Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Youssef El-Megreisi
الكاتب الليبي يوسف المجريسي

السبت 22 يناير 2011

حوار أم خوار؟

يوسف المجريسي

 

إذا أردت أن تبدأ في تعلم الحوار الحضاري وأدب التشابك الإيجابي على الطريقة العيساوية فعليك أن تقرأ الخوار التالي:

 •    بععععععععععع وخلاص

 •    وبععععععععع مرة ثانية

 •    وسلامتكم من قول أخخخخخخخخ يا زمن*

بالله أهذا حوار أم خوار؟

هذه العبارات جاءت في مقالة لأحدهم ممن نفخ رؤوسنا بدعاوى الحوار الحضاري والتشابك الإيجابي، صاحبها لم يقل نصفها أو ربعها، بل لم يقل حتى "أف" لمن جثم على قلب الشعب الليبي لأكثر من أربعة عقود؟ أسود وصقور على المعارضة، خرفان وفئران أمام سلطة سبتمبر الغاشمة. 

ضاق داعية الحوار بمقالة خالفته في الرأي وصرخ في وجوهنا  "بععععععععع" ولم يكتف بمرة واحدة، بل كررها مرة ثانية للتوكيد، أما حسن الختام فكان "أخخخخخخخخ". يا لها من أحرف سلسة تستعذبها القلوب والأسماع. أتمنى أن يسمح لنا منظّرنا الكبير أن نقتبس من درره البهية إذا قابلنا عقيدنا الصالح، أدام الله رخاء ليبيا تحت سلطانه المجيد، ومنّ علينا بالجلوس معه للحوار أو للخوار على قصعة رز وعصبان في خيمته العامرة.  

طبعاً كلام منظّرنا الكبير صواب يحتمل الخطأ، ولكنه صحيح مائة في المائة! ومن يرفض مبدأ الحوار مع سفاح سرت فليشرب من مجاري الخيمة.    

يبدو أن رحابة الصدر مطلوبة فقط من المظلومين والمضطهدين، أما قادتنا العظام فلهم أن يبقروا بطون مخالفيهم حتى في الشهر الحرام في البيت الحرام، أو أن يذبحوا سجناءهم بالمئات ذبح النعاج والدجاج، فلا أحد من هؤلاء يغضب أو يقول لهم "أف". وأضف إلى زعمائنا كتابنا الكبار، فلهم أن ينفجروا غضباً على كلمة أو كلمتين تصدر من أمثالنا من مثيري الفتن والمحرضين على "الشغب" والخارجين على طاعة مولانا "ولي الأمر" أدام الله سلطانه وخيمته المعمورة.   

نحن "معشر الليبو" (كما يسمينا المنظّر الكبير) عديمو الفهم وقليلو الحيلة علينا اللعنة و"البعات والخاخات" أضعافاً مضاعفة لأننا لا نستطيع أن نستوعب حكمة فطاحل التنظير السياسي من إخواننا "معشر الإسكيمو".

الوحدة بين ليبيا وسيبريا ضرورة حتمية 

يريد منظرنا أن يفكر بالنيابة عن المعارضة ويعطي دروساً في الحوار لرجالها وكأن الحق وقف عليه واهتدى إليه من دون الناس جميعاً، دون أن يستدل بأي شيء، فتراه دائما يكتب بلغة الأستاذية وإعطاء الدروس في السياسة للمعارضة ورجالها، وبها العشرات ممن هم أكثر منه خبرة وتجربة في هذا الميدان. بعض رجالنا كان محسوباً على المعارضة حتى أيام الحكم الملكي، أي أنه في المعمة السياسية قبل أن يرى منظرنا هذا نور الدنيا.   

