Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Youssef El-Megreisi

Friday, 16 November, 2007

السلاح: لك، وإلا فعـليك*

يوسف المجريـسي


العسكر: إن لم يسحقوك تحت أحذيتهم سحقوك تحت جنازير دباباتهم1

شهدت مرة مصارعة الثيران الإسبانية على إحدى القنوات التلفزيونية، فاستفزني المشهد ووجدتني أشجع الثور الذي كان ينزف دماً، متمنياً أن ينطح المصارع المختال الذي كان يتمخطر عجباً وخيلاء في الملعب، ويغرس من حين إلى آخر في جسد الثور الأعزل سيفاً من سيوفه. ماذا صنع الثور لهذا الجبان حتى يتسلى به هو وبقية الرعاع بهذه الرياضة الوحشية؟ أتتذاكى على حيوان ...؟

إنني أبغض بغضاً جماً إراقة الدماء ظلماً وعدواناً ولو كان دم حيوان أو طير، ويظل المناهضون للتجارب على الحيوانات، فضلاً عن الحروب وسباق التسلح موضع إعجابي وتقديري، فالأصل في الإنسان السوي والعاقل أن يكره التعذيب وسفك الدماء، فلا يستمتع بالاقتتال والحروب إلا المجرمون والمرضى، سواء أكانوا في ملابس عسكرية أم مدنية. ولكن الأمر ليس كما يشتهي دعاة السلم ونبذ العنف، فالحروب سنة من سنن الكون والخلق، لا نستطيع أن نلغيها ولا نملك معها حيلة. ولا أظن أنه سيأتي اليوم الذي تتوقف فيه الحروب نهائياً فوق الكرة الأرضية، اللهم إلا إذا رفع الله منها البشر وأنزل فيها الملائكة.

إن أول جدال حدث في الملأ الأعلى كان حول سفك الدماء: "أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء...؟" وأول جريمة سجلت على وجه الأرض لم تكن جريمة سرقة أو اختلاس، أو اغتصاب عرض أو أرض، وإنما جريمة قتل. ومنذ أن خلق الله الأرض إلى أن يرثها سيظل الإنسان يقتل أخاه الإنسان لسبب أو آخر. ومهما صنع دعاة السلم والأخوة الإنسانية فلن يستطيعوا منع الاقتتال والحروب، لأن هناك دائماً أقوياء يريدون بسط هيمنتهم على الضعفاء ونهب خيراتهم وثرواتهم، فإن لم ترفع السلاح لتدافع به عن حريتك وحقوقك فسيرفعه الآخرون لاستعبادك وأكل حقوقك.

من الكلمات التي نقشت في ذاكرتي عبارة قالها روبين كوك، وزير خارجية بريطانيا الراحل، الذي استقال قبيل الغزو الأمريكي- البريطاني للعراق: "ما غزونا العراق إلا بعدما تيقنا تماماً من خلوها من أسلحة الدمار الشامل".

ما أردت بهذا أن أناقش هنا الأكاذيب والذرائع التي تخلق لغزو الشعوب والأوطان لمآرب سياسية وأطماع اقتصادية، وإنما أردتُ أن أطرح هذا السؤال:" هل كانت أمريكا ستجرؤ على غزو العراق براً واحتلاله لو لم يتخلص صدام من أسلحته الكيماوية؟"

إن دعوات الكفاح السلمي في العالم الإسلامي أغلبها دعوات لا تنبعث من إيمان عميق بسياسة الكفاح السلمي وكره حقيقي للعنف المسلح، فتراهم ينددون بالكفاح المسلح ضد الطاغية المحلي، ولكنهم يباركونه ضد الطاغية الأجنبي. رغم أن الطاغية المحلي قد يرتكب من الجرائم والأهوال أكثر مما يرتكبه الغزاة، بل إنه ينهب ثرواتهم وخيراتهم أكثر مما ينهبون.

