Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Youssef El-Megreisi

Wednesday, 17 May, 2006

         
         

( كلمة ختامية )

صراع الأنفس :

مطالعـة في رواية "يزعـم بيريرا" لأنطونيو تابوكي ــ كلمة ختامية
(*)

يوسف المجريـسي

لقد رأينا كيف انتهى الأمر ببيريرا إلى مزاولة السياسة على النحو الذي كان ينهى عنه. بل إنه ينعى الرجل الذي عينه لكتابة المراثي شريطة أن يكون النعي خالياً من السياسة، فإذا به ينعى هذا الكاتب (الذي لم ينشر له شيئاً) نعياً سياسياً. ومن المفارقات العجيبة أنه نسي تماماً نصيحته للقتيل: "ليس عليك أن تذكر كيف مات الكاتب، وفي ظل أية ظروف مات، ولماذا مات؟ عليك أن تقول ببساطة إنه مات وحسْب".

يستطيع القارئ أن يحلل الرواية كيفما شاء، فقد يهتم الصحفي بقضية حرية التعبير، والطبيب النفسي بازدواج الشخصية، والمؤرخ بالتاريخ الفاشي في أوروبا، والفقيه بموقف الفاتيكان من الحرب الأهلية الإسبانية.. إلخ، ولكن كل هذه الخيوط تجتمع في حبكة واحدة، وهي الحياة السياسية.

كثير من الناس يظنون أنهم حين يحيون الحياة الأدبية، أو يلتزمون الصمت، أو يعتكفون في صومعة، فإنهم بذلك لا يمارسون السياسة. هذا وهمٌ، إن لم يكن أخطر الأوهام، فتجنُّبك للسياسة هو نفسه موقف سياسي، وإذا ظننت أنك بابتعادك عن السياسة ستنجو، فأنت مخطئ، لأن السياسة إن لم تمارسها أنت بشروطك على الحكام، ستأتيك في عقر دارك عاجلاً أم آجلاً مفروضة عليك وبشروطهم هم.

لا تصدق مثقفاً يدّعي أنه ليس له اهتمام بالسياسة، وإذا كان صادقاً حقاً فاعلم عندئذ أنه ليس بمثقف. فالمثقف الحقيقي قد لا يكون له طموح سياسي، وقد لا يتابع الأخبار يوماً بيوم، ولكن لا يستغنى أبداً عن متابعة الأحداث السياسية الهامة، لأن السياسة هي محور الحياة الفكرية، فلا يستطيع فيلسوف ولا أديب ولا مؤرخ ولا خبير اقتصادي ولا عالم اجتماعي أن يلم بمادته بعيداً عن عالم السياسة، فالساسة هم من يفرضون ويسيرون كل نواحي الحياة.

يقول طه حسين عن العلماء والأدباء والفلاسفة ورجال الفن في كتابه النفيس فصول في الأدب والنقد: "قلما تجد واحداً من هؤلاء الناس قد اعتزل الخصومات السياسية والاجتماعية، فلم يكوِّن فيها رأياً، ولم يظهر فيها هوى، ولم يتخذ لنفسه منها موقفاً معيناً معروفاً".

أكاد أجزم أنه لا يوجد أكذب من امرئ يدّعي بعد سبع وثلاثين سنة من الحكم الفاشي أنه ليس مع القذافي وليس ضده، بحجة أن السياسة ليست من اهتماماته. فالناس في ليبيا صنفان: إما مستفيد راض عن الوضع، وإما متضرر ساخط عليه. ويندر، أو ينعدم، أن ترى صنفاً ثالثاً لم ير من القذافي خيراً أو شراً.

باتت بلادنا، بعد نحو أربعة عقود من حكم تتار سرت، غنية بالإملاق والفقر، خصبة بالشر والقهر. لقد سُخّرت خيراتها في نشر الجهل والبؤس والذل، ولم يستفد من غنى ليبيا إلا شرذمة منافقة باعت قلوبها من أجل جيوبها، وعقولها من أجل كروشها، بمن فيهم بعض كتاب وأدباء السلاطين ممن يتزلف إليهم بعض كتابنا في المنفى، بل خرج علينا من يتباهى بالتقاط الصور مع عتاة مثقفي السلطان بعد أن فاتهم الظهور مع السلطان نفسه، ولسان حالهم يقول: ما لم يدرك كله لا يترك جله.