هل أجرى صاحبنا المفتون بآرائه دراسة أو بحثاً ميدانياً أو استشهد بأحداث تاريخية ثم وجد من يخالفه الرأي رغم قوة الحجة والبرهان حتى يطلق بعّاته وأخّاته علينا؟ لو ضرب لنا مثلاً بخروج معارض من جلسة في الخيمة معلناً موافقة القذافي على تأسيس حزب سياسي، أو اتحاد طلبة مستقل، أو نقابة عمالية لا علاقة لها بالسلطة، أو فتح تحقيق في أية جريمة من جرائم النظام طوال أربعة عقود، لحق له أن يقول علينا "عنزة ولو طارت" أو يغرقنا بألف بع من بعاته وألف أخ من أخاته.   

لدي أصدقاء أعزاء من شتى الملل والنحل، ومنهم من لا يؤمن بشيء، ولم أتضايق في حياتي كلها من شخص يحاورني ويحاول أن يقنعني بفضائل دينه أو فضائل كفره، هذا هو التسامح الذي أفهمه، ولكني أغضب إذا تجرأ أحد أن يستغفلني أو يمدح أمامي أية طاغية مجرم وصل إلى الحكم بقوة السلاح وحكم شعبه بالحديد والنار، دع عنك أن يمدح أمامي القذافي نفسه. ويوجد عشرات المعارضين مثلي ممن تتسع صدورهم لأي فكر مخالف، ولكنهم لا يقبلون أبداً بالحوار مع مجرم سفك دماء الآلاف من الأبرياء داخل ليبيا وخارجها.    

إن المصلحة هي الدافع الحقيقي وراء دعوات التسامح الكاذب والحوار مع النظام، وليس قناعة بالحوار نفسه أو بشيء له علاقة بقبول الرأي الآخر أو الطرف الآخر، هؤلاء يغضبون على الآراء المخالفة لدينهم أو مذهبهم أو ميولهم الفكرية والسياسية إن صدرت من شخص لا حول له ولا قوة، ولكن القذافي الذي يصفهم بالكلاب الضالة، وصادر حرياتهم، وشردهم في كل مكان، وأنكر السنة ونال من الدين وشعائره في عشرات المناسبات، وسفك الدماء في أقدس بقاع المسلمين، وسجن الأبرياء، وزرع الفتن بين الناس منذ وصوله للسلطة، فكل هذا مغفور لمولانا العقيد، مادام يملك إصدار جوازات السفر، ومنح تذاكر سفر للعودة، وتدريس أولاد المهاجرين في مدارس السفارة، وفتح مقرات للجاليات الليبية في المهجر، وغيرها من امتيازات. 

هنا السر في حثهم الكاذب على الحوار والتسامح، حوار لمصالحهم الشخصية لا علاقة له بقبول الرأي المخالف، أو بتحسين أحوال ليبيا وشعبها من قريب أو بعيد، ثم يستهزئون بالمعارضين الذين يحرضون على الثورة ضد نظام سرت الفاشي، لأن العقلية الفاشية تعشش في عقولهم، ويستطيعون التعايش مع الحكم الفاشي في أي مكان وزمان مادام النظام يعفو عنهم ويضمهم إلى طابور "الطلقاء"، أو يرمي لهم من فضلات مسروقاته ويعاملهم معاملة "المؤلفة جيوبهم". وتراهم أيضاً يشنعون دائماً على "طلاب السلطة" لأنهم لا يطيقون التداول السلمي للسلطة، ومبدأ الترشيح والانتخاب، فالسلطة إما أن تقع في أيديهم ويحتكروها إلى ما شاء ربك، أو تقع في يد أخ لهم في الفاشية، مثل القذافي، يفعل ما يشاء في البلاد شريطة أن لا يحرمهم من بعض الامتيازات.  

لو شنعنا على طلاب السلطة لوضعنا في الخانة عشرات الزعماء المصلحين ممن حرروا أو خدموا أوطانهم، وجميعهم سعوا إلي السلطة سعياً، وبذلوا كل جهودهم للوصول إلى سدة الحكم ديمقراطياً لتنفيذ سياستهم وطموحاتهم: كجورج واشنطن، وأبراهام لنكولن، وجواهر لال نهرو، وونستون تشرشل، والجنرال شارل ديغول، وبوريس يلتسن، وجيمي كارتر، وليش فاليسا، ونيلسون مانديلا، ومارجريت تاتشر، ومحمد مهاتير، وبراك أوباما وغيرهم كثير.          