لماذا عندما تنزل الجيوش الأجنبية إلى شوارعنا وتصادر حرياتنا وتغتصب ثرواتنا نهبّ للجهاد والقتال ضدها، وعندما تفعل الجيوش الوطنية الشيء نفسه أو أكثر لا نصنع شيئاً؟ لماذا لا نستبشع جرائم الأقارب بقدر استبشاعنا لجرائم الأجانب؟ هل دماؤنا وأموالنا حلال على القريب حرام على الغريب؟ أم أن شروط قطع أعناقنا حلالاً بالطريقة الشرعية لا تتوفر لدى الجزارين من النصارى واليهود؟

خبروني بربكم ما الفرق بين من يعلق مشنقة لعمر المختار في سلوق، ومن يعلق مثلها لعمر دبوب في بنغازي؟ كلنا يعلم لماذا شنق الغزاة المختار، ولكن ماذا صنع عمر دبوب؟ هل سفك دم أحد؟ هل كان أحد قراصنة البر أو البحر أو الجو؟ هل باع أسرار قنبلتنا الذرية للعدو الصهيوني؟ ماذا صنع حتى يحكم عليه بالموت شنقاً؟

لقد ذهب ضحية الثورة الثقافية في الصين أكثر من عشرين مليون نسمة على يد ماو، والرقم نفسه في الاتحاد السوفيتي على يد ستالين، والله وحده يعلم عدد ضحايا صدام حسين في العراق. ومنذ عدة سنوات لا يحلو للصين أن تجري تجاربها النووية إلا في مناطق المسلمين، فهناك ألوف الصينيين ولدوا مشوهين بسب هذه التجارب، فضلاً عن الأمراض والأورام السرطانية المنتشرة بينهم، ولا يعلم عن مآسيهم إلا القليل. مئات الآلاف من الأرمن والأكراد ذهبوا ضحايا مجازر الحكومات التركية المتعاقبة، ولكن يتم التعتيم عليها لأنها دولة في حلف الناتو. مئات الألوف من الأقليات أبيدت في إندونيسيا ورواندا وسريلنكا وغيرها على يد القوات الحكومية أو على يد عصابات من صنعها. عشرات الآلاف نراهم يذبحون اليوم في دارفور على يد جنرالات الخرطوم. مئات الآلاف من الأبرياء يموتون سنوياً تحت أحذية الاستبداد في العالم الثالث لأنهم أقليات عرقية أو دينية غير مرغوب فيها، وآلاف آخرون يختفون أو يموتون في أقبية السجون لأن آراءهم السياسية تختلف عن آراء الحاكم. أما عن الفلسطينيين ومآسيهم فحدث ولا حرج. أنبكي على بضع مئات من ضحايا الإرهاب الأعمى، ونتغاضى عن مجازر الحكومات الجماعية في حق شعوبها؟

إننا لا نرى إلا جرائم "القاعدة"، لأن الإعلام المهيمن في العالم لا يريد إظهار غير جرائم "القاعدة"، ولكن الحقيقة أن ما ترتكبه أنظمة الاستبداد بالسلاح الأمريكي وبالتواطؤ الأمريكي يفوق آلاف المرات ما ارتكبته "القاعدة". ماذا نقل لنا الإعلام العالمي عن أكثر من 200 ألف ضحية في دارفور، بالإضافة إلى مئات الآلاف من المشردين من الأرامل، والأطفال اليتامى، والنساء المغتصبات، إذا قورن بما نقله عن ثلاثة أو أربعة آلاف قتلوا في أحداث سبتمبر في نيويورك؟ بل بما نقله عن مائتين ونيف من ضحايا مدريد ولندن؟ بل بما نقله عن اغتيال رفيق الحريري؟ هذا فضلاً عن حادث الأميرة دايانا الذي أصموا به آذان الإنس والجن. أين المحاكم الدولية ورجال التحقيق في المجازر التي ترتكب يومياً في حق الأقليات والشعوب المضطهدة؟ أين فر الجنرالات الذين ارتكبوا المجازر الجماعية في بوسنيا، في عالم يدعون كذباً وزوراً أنه غدا "قرية"؟ هل سمعتم قناة أوروبية أو أمريكية واحدة تتحدث عن مجزرة القذافي في سجن بوسليم، فضلاً عن أن تحقق في الجريمة أو تخصص برنامجاً عنه؟

