا تتحمّل منه مثقال حبة من خردل، فوالذي نهى عن الإفك وقول الزور لست أهلاً لأن تخوض معركة أخلاقية معي أبداً، ولن تفوز بها، لا على صفحات هذا الموقع، ولا في ساحات القضاء إذا أخذت العدالة مجراها. لا أريد صلحاً ولا حرباً معك لأنك لست أهلاً لهذا ولا لذاك.
________________________________________________

* لم يكن والدي عضواً في جمعية عمر المختار، كما جاء في مذكرات محمد بشير المغيربي، رحمه الله، ولم يكن صاحب قرطاسية، كما ذكر، فقد كان صاحب مصنع ومحل للسجاد، ثم قفل المصنع واكتفى بالمحل، ومحله كان في قلب ميدان الشجرة مقابل البرلمان في مدينة بنغازي.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home