أيما امرئ يشنع على طلاب السلطة فاعلم أنه لا يكون إلا أحد اثنين: صاحب عقلية فاشية يريد السلطة أن تبقى له أو لأتباعه، أو إمعة لا تعني له الحرية وتداول السلطة أي شي، ويتأقلم مع أي حكم فاشي جائر. أما الأحرار فيريدون أن يفتح باب الترشيح لكل من يطمح للوصول إلى سدة الحكم، مع ترك الشعب أن يقول كلمته في انتخابات حرة  نزيهة. فلا عيب إذن ولا ضير في طلب السلطة كما يصوره الآن ذيول الحكم الفاشي.     

مهما تستر هؤلاء الزائفون وراء شعارات الحوار والتسامح فإنهم يعتقدون دائماً بأنهم على حق وغيرهم على باطل. يردون بغضب وهستيريا بمجرد أن يلمح أحدنا لسخافاتهم، ولا تجد معشار الغضب حينما يرتكب نظام الشر جريمة من جرائمه رغم أنهم يكتبون أسبوعياً. فماداموا قد غيروا قناعتهم ورضوا عن النظام، بعدما كانوا يكفّرونه ويلعنونه، فيجب أن تغير أنت أيضاً قناعاتك وترضى عن النظام مثلهم، فمقالاتي، رغم قلّتها وعدم نشرها إلا في موقع "ليبيا وطننا"، وأحياناً في موقع جبهة الإنقاذ، تنزل على قلوبهم وصدورهم ناراً وحريقاً فيفقدون صوابهم حتى لا يستطيعوا أن يميزوا بين الحوار والخوار.  

إنه الأدب المصطنع والتسامح الكاذب لأصحاب العقلية الفاشية، فبدلاً من أن يصب هذا الرجل غضبه على القذافي وهذيانه الأخير حول الثورة التونسية، الذي عرى فيه نفسه أمام العالم وتبين أنه لا يتحمل نسمات الحرية حتى في الدول الأخرى فضلاً عن بلاده، صب جام "بعاته وأخاته" على المعارضين. وفي الوقت نفسه لا يريد من الآخرين أن يغضبوا لما يجري من جرائم في حق وطنهم وشعبهم، أو يحرضوا أبناء وطنهم على إسقاط النظام الهمجي.  

هؤلاء لا يعرفون الحرية ولا قيمتها عند الأحرار، ويتمنون هم وعقيدهم أن تنفجر الأوضاع في تونس حتى يشمتوا ويذّكروا الناس بمقولة "حاكم غشوم خير من فتنة تدوم" التي خدروا بها شعوبنا لمئات السنين، يحللون أحداث ثورة تونس حسب أهوائهم، يتظاهرون أنهم من أنصارها وهم ألد أعدائها. ولا يكفون عن طعن المعارضة والتشنيع برجالها، وإذا تصدينا في السنة مرة أو مرتين لأكاذيبهم وترهاتهم الفارغة أقاموا الدنيا. ولهذا يثورون إذا أتى أحد ونسف في مقالة واحدة ما كتبوه ونظّروا له في عشرات المقالات. القارىء ليس مغفلاً، إنه يعرف أن الكتابة نوعية وليس كمية، ويعرف من يكتب مخلصاً دفاعاً عن وطنه ومن يكتب فقط للكتابة لأسباب نفسية، أو لمصلحة شخصية أو تنظيمية.  