هل تظنون أن الحكومات الغربية تجهل ما يجري داخل بلادنا؟ إنهم يلمون بكل صغيرة وكبيرة، ولكنهم لا يظهرون من جرائم القذافي إلا ما يصلح لهم لممارسة سياسة الابتزاز معه. أكثر قضايا تصفية الليبيين في أوروبا طويت أو سجلت ضد مجهول، بما فيها قضية الشهيد علي بوزيد، على حين لا يزال كتابهم عاكفين على حل ألغاز جرائم مر عليها أكثر من قرن. ولعل لي عودة للحديث عن موقف الحكومات الغربية السلبي تجاه قضيتنا، ومعهم شلة الأكاديميين المتخصصين في الشؤون الليبية في مقال آخر بإذن الله.

إنني لا أحمل حقداً أو بغضاً للشعوب الغربية، فمن حقهم أن يعيشوا حياتهم كما يريدون ويشتهون، ومن حق الغرب وإعلامه أن يبكي دماً على ضحاياه، ومن حقه أن يجعل "القاعدة" عدوه الأول، ومن حقه أن يستخف بقيمة شعوبنا مادامت هي نفسها تسترخص نفسها. ولكن نحن أيضاً لنا ضحايانا الذين لم يسفك دماءهم لا القاعدة ولا بن لادن، بل قتلهم تقتيلاً من يشد الرحال إليه قادة الغرب اليوم ليعقدوا معه صفقات السلب والنهب. ليس من حق الغرب أن يمنعنا من الكفاح المسلح ضد طغاتنا، فمن حقنا أن نعيد الاعتبار لشعبنا وأن نبذل الغالي والنفيس من أجل استرداد حريته وكرامته مهما كلفنا من اقتتال وانقسامات وحروب أهلية، فالحرية يجب أن تكون أعز وأغلى من أية وحدة وطنية زائفة ومصطنعة، بل يجب أن تكون فوق كل شيء، وقبل شيء.

لا توجد حرية حقيقية وكاملة بدون ضريبة يدفعها الشعب من دمائه، وإن وجدت فسرعان ما تزول، لأن الشعب الذي سيستمتع بها بعد ذلك لم يعرف قيمتها الحقيقية، وسيفرط فيها عاجلاً أم آجلاً.

من السهل أن يلعن الغربيون اليوم الحروب الأهلية بعدما توفر لهم الاستقرار ورغد العيش، وبعدما خاضوا حروباً شرسة ضد الفاشية والاستبداد، فحروبهم الأهلية ساهمت جنباً إلى جنب مع حركات الإصلاح الفكري في نهاية تقاسم السلطة وتبادلها بين رجال القصر ورجال الكنيسة. وما الذي أنهى الرق في أمريكا غير الحرب الأهلية هناك؟ وماذا تسمون حروب رسولنا الكريم مع قريش؟ ألم تكن حروباً أهلية بين الابن وأبيه والقبيلة وأختها؟ ولو ترك في مكة يدعو لدينه بحرية كما يشاء، ولم يهدد بالتصفية الجسدية، هل كان سيطلب اللجوء في المدينة، وتحدث كل تلك الغزوات والحروب؟ وهل عاد إلى بلده مكة فاتحاً أم عاد إليها منبطحاً؟ لا أريدكم أن تراجعوا تاريخ الحروب الأهلية في عصر النهضة في أوروبا، وإنما راجعوا فقط تاريخ الكفاح المسلح في ألمانيا وإيطاليا وأسبانيا عندما سادت فيها الأنظمة الفاشية في القرن الماضي. فبمجرد أن اندلعت الحرب الأهلية في أسبانيا هب لها ألوف المتطوعين من جميع أنحاء أوروبا ليقاتلوا كتائب فرانكو الفاشية ومن بينهم كبار الأدباء والكتاب والمفكرين. ألم تندلع الحرب العالمية الثانية، وتدمر إيطاليا وألمانيا، وتقنبل اليابان نووياً، من أجل إيقاف الزحف الفاشي؟ فلم لا يكون لنا نحن الحق في رفع السلاح لإنهاء الفاشية في بلادنا؟ أم إن الحرية خص الله بها الغربيين من دون العالمين؟

