Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Youssef El-Megreisi
الكاتب الليبي يوسف المجريسي

الإثنين 17 يناير 2011

الشرح المبين في فوائد البنزين 

يوسف المجريسي

بدأت التجارة بالثورة التونسية، وبدأت الإشادات الكاذبة بها من حمائم وعمائم لم  تعرف إلا الخنوع والتسبيح بفضائل الأمن والاستقرار وإن كانا تحت أحذية الظالمين "حاكم غشوم خير من فتنة تدوم". ولو لم ينجح المتظاهرون في إجبار بن علي على الفرار لسمعنا الفتاوى التي لا تجيز غسل البوعزيزي المنتحر، ولا الصلاة عليه، ولا دفنه في مقابر المسلمين، وأن مصيره نار جهنم لا يموت فيها ولا يحيي.  

وبمجرد أن غادر طاغية تونس قصر قرطاج بدأت حمائمنا وعمائمنا، ممن كانوا بالأمس يفضلون اللغة الهادئة على اللغة الثائرة، وإصلاح النظام بدلاً من إسقاطه، والحوار مع الطاغية بدلاً من رفضه، وممارسة "فن الممكن"، و"الاشتباك الإيجابي" وتخدير الناس بالشعار المضلل "ليس المهم من يحكم ولكن كيف يحكم"، ويشنعون على المعارضة وسقف مطالبها العالي، فجأة باتوا جميعاً يشيدون بالشعب التونسي الثائر، وبراكين الغضب، وعواصف التغيير، ونقمة الجماهير، وصرخات الكرامة والحرية، وغيرها من عبارات كانوا يعدونها من مفردات الحرس القديم في المعارضة ولا تليق بقاموسهم العصري.      

وأسبغ بعضهم صفة "السلمية" على ثورة تونس الحمراء التي سقط فيها عشرات الشهداء ومئات الجرحى، فضلاً عن إضرام النار في الممتلكات والسيارات التابعة للأسرة الحاكمة.  

ما الذي أشعل شرارة الثورة التونسية غير الغضب والعنف والنار؟ هل أشعلتها رسائل البوعزيزي المفتوحة التي كان يستجدي فيها رئيس البلاد، أو أحد أفراد أسرته، ليسمح له بأن يكون بائعاً متجولاً، كما يفعل العبيد عندنا ممن لا يكفون عن استجداء حقوقهم من القذافي أو ابنه سيف؟      

لم يرفع بطل الثورة ومفجرها، محمد البوعزيزي، الذي غدا قدوة لكثير من الشباب الثائر وأصبح اسمه على لسان الملايين من عشاق الحرية والمضطهدين في العالم، لافتة يطالب فيها برخصة تجارية، أو أرسل رسالة مفتوحة يستعطف فيها رئيس البلاد، أو أحد أفراد أسرته، بل أضرم النار في جسده أمام الملأ احتجاجاً على الظلم الذي وقع عليه. فأي غضب وعنف واحتجاج أشد من أن يحرق الإنسان نفسه؟ ومن يصل به الغضب إلى إحراق نفسه احتجاجاً على الظلم ماذا كان سيفعل لو واجه الظالم نفسه المسؤول عن مأساته وكان في يده خنجر أو زجاجة مالتوف؟ 

لا يزال بعض السذج يظنون أن العنف هو ما اقتصر على استخدام السلاح، وكأن هناك فرقاً بين تفجير سيارة بقنبلة أو إشعالها بعود ثقاب، أو اقتحام مبنى بسيارة مفخخة أو حرقه بزجاجة بنزين، فالعنف هو العنف[1] لا يختلف باختلاف الأدوات، ولا توجد ثورة تندلع ضد الطغاة لا يحطم فيها المتظاهرون أملاك رموز النظام وأوكارهم الظالمة، ويشتبكون بالعصي والهراوات مع أجهزة الأمن، فالطغاة لا يسقطون بعرائض الاحتجاج، ولا بالدعاء عليهم من تحت أستار الكعبة، ولا بمناشدتهم بالتغيير والإصلاح، وإنما بالتضحية وبذل الأرواح والدماء في الشوارع والميادين، وإجبارهم على الرحيل.      