لماذا يصور المهزومون أن إسقاط القذافي مستحيل بثورة شعبية أو بمقاومة مسلحة، ولا طريق لنا إلا بالتحاور والتصالح مع مجرم نعلم جميعاً أنه يتصامّ ويتعامى عن مآس اقترفتها يداه لأكثر من أربعة عقود، ويصر على تنفيذ أهوائه وتجاربه في حق شعبنا بأي ثمن؟ لماذا لا يرفعون من معنويات الشعب بدلاً من الاستكانة والرضوخ لسلطة سرت الفاجرة؟  

كم بقي الحزب الشيوعي السوفييتي في الحكم ثم سقط؟ وكم بقيت الأنظمة الشيوعية في أوروبا الشرقية ثم تهاوت. هل كان أحد يتصور نهاية أنور السادات بتلك الصورة وهو محاط بجيشه ودباباته من كل مكان؟ هل كان يتخيل أحد أن نهاية الملك فيصل تكون برصاصة داخل مكتبه في الديوان الملكي على يد أحد الأمراء من بني سعود؟ هل كان أحد يتوقع انفجار طائرة الجنرال محمد ضياء الحق بقنبلة وضعت له في رحلة كانت في منتهى السرية؟ هل توقع أحد أن يقتل الرئيس محمد بوضياف ضابط كلف بحمايته وحراسته؟ والشيء نفسه ينطبق على انديرا غاندي وغيرها وغيرهم. 

ليس هناك رؤساء بدون أعداء حتى لو عدلوا فما بالك إذا ظلموا، ومهما تحصن الزعماء فهناك من يخطط ويترصد الساعة المناسبة للإجهاز عليهم، وإن حدث أن فر جزار سرت من القصاص فسينال كل من أسهم في مأساة ليبيا جزاءه طال الأمد أو قصر. وفتنة تدوم أحب إلينا من حاكم غشوم. إما أن نعيش جميعاً في أمن ورخاء، وإما أن نعيش جميعاً في رعب وشقاء. أما أن تنعم بملياراتنا وخيراتنا الأسرة الحاكمة، وتستأثر وحدها بكل شيء، ويعيش بقية الشعب في رعب وبلاء فلا وألف لا. 

المعارضون المخلصون، مهما ضعفوا وأخفقوا، ليسوا للبيع والشراء، فموتوا بغيظكم! 

أما الآن يا عزيزي المنظّر فدعني أطرح حجتي بالحقائق والوقائع. لماذا نرفض الحوار مع القذافي. أنت اطرح حجتك وضع لنا تصوراً عملياً في كيفية دخول المعارضة في حوار مع نظام لا يعترف بها أصلاً، وعدد لنا المطالب التي ترى أن على المعارضة طرحها على مائدة الحوار، والنتائج التي تتوقعها، وادعم وبرهن على حجتك بحقائق أو وقائع، بعيداً عن أسلوبك الرمادي وتنظيرك الأجوف الفارغ. ثم دعنا نرى ما هذا التصور وكيف يكون قبول الطرفين له: النظام والمعارضة، ونترك الحكم للقراء.   

رفضي للدخول في حوار مع النظام مبني على الأسباب التالية: 

 •   رجع أول رئيس وزراء في عهد الانقلاب محمود المغربي، وكان من قادة المعارضة الناشطين في الثمانينيات، ولم يحقق رجوعه شيئاً.

 •   ترك المعارضة عبد المنعم الهوني، أحد أركان الانقلاب، ورجع يعمل من داخل النظام ولم يحقق عمله مع السلطة شيئاً.

 •   حاول منصور الكيخيا محاورة النظام، وكان وزيراً للخارجية وممثل ليبيا في الأمم المتحدة، ولكنه اختفى أثناء الحوار المزعوم. فلماذا خطف ومن الخاطف؟  

 •   أرسل مصطفى بن حليم بعض أبنائه لليبيا مدعياً أن النظام يريد أن يستشيرهم ويستفيد من خبراتهم، فأين إنجازاتهم وماذا حققوا لليبيا وشعبها؟

 •   رجع مئات المعارضين من المنفى بعد مسرحية "أصبح الصبح"، وقبل حصولهم على الجنسيات الغربية، فمنهم من سجن، ومنهم من قتل في مجزرة بوسليم، ومنهم من مات من الهم والغم، ولا يزال كثير منهم يعانون من الفقر والبطالة، ومراقبة رجال الأمن.