لقد حفلت الحياة الفكرية الليبية بأعلام السياسة والأدب والقلم الذين دوّت أصواتهم في كل الآذان إبان العهد الملكي، وكان بعضهم من رموز المعارضة الشرسة لذلك الحكم الوديع، ولكنهم لم ينطقوا بكلمة واحدة ضد حكم الوحوش الكاسرة. وهذه هي الشجاعة الزائفة التي لا تظهر إلا عندما يأمن صاحبها العواقب. أين محمد بشير المغيربي وعلي مصطفى المصراتي وعلي الديب ومحمود صبحي وغيرهم؟ أين هم اليوم مما آلت إليه البلاد من خراب وانحطاط؟

بعض الكتاب الليبيين، الذين يرجع فضل شهرتهم ومكانتهم لذلك المناخ السياسي، يترددون اليوم على البلاد العربية والأوروبية بانتظام، كخليفة التليسي وعلي مصطفى المصراتي، وبعضهم لا يقيم في ليبيا أصلاً، كالمغيربي، وتراهم يتنعمون بامتيازات خاصة أعطاها لهم حاكم فاجر سلب كل شيء من شعبه حتى "بهجة المعرفة". أسكرهم بالدولار الأخضر والفرنك السويسري، فغدوا لا ينطقون حتى بكلمة عتاب قد تعكر مزاج نمرود سرت.

كان المغيربي جاراً لي في بنغازي، إذ كان يسكن في زقاق المغيربي المتفرع من شارع عبد الله بالة في منطقة التوريللي، وهو الشارع الذي ولدت فيه وقضيت فيه شطراً من طفولتي، ولا زلت أذكر تلك الهتافات التي كانت تنادي: "الشعب اللي عنده ضمير يعطي صوته لبشير". أول شيء نسيه أبو زاهي، بعد انقلاب الخونة، هو هذا الشعب الذي وقف معه في تلك الأيام الزّاهيات التي تباكى عليها في سطرين يتيمين من مذكراته دون أن يقول كلمة حق واحدة في نظام سرت الغاشم.

ما الذي يجعل شباباً ليبياً في عمر الزهور يفر من ليبيا، على حين يمكث فيها من قضى عقوداً من عمره بين دهاليز السياسة أو بين القرطاس والقلم؟ أيهما أحوج إلى حرية التعبير؟ لِمَ لم يمتنع هؤلاء عن العودة لدولة الاستبداد عند أول فرصة أتيحت لهم؟ ألا تستحق الحرية أن يهاجر المثقف ويتغرب من أجلها؟

لا ريب أنه سيأتي اليوم الذي يخرج فيه أدباء ليبيون مثل تابوكي ويقيّمون كتّاب ليبيا في عهدها الفاشي الثاني تقييماً أخلاقياً، ويضعونهم في مكانهم الحقيقي من تاريخ كفاحنا الوطني، بعيداً عن تملق المنافقين ومجاملات الكاذبين.

من أجل هذا أتمنى مخلصاً أن يشعر رجالات ليبيا وأعلامها بمسوؤليتهم الوطنية والتاريخية اليوم، وأن يقولوا كلمة حق لله في هذا النظام النتن حتى يكون التاريخ شاهداً لهم لا عليهم.

الإنسان خطّاء ويعذر إن أخطأ، بل يعذر إن ضل الصراط، جهلاً أو نسياً، حيناً من الدهر، ولكن لا سبيل إلى إيجاد المعاذير له إن أصرّ على مسلكه حتى بعدما يتبين له خطأ السبيل تبيّاناً لا ريب فيه. فالرجوع إلى الحق فضيلة، ولئن يبدأ المرء مداهناً للاستبداد وينتهي مناهضاً له، أفضل بألف مرّة من أن يبدأ مناهضاً وينتهي نصيراً له. فالأول يستبشر الناس برجوعه إلى الحق ويكبر في عيونهم: "إن الحسنات يذهبن السيئات"، وأما الثاني فيصغر فجأة، ويُحتقر حتى في الصفوف التي انتقل إليها، بل إنه يحتقر ذاته ونفسه، فإذا هو يلهث لإصلاح ما فسد من أمره بالحقد والحسد وتضليل الآخرين: "ودّوا لو تكفرون كما كفروا".