·  هل سمعتم أن المتظاهرين طلبوا الحوار أو التفاوض مع زين العابدين بن علي؟

·  هل سمعتم أنهم ناشدوه الإصلاح والقضاء على الفساد وعزل المفسدين؟

·  هل سمعتم بحديث عن ضرورة التقيد بالدستور أو إدخال بعض التعديلات عليه؟ 

·  هل سمعتم بدراسة المتظاهرين للتنازلات التي قدمها الطاغية صاغراً للشعب في خطابه الأخير؟ 

لم يصدق المتظاهرون وعود بن علي رغم أنه لا يملك من سجل الغدر والكذب واحداً بالمائة مما في سجل القذافي، لم يلتفوا على شخصية قيادية رمزية، ولم يطالبوا بعودة الخلافة الراشدة، ولا بالسير على خطى الأسلاف والأجداد وقادة الاستقلال، ولم يناشدوا الأنظمة العربية، ولا دول الاتحاد الأوروبي، ولا أمريكا، ولا القوى المحبة للعدل ولسلام، لم يأتوا للعالم، وإنما العالم هو الذي أتى إليهم بعد أن زلزلوا أركان قصر قرطاج. لقد اعتمدوا فقط على أنفسهم، ووضعوا أرواحهم على أكفهم، وصمموا على مطلب واحد أصروا عليه حتى النهاية، هو رحيل الرئيس بن علي.  

هذه هي حقاً المعارضة التي تستمد قوتها من الإيمان بنفسها، والاعتماد على ذاتها، وبقدرتها على صنع المستحيل بدون أن تستجدي أحداً، أو تغرق نفسها في شعارات سياسية أو عقائدية جوفاء، ولا تأمل من طاغية مستبد ذرة خير، ولا تطلب منه شيئاً عدا الرحيل؛ لا شيء سواء الرحيل.       

لقد سقط زين العابدين، ولم يسقط حزبه ولا نظامه. إن سقوط الرئيس واستمرار النظام لا يضمن أبداً عدم وقوع البلد في قبضة دكتاتور جديد، ولا سيما أن تعديل الدساتير في كل البلدان الدكتاتورية يتم في البرلمانات وليس عن طريق استفتاء شعبي مباشر، ولا تزال الدولة حتى هذه اللحظة تحت سيطرة رجال الحزب الحاكم. ولكن هذه أول خطوة في الاتجاه الصحيح، ولا توجد خطوات صحيحة قبل أن يتنحى الرأس الأكبر في السلطة، فقطع رأس الأفعى هو الضمان الوحيد لعدم تمكينها من نفث سمومها. فلا خطوات صحيحة بإطلاق السجناء السياسيين وتعويضهم، ولا بإرجاع الأملاك لأهلها، ولا بمحاكمة بعض رموز الفساد وتقديمهم كبش فداء، ولا بصياغة دستور تحت أحذية العسكر، ولا غيرها من الإصلاحات الوهمية، فمن عجز عن العطاء والبناء في شبابه هو أعجز عنهما في أرذل عمره. إن الخطوة الوحيدة الصحيحة التي يقدم عليها أية طاغية هي أن يتنحّى ويستقل أول طائرة إلى المنفى.  

كفانا تشتتاً وفرقة ولنتحد جميعاً على هدف واحد لا غير: "رحيل القذافي". وبعد رحيله فليتناطح المتناطحون. 

 تاريخ ليبيا مليء بالخلافات السياسية والقتال بين القبائل، ولكن لم يحدث أبداً أن انحدرت البلاد إلى هذا المستوى من الهمجية والتخلف والاستئثار بالثروة والسلطة، فمهما يحدث بعد سقوط القذافي فلن يكون حال البلاد أسوأ مما هو عليه الآن، فهذا الحاكم اللعين جمع مع كل صفات الظلم والاستبداد والخسة والنذالة صفة لم تعرف عن أي طاغية في العصر الحديث، ألا وهي صفة حقد الطاغية على بلاده وشعبه. إنه لا يريد أن يمسك بالسلطة بأي ثمن فحسب، بل يريد أن يدمر ليبيا بأي ثمن، ويتمنى أن يهجّر شعبها ويوطن محله شعباً أخر. ولهذا يحرض الليبيين على الهجرة من بلادهم في الوقت الذي يشجع فيه الأفارقة وغيرهم على الاستيطان في بلادنا.    