 •   رجع عشرات المعارضين في السنوات الأخيرة إلى ليبيا بعد حصولهم على الجنسيات، وعاد أغلبهم للإقامة في الغرب بعد أن وجدوا استحالة الحياة في جماهيرية القذافي التعيسة. 

 •   رجع من الشخصيات المعروفة الأخوان عبد الرحمن وصلاح السويحلي، وجمعة اعتيقة، وعز الدين الغدامسي، ويونس فنوش، وبشير الرابطي، والعقيد مصطفى القويري، وعلى بوزعكوك، ومحمد بويصير، والشارف الغرياني وغيرهم، ولم يحقق رجوعهم شيئاً، ولو بتشكيل نقابة وهمية لعمال السكة الحديدية.

 •   عندما تأسست حركة التغيير والإصلاح أعلن قادتها أنهم على استعداد للحوار مع النظام مادام الحوار سيصب في صالح الشعب الليبي ويخفف من قبضة النظام الحديدية، فهل استجاب النظام لمبادرتهم؟

 •   قفل القذافي في وجوهنا كل سبل النضال السلمي والعمل السياسي، فلم يعرف الشعب الليبي منذ اغتصابه للحكم صناديق الاقتراع، ولا رأي غير رأيه، ولا فكر إلا فكره، فكل شيء فرضه فرضاً وأرغمنا عليه قسراً.

 •   بعدما صادر القذافي حقنا في المعارضة السلمية داخل الوطن حاول أن يصادرها منا حتى في المنفى، وأصر أن يلاحقنا بالتصفية الجسدية حتى لو كنا في سيبيريا، فأخرج مجرمين عتاة من السجون وأرسلهم لقتلنا وإرهابنا وزرع الرعب في أسرنا وأطفالنا في بلاد المنفى.

 •   إنه بمقولته الفاشية "من تحزب خان" لم يسلب منا حقاً من حقوقنا السياسية فحسب، بل حكم على كل من لا يؤمن بترهاته بالخيانة. فبأي صفة ستدخل التنظيمات المعارضة التي تأسست رغم أنفه معه في حوار؟

 •   لا نملك حالياً أياً من وسائل الضغط لنفرض شروطنا على الطرف الآخر، فالحوار سيكون بين طرف يملك المال والبلاد والعباد، وبين طرف لا يملك أرضاً صلبة يقف عليها، ولا مقاومة مسلحة ولا شعبية قوية يستند إليها، ولا دولة ولا قناة فضائية متعاطفة معه، أي أن مائدة الحوار ستكون أشبه بحلبة ملاكمة بين ملاكم من وزن الريشة وملاكم من الوزن الثقيل.  

أضف على العوامل السابقة ما يلي: 

 •   القذافي خائن، فقد خان قسم الولاء في الجيش، وانقلب على النظام الملكي بقوة السلاح، واستمر إلى اليوم في الحكم بقوة السلاح، واليوم يُستقبل أبناؤه من قادة الدول رسمياً كأنهم من سلالة ملوك، ويتحكمون مع أبيهم في أغلب شؤون البلاد الداخلية والأمنية والخارجية.

 •  القذافي دكتاتور فاشي، لم يستفت الشعب أبداً في أي أمر من الأمور، بما فيها فرض ترهات كتابه الأخضر علينا. وكل الأمور السياسية والاقتصادية والاجتماعية يجب أن تستمد شرعيتها من آرائه الشخصية التي أوردها في نظريته السقيمة.

 •   القذافي غدّار، فلا يؤمن جانبه، فقد اختفى الكيخيا وهو يحاور رجاله، واختفى الإمام موسى الصدر ورفيقاة وهم في ضيافته للاحتفال بعيد الانقلاب.

 •   القذافي كذاب، أنكر على الملأ حرب التشاد، وادعى علناً بصفاقة ليس لها نظير أنه وأسرته من الفقراء المحرومين رغم المليارات التي يبذرها هو وأولاده على مغامراتهم ونزواتهم. 