أكثر ما أعجبني في رواية تابوكي هو "الموقف" النهائي الذي اتخذه بيريرا. فلو لم يتخذ بيريرا موقفاً من حكم سالازار لما أجريت قلمي بكلمة واحدة عن هذه الرواية. لم يخذل بيريرا زميله مونتيرو روسّي كما خذل صحفيو الداخل زميلهم ضيف الغزال الذي بترت أصابعه ومُثّل به حياً قبل ذبحه، بل قال بيريرا كلمته وهجر أرض الأغلال من أجل حريته وحرية قلمه. لقد أدرك الرجل أن حياته التي قضاها في عالم الأدب لا معنى لها. حقاً، لا معنى لحياة الإنسان إن ظل صامتاً لا يستطيع التعبير عمّا يؤمن به، فيرضخ لمشيئة الآخرين، يُكرهونه على ما يريدون، يرسمون له خطوط السير، ويحددون له الخطوط الحمراء والخضراء، يحب ما يحبه الزعيم، ويكره ما يكره الزعيم، وما بين هذا وذاك فله من الحرية ما يريد. وهذا بالضبط ما تجده في العالم الذي تصوره الرواية: كل شيء تباح كتابته، إلا ما يغضب السلطان.


إذا عجز الكاتب عن قول كلمة الحق في بلاده فالأفضل له أن يكسر قلمه ويصمت. فالصمت احتجاجاً على مصادرة حرية التعبير أشرف من الكتابة بقلم مخصي. أما إذا واصل المثقف الاشتغال بالأدب أو الفقه أو التاريخ أو الفكر، دون أن يعترض على الاستبداد، فهو جزء من المنظومة الفاسدة، وإن لم يبارك الاستبداد أو يؤيده.

إن مناخ الاستبداد يقتل روح الإبداع في كل شيء، فلو طالعنا الحياة الأدبية في جارتنا مصر قبل انقلاب يوليو وبعده لرأينا الفرق الشاسع بين العهدين، رغم وجود الاستعمار في العهد الأول. لقد عرفت مصر في الفترة الذهبية من عصر النهضة، تلك التي خلت من استبداد العسكر واضطهاد الفكر والأدب والفن، أسماء كبيرة مثل: محمود سامي البارودي، أحمد شوقي، حافظ إبراهيم، خليل مطران، إسماعيل صبري، علي محمود طه، أحمد رامي، بيرم التونسي، لطفي السيد، مصطفى صادق الرافعي، حفني ناصف، إبراهيم عبد القادر المازني، أحمد تيمور باشا، طه حسين، عباس محمود العقاد، توفيق الحكيم، مصطفى لطفي المنفلوطي، جورجي زيدان، أحمد أمين، أحمد حسن الزيات، علي الجارم، محمد فريد وجدي، محمد حسين هيكل باشا، أحمد زكي باشا، زكي مبارك، وعشرات غيرهم ممن لا يتسع المجال لذكرهم، حتى نجيب محفوظ الذي لا يزال بيننا إلى اليوم محسوب على ذلك الجيل. هذا فضلاً عن عشرات الأسماء الأخرى في عالم السياسة والاقتصاد والفقه والقانون والفلسفة والتاريخ والموسيقى وغيرها من العلوم والفنون. لم تنجب مصر، بعد أكثر من نصف قرن على انقلاب العسكر، شاعراً أو أديباً أو ناقداً واحداً نستطيع أن نضعه اليوم في مصاف تلك الأسماء.

وليبيا اليوم أسوأ بكثير من مصر عبد الناصر، ومصر السادات، ومصر مبارك، لأن على رأس جهاز الاستبداد في بلادنا رجلاً اجتمعت فيه كل صفات الجهالة والبلادة والحمق.