ليس من الإنصاف أن يتهم الشعب الليبي بالجبن والخنوع، فشعبنا كان معروفاً بتظاهراته المتكررة إبان عهد الإدارة العسكرية، والعهد الملكي، وبداية عهد الانقلاب (قبل أن يتمكن طاغية سرت من إحكام قبضته عل كل شيء) ولكن بطش القذافي الجنوني بعد الانتفاضة الطلابية عام 1976 والذي وصل  إلى نقل حفلات الإعدام مباشرة على التلفزيون، وإلقاء جثث الشهداء في عرض البحر أو رميها في سيارات القمامة، فضلاً عن الاعتقالات العشوائية والاختفاء القسري والتعذيب وفتح النار على المسجونين في المعتقلات، وهدم البيوت والعقاب الجماعي، زرع الرعب في نفوس أغلب الناس، حتى من أراد التضحية بنفسه فإنه مضطر إلى أن يضع في حسابه أسرته وأقرباءه قبل أن يقدم على أية خطوة ضد النظام الفاشي، فما صنعه بالأمس جزار فزان (الجنرال غراسياني) لتهدئة برقة صنع جزار ليبيا على مدى 40 عاماً أكثر منه وأفظع، وبما لا يقارن مع ما فعله جزار تونس بأهلها على مدى 23 عاماً.  

زد على هذه العوامل تركيبة ليبيا القبلية، فلا يزال بيننا من يقدم مصلحة القبيلة على مصلحة الوطن، بالإضافة إلى أن الجيش وكتائب الأمن كلها تحت قبضة القذاذفة، ويتولى قيادتها أبناء القذافي نفسه وأبناء عمومته. ولا يوجد في بلادنا نقابات ولا أحزاب ولا اتحادات ولا أية مؤسسة عامة مستقلة عن النظام، فالقذافي هو ليبيا، وليبيا هي القذافي، وخزائن الدولة بملياراتها كلها تحت تصرفه، وظفها ليس فقط لحماية أمنه في الداخل، بل في شراء الأنظمة العربية والغربية لترضى عنه وعن نظامه. حتى الفضائيات العربية، كقناة الجزيرة، وهي تنقل أتفه الأحداث عن الشعوب الأخرى، لا تنقل شيئاً عن معاناة الشعب الليبي ومآسيه اليومية المتصلة.  

لكل مقام كرنفال

إذا كان الشعب التونسي لم ير من الطغيان معشار ما رآه الشعب الليبي، وبن علي يبدو وكأنه حمامة أو ملاك مقارنة بما صنعه طاغية سرت في ليبيا وشعبها، فنحن أحق من الشعب التونسي برفض أنصاف الحلول والمطالبة برحيل القذافي عن ليبيا بدون رجعة؟ لقد عانينا من هذا الحكم الهمجي لأكثر من أربعة عقود سود تحولت فيها بلادنا إلى جحيم وخراب لا يطاق، يفر منه حتى أهله، وليس قبلة للسياح من كل أنحاء العالم كتونس التي ثار أهلها رغم ذلك كالبركان.   

لقد أضرم شرارة الثورة التونسية فجأة شخص واحد، فلم يكن أحد يتوقع في هذا البلد، الهادئ هدوء المقابر، حتى انتفاضة طلابية داخل جدران الجامعة، دع عنك أن تنفجر براكين الغضب في كل مدن تونس وقراها.

إن نهاية طاغية سرت لابد أن تأتي أيضاً من حيث لا يحتسب، عاجلاً أم آجلاً، فكل ليبي مخلص لا يتمنى سقوطه فحسب، بل أن تكون نهايته كنهاية صديقه بن علي، أو أشد خزياً ومهانة، تشفي صدورنا جميعاً، وصدر كل حر مبغض للاستبداد والمستبدين على وجه الأرض.  

الثورة أحياناً لا تحتاج لأكثر من عود كبريت وصفيحة بنزين، فمتى نسكب البنزين على خيمة الشر ونرمي عود ثقاب على الشيطان الذي فيها؟


[1]   راجع مقال "نبذ العنف أم نبذ الضعف؟" على الرابط التالي: 

http://www.libya-watanona.com/adab/megreisi/ym01015a.htm

 


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home