لاعبة التنس وعارضة الأزياء الروسية الشهيرة أنا كورنيكوفا تتوسط، في حفلة خيرية للطبقات المحرومة في الجماهيرية العظمى، اثنين من حاملي البضائع في ميناء سرت: الساعدي القذافي وأخيه المعتصم  

 •   القذافي مجرم، أعدم وقتل المئات من السياسيين لاختلافهم معه في الرأي، وأمر في خطاب رسمي بقتل وملاحقة كل من فر من جحيمه، وحدد موعداً لرجوع جميع الليبيين في الخارج إلى جماهيريته، ومن يتخلف فالملاحقة والتصفية الجسدية ستكون مصيره. وبعد الموعد مباشرة بدأت دماء الليبيين تسيل في شوارع أثينا وفيينا وروما وميلانو ولندن وغيرها، ووصل رصاص الغدر حتى إلى القارة الأمريكية، سابقة تاريخية لم يصنعها أي دكتاتور قبله، وإلى اليوم لا يزال القذافي وأركان نظامه يهددون من وقت إلى آخر بالعودة لسياسة التصفية الجسدية.

 •   القذافي لص، فقد صادر أملاك الناس وأرزاقهم، فضلاً عن مئات المليارات التي أهدرت في عهده على مشاريع فاشلة، ومغامرات أفشل، دون الحصول على تفويض من شعب أو برلمان أو حكومة. ويقتدي اليوم أبناؤه بسنته فبذروا المليارات من ثروة الشعب الليبي على نزواتهم وملذاتهم وشراء القصور واليخوت والسيارات الفارهة والسهرات المترفة مع كبار المطربين ونجوم الليل في أوروبا وأمريكا، على حين لا يجد المواطن الليبي حتى ثمن الدواء أو العلاج، فضلاً عن المأوى أو السكن.    

المغني الأمريكي كرتس جيمز جاكسون المعروف بلقب 50 سنت يحيي حفلاً خيرياً لصالح

"فقراء أسرة معمر القذافي"، وبجانبه أحد المحرومين من أبنائه  

وهكذا يتضح لنا أننا لسنا مطالبين بالتسامح والحوار مع مجرم ولص وغدار وخائن، ويصفنا بأننا "كلاب ضالة" فحسب، بل مع دكتاتور فاشي لم يرض أن يقدم تنازلات حتى لرجال تولوا أعلى المناصب الوزارية في عهده كالمغربي والكيخيا، أو شاركوه في الانقلاب كالهوني، ولا يقبل الاعتراف بشيء اسمه معارضة دع عنك أن يجلس رسمياً مع تنظيم معارض في حوار حول مستقبل ليبيا. ولا يزال النظام يصر على التعامل مع المعارضين كأفراد وبصفة شخصية لا تنظيمية. وكل ما ذكرته ما هو إلا قطرة من مستنقع القذافي الآسن.    

رغم كل هذه التجارب، ورغم أننا رأينا كيف "مضغ" القذافي الإخوان المسلمين ثم "بصقهم" بشهادة وتعبير أحد رجالهم، يريد صاحبنا المعجب بآرائه ألا نأخذ في الاعتبار أياً من هذه الحقائق الدامغة والوقائع التاريخية التي عايشناها بأنفسنا، ونستمع له ولتنظيره العقيم.  

والأغرب من هذا كله، أن خطاباته التي تدعو إلى التسامح والحوار وقبول الآخر ليست موجهة لطاغية لم يقبل حتى برأي التونسي في شؤون بلاده، أو إلى فاشي يحاول أن يملي على الشعب التونسي بأسره من يصلح لحكمهم، أو إلى مغرور يود لو أن ترهاته الخضراء تطبق وتفرض على البشرية جمعاء، بل كلها موجهة للمعارضة والمعارضين.   