إن الأدب لا يزدهر إلا بازدهار النقد، والنقد لا يمكن أن يزدهر إذا كان مكبلاً بأصفاد السلطة، فالبلد الذي يمنع فيه تداول أو تدريس ما أنتجه العالم من أدب وفلسفة وفكر وفن لا يمكن أن ينجب ناقداً. بلادنا ليست تربة صالحة للفكر أو الأدب، فلم يكن الاستبداد يوماً بالمناخ الذي تترعرع فيه الحياة الفكرية والثقافية، ومن ثم نلاحظ هذا الفرق الهائل بين الحياة الفكرية في العهد الملكي، رغم قلة المتعلمين، وبين الحياة الفكرية، أو على الأصح القحط الفكري، في عهد الانقلاب. فإن أردنا هذه الحياة الفكرية القويمة فلا مفرّ لنا من أن نبدأ بتغيير هذه التربة وتطهير ذلك المناخ. وبعبارة أخرى علينا أن نعمل جميعاً على إسقاط النظام العسكري الفاسد وإحلال نظام ديمقراطي حر محله لا تصادر فيه الكلمة، ولا يُنحر فيه المعارضون. لا بد أن ننخرط جميعاً في العمل السياسي. وإذا كان أهل الداخل يخرجون علينا في كل مرة بأعذارهم بسبب سياج الاستبداد المضروب عليهم، فما عذر أهل المهجر، حيث الحرية الوافرة والأمن المضمون، إن لم يكن عبودية فُطروا عليها وذلّ جبلوا عليه؟

إن الأدب الحق والفكر المثمر الذي يحرر الشعوب من أغلالها لا تسطره أقلام ترتعد، ولا يصدر عن قلوب ترتجف، وليس ثرثرة يطلق فيها الكاتب قلمه في كل الاتجاهات بدون هدف، أو رسالة، أو قضية. لا يكون الأدب أدباً في عصر الاستبداد والظلام إلا حيث تنطلق الكلمة، فإذا هي كالرصاص وقعاً على المستبد، ونوراً يبدد الظلمات. ذلكم هو الكلم الطيب والأدب الحق.

إن الخلل ليس في العمل السياسي، بل فينا نحن. لقد انقلب العمل الوطني، للأسف، إلى مسرحية مملة من الاستعراضات التافهة، والدعاية الرخيصة، والتنافس البغيض، والمجاملات الكاذبة، والتسامح الزائف مع بطانة السلطان، واللهث وراء المصالح الشخصية والحزبية. غدونا نغلو في كل شيء، فإما أن يفر أحدنا من الساحة السياسية فراراً، وإما أن يحرص على أن يلعب دوراً قيادياً بأي ثمن، وأن تكون له كلمة في كل مناسبة، فضاعت قضيتنا الوطنية بين الجفاء والرياء.

حان الوقت، إن كنا جادين، أن نصدق مع أنفسنا ومع غيرنا، وأن نسعى إلى بعث الروح الوطنية الحقة في ديار المهجر، ونحيي العمل السياسي الخالص لوجه الله تعالى بدلاً من هذا الرياء الذي طغى على العمل الوطني وأفسده. علينا أن نحذر الذين يصطنعون المواقف، ولا مواقف لهم، ويدعون الثقافة والثقافة منهم براء، فكما هانت عليهم الحرية، هانت عليهم الكلمة، فإذا هم يتخذونها مطية لأغراضهم الشخصية، لا يكتبون إلا للكتابة، وليس لديهم ما يقولونه: ليس إلا الثرثرة، واستعراض ما يظنونه فكراً وما هو بفكر، أو ما يعتقدونه أدباً وما هو بأدب، يكتبون لأنفسهم وليس للقراء، يحسون بآلام أنفسهم ولا يحسون بآلام الناس، يتألمون لغربتهم ولا يتألمون لغربة الوطن، اقتحموا عالم الأدب والفكر وهم لا يملكون شيئاً من أدواته، يعرضون علينا صورهم في مختلف الأوضاع، تارة باسمين، وتارة عابسين، مرّة بربطة عنق ومرّة بدونها، يحولون كل مناسبة إلى حدث تاريخي، فما من "لمة" أو "زردة" أو مصافحة إلا وآلات التصوير تسجلها حتى يدخلوا التاريخ من أوسع العدسات.
________________________________________________

(*) بعد اغتيال الصحفي اللبناني جبران تويني نشرت "الشرق الأوسط" بتاريخ 16 ديسمبر 2005 هذا الكاريكاتير المعبّر الذي يرمز إلى دور الكاتب الحر في مواجهة الاستبداد.


         
         

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home