Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Youssef El-Megreisi
الكاتب الليبي يوسف المجريسي

الثلاثاء 24 فبراير 2009

إنا للحاكم وإنا إليه خاضعـون

يوسف المجريـسي

استفتى جمال مبارك شيخاً في تولي أمر المصريين من بعد أبيه، فأجابه الشيخ: "طبعاً لا يجوز. ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم".

اضحك أو ابك على أمة غدت تضحك من نفسها أكثر من ضحك الأعداء منها.

ما الذي أوصلنا إلى هذه الحالة؟ لم غدت مصائر شعوبنا وأوطاننا بين يدي فرد واحد يقلبها كما يشاء، ويتجه بها حيثما يشاء، ويفعل بها وفيها ما يشاء؟

لقد أضحى الحاكم في بلادنا إلهاً في الأرض، لا يسأل عما يفعل، بل إنه ينازع الخالق في كثير من الصفات التي اختص بها نفسه. ألم يفقر القذافي شعباً أغناه الله، وأذل قوماً أعزهم الله، وأهان أمة أكرمها الله؟

من يملك من القذافي شيئاً إن أراد أن يرسل طائراته لقصف مدينة من المدن الليبية ويجعل عاليها سافلها؟ هل يوجد في ليبيا من يستطيع أن يوقف مشيئته؟ أليس كل من عليها، من أمساعد لرأس أجدير، من ملكوته؟ ألا يستطيع أن يورث ليبيا لمن يشاء من أبنائه أو عبيده؟

في أوطاننا يتلقى العبيد الأوامر عبر الهاتف وينفذون لسيدهم كل شيء: لو أمر بتحريك الجيوش لغزو بلد مجاور تحركت الجيوش وغزته. وإذا أمر بإسقاط طائرة مدنية، أو قصف مدينة، أقلعت طائرات السلاح الجوي وقصفتها. وإذا أمر باعتقال المئات سيقوا بالأصفاد جميعاً صفعاً وركلاً. وإذا أمر بالتصفية الجسدية لأعدائه نفذ الأمر ولو كان المغضوب عليه خارجاً من المسجد، أو مرتدياً لباس الإحرام في مكة، فأوامر الحاكم مقدسة يجب أن تنفذ في أي شخص، وفي أي وقت، وفي أي بقعة على وجه الأرض. وإذا أمر بإبادة مئات المساجين ودفنهم سراً، وكتم الخبر، نفذت أوامره، ولا تسمع لشاهد حساً. وإذا أمر بتحويل الملايين لحساب تنظيم أو قواد سياسي حولت في دقائق. وإذا أراد خطف إنسان اختفى من الوجود، ولا يتجرأ أحد ممن اطّلع على شيء من أمر الخطف أن يتفوه بكلمة أو يبعث سراً ولو بقصاصة لأهل المخطوف. حتى الأنبياء والرسل، ممن تعد خيانتهم من خيانة الله، وتنذر صاحبها بعذاب الجحيم، لم يجدوا أتباعاً بهذا الإذعان والخوف.

كل قرارات الحاكم، مهما كانت خطيرة ومصيرية، وإن كانت تؤدي لهلاك الأمة، تنفذ بدون نقاش: فلا حكومة تجتمع، ولا برلمان يناقش، ولا هيئة أركان تدرس، ولا جيش يتمرد، ولا صحافة تحتج، ولا مؤسسات مدنية تعارض.

أمة التوحيد هي الأمة الوحيدة بين أمم الأرض التي توحد بالحاكم ولا تشرك في حكمه أحداً. الكل فيها ينفذ ولسان حاله يقول: سمعنا وأطعنا، إنا للحاكم وإنا إليه خاضعون. وأغلب من ينفذ الأوامر يصلي ويصوم، وقد يكون حج واعتمر أكثر من مرة، وهو على ثقة أنه سيلقى ربه خالياً من الذنوب كما ولدته أمه، فالكل يصنع الكبائر في حق شعبه ووطنه وشعاره: "إن الله يغفر الذنوب جميعاً".

عبر أحدهم عن هذه الحالة قائلاً: "كنت دائماً في صغري أدعو ربي كل ليلة أن يرزقني بدراجة، ولكن بعدما علمت أن الأمور لا تسير على هذا النحو سرقت دراجة، ودعوته أن يغفر لي".

منذ شهر تقريباً كتب أحد أدباء السلاطين (من حملة وسام الفاتح العظيم) ناعياً أحد أصدقائه: "لم يبع دار البقاء بدار الفناء، ولم يمنح ضميره إجازة في سبيل نفع أو كسب مادي، مدركاً منذ البداية أن الكفن لا جيوب له فذهب لملاقاة ربه خفيفاً نظيفاً بلا آثام ثقيلة أو ذنوب يصنعها الطمع والهلع."*

هذا يذكرني بما يروى عن الملك الراحل خالد بن عبد العزيز (وكان معروفاً بصراحته وعفوية لسانه) من أنه استمع مرة لخطبة جمعة ألقاها شيخ من شيوخ السلاطين في أحد مساجد الرياض، فقال للخطيب بعد الصلاة: "خطبة مؤثرة جداً. والله لو لم أعرفك معرفة جيدة لبكيت."

يقول "أديب الخيمة"، صاحب النعي السابق، عن سخافات القذافي الأدبية: "إن ما توفر لهذه القصص من عمق التحليل، والقدرة على سبر أغوار النفس البشرية، والسيطرة على التقنية الفنية، وصدق حرارة الانفعال أثناء الكتابة، يجعلها من الأعمال الإبداعية، التي تحقق لقارئها المتعة الروحية، وتضيء له جوانب من حياته، وتحرك في نفسه رغبة صادقة لتجاوز سلبيات الواقع شوقاً إلى معانقة الأبهى والأجمل في الحياة. وتلك أعظم رسالة يقدمها للفن."

نسأل صاحب هذا الرثاء الذي يمتدح الزهد والعفة، ثم بعد هذا يمجد أدب القذافي بهذه العبارات الوهاجة، ونقول له: وماذا بقي بعد هذا لتولستوي؟ وأي عبارات أبقيت لوصف دوستويفسكي؟ وهل بقي بعد كل هذا شيء يتعزى به شكسبير؟ وما الذي دفعك لأن تعد صبيانيات رب الخيمة آيات خالدات: هل هو زهدك في الأكفان الحريرية أم نفورك من الدنيا الفانية؟

هؤلاء هم طلائعنا ونخبتنا: مرتشون أثروا بالقوادة للحكام، يذمون نعيم الدنيا الزائل، ويذكروننا بفضائل الزهد والتقشف، وجواسيس وخونة يلقنوننا دروساً في الوطنية، وعبيد أفنوا أعمارهم في خدمة السلاطين يبشروننا بالحريات وحقوق الإنسان، ومفسدون يعظوننا في الإصلاح، ولصوص يحدثوننا عن العفة والأمانة، وفجار يحثوننا على الأخلاق والآداب، ومجرمون وأصحاب سوابق جنائية ينظّرون لنا في الدستور والقانون، وأضف من عندك ما تشاء من المتناقضات أو المضحكات.

والنكاح الثوري مستمر.
_______________________________

* http://www.libya-watanona.com/adab/aalfagih/af31019a.htm


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home