ألست تقول عن نفسك أنك معارض قبل أن تتعرف على المعارضين؟ فبدلاً من الخوار في وجوهنا لم لا تحاور أنت النظام وحقق لنا ما عجز كل المعارضين السابقين واللاحقين عن تحقيقه؟ دعنا نحن في عنادنا، واترك المعارضة الرافضة للحوار في حالها، فرجالها لا تنقصهم الخبرة أو التجربة، ولا هم في حاجة إلى دروس منك في التحضر والتسامح، أو إلى تنظيرك المتواصل الأجوف. 

ما ذكرت الأسماء والوقائع إلا استدلالاً بحجتي، فلست متشمتاً في أحد، فانتصار اللعين القذافي على أي أحد مهما اختلفت معه يؤلمني ولا يسعدني أبداً، ولكن إلى متى تستمر هذه المهزلة ويقع في الفخ كل مرة ضحية بين مخالب القذافي وأنيابه السامة؟ لا بد من التذكير والتحذير من الوقوع في حبائل ثعلب ماكر شرير له خبرة في الغدر والطعن في الظهر لأكثر من أربعة عقود. فلا يشين المعارضة أن تكون ضعيفة أو متشتتة بعد أكثر من ثلاثة عقود في الغربة وبعد تنكر العالم كله لقضيتنا، فلابد من وضع نهاية لهذه الكوميديا الشيطانية، فإن لم نستطع أن نسقط القذافي فعلى الأقل يجب أن يرى صنفاً من الليبيين لا يستطيع أن يضحك عليهم ولا شراءهم بأي ثمن، فنحرمه من الاستمتاع بلذة شراء الإنسان ليسترقه، ولذة الغدر الشيطانية المستأصلة فيه، فيموت كمداً وغيظاً، فليس أصعب على طاغية مثل القذافي أن يجد رجالاً لا ينفع معهم ترغيب ولا ترهيب، ولا تنطلي ألاعيبه الشريرة عليهم.        

أن ننهزم في معركة أو معارك نعم، أن نتشرد لأربعين سنة أو خمسين نعم، ولكن أن نشترى ونباع في أسواق النخاسة في سرت فلا وألف لا. حتى الجنة إذا كانت تمر عبر الخيمة فلا نريدها.  

واسمحوا لي الآن أن أسحب كلامي السابق كله، وأعلن من هذا المنبر أنني على استعداد للحوار إذا توفرت الشروط اللازمة لأي حوار سياسي مع طاغية سرت، تحدياً وليس إيماناً أو اقتناعاً. 

يا عيسى هل تستطيع أن تدعو لنا عقيدك أن ينزل علينا مائدة من سرت لنتحاور عليها معه نداً لند في دولة محايدة، وتكون الجلسة رسمية، وتنقل على الهواء مباشرة في التلفزيون الليبي والقنوات الفضائية الأخرى، كما يفعل الفرقاء المتناحرون في لبنان أو السودان؟   

إنني أستطيع أن أقنع كبار رجالات المعارضة الجذرية بالجلوس على هذه المائدة،  فهل تستطيع أنت أن تقنع القذافي أن يكون معنا هو وأعوانه على مائدة الحوار؟  

 هذا هو الحوار الذي تطلبه المعارضة؛ أن تحاور وتفاوض القذافي نفسه رسمياً على الملأ، وليس أن يجلس أحدنا منفرداً في أحد الفنادق سراً مع أحد طراطير الخيمة كعلي الريشي أو بوزيد دوردة أو موسى كوسة أو عبد الله السنوسي، أو أحد أولاد القذافي المدللين.                                           

ها أنا أتحداك، فضع تصوراتك وأئتنا بالعقيد ومائدته في أية دولة حرة ليس له فيها سلطان. ولا تنس أن تجلب معك  الكاميرا لتغطي المؤتمر صحفياً "لجورنال ليبيا".  

ومعذرة إذ لا أستطيع أن أرد تحيتك بمثلها، وأختم مقالي بخوار كخوارك العذب الذي أطرب أذني الصماء، وأنهي مقالي بكلمة شهيرة قالها رئيس الوزراء البريطاني السابق جون ميجور عندما تحدى منافسيه في حزب المحافظين وطلبهم أن يترشحوا ضده: (put up or shut up).

 


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home