سيطول المقال لو تطرقت لتاريخ الاغتيالات السياسية في العالم الغربي. ولكن حسبنا أن نذكر أن أربعة من رؤساء أمريكا قتلوا، وسبعة تعرضوا لمحاولة اغتيال. إن تفجير محطة قطار بولونيا في إيطاليا صيف 1980، الذي قام به أفراد ينتمون للقوى الفاشية، لا يقل بشاعة عن تفجيرات لندن صيف 2005، فقد قتل 85 شخصاً وجرح 200، وقبل هذه الجريمة بسنتين خطفت الألوية الحمراء ألدو مورو، الذي تقلد رئاسة الوزراء في إيطاليا خمس مرات، وحاكمته ونفذت فيه حكم الإعدام. ورغم جرائم الألوية الحمراء الإيطالية، وبدر ماينهوف الألمانية، والجيش الجمهوري الإيرلندي، والجيش الأحمر الياباني، في السبعينيات والثمانينيات من القرن المنصرم، وتنسيق هذه المنظمات بعضها مع بعض ومع عشرات المنظمات اليسارية في العالم، بالإضافة إلى جرائم المنظمات اليمينية والفاشية، لم نر شيئاً من هذه لحروب والغارات والإجراءات الوقائية والقوانين الاستثنائية والمقيدة للحريات التي تسنها أوروبا وأمريكا اليوم بحجة الأمن. والسبب ليس محاربة الإرهاب ولا من يحزنون، وإنما ليزيد السياسيون من سلطتهم وقبضتهم، ولمضاعفة أرباح شركات الأسلحة وأجهزة المراقبة والتجسس التي انهارت بسب نهاية الحرب الباردة. ذكرت مجلة (New statesman) البريطانية في عددها الصادر بتاريخ 2 أكتوبر 2006 أنه يوجد اليوم في بريطانيا "كاميرا" مراقبة واحدة لكل 12 شخصاً، أي خمسة ملايين كاميرا في بلد تعداده 60 مليوناً. وساكن لندن يصور بمعدل 300 مرة في اليوم الواحد. هذه هي دولة "الأخ الأكبر" التي تكلم عنها جورج أرويل، والتي يتمنى كل طاغية أن يكون على رأسها، ويرى فيها الناس عبيداً له.

إذا كان العالم تغيّر، كما تعتقدون، ولم يعد العمل العسكري مقبولاً، "واستقر العالم الجديد على رأي التفاوض بدلاً من خيار الكفاح المسلح"، فحدثونا قليلاً عن المظاهرات السلمية التي نظمها بوش وبلير لإسقاط طالبان ونظام صدام في العراق؟ يا إخواننا إذا سوّغ الأمريكان لأنفسهم استخدام قوة السلاح لغزو بلدين وإسقاط نظامين بحجة معاقبة مجرمي القاعدة ومن يؤوونهم، فلماذا لا نعطي أنفسنا الحق نفسه لاستخدام الوسائل نفسها لإسقاط نظام القذافي ومطاردة المجرمين الذين سفكوا دماءنا حتى خارج ليبيا، أم أن حمل السلاح لردع المعتدين أباحه الله للأقوياء وحرمه على الضعفاء؟

إذا كان الكفاح المسلح لا ينبذ كمبدأ، وإنما نتخلى عنه كوسيلة مؤقتة أملاها علينا الأقوياء، فمن الأفضل أن نترك المعارضة برمتها، فالروح المنهزمة والمذعنة للأقوياء لا يمكن أن تحرر الشعوب والأوطان.

إن الغرب يهول لنا اليوم أخطار القاعدة ويحاضرنا في الإرهاب وهو الذي أعطى جائزة نوبل للسلام لثلاثة قادة كان يوماً يعدهم من أكابر الإرهابيين، وهم: مناحيم بيغن، وياسر عرفات، ونيلسون منديلا.

لا داعي لتهويل خطر القاعدة وزرع الخوف منها، فكل التنظيمات العقائدية المسلحة ستنتهي كما انتهت من قبل عشرات التنظيمات اليسارية المسلحة، لأن وقود هذه التنظيمات شباب مغرر به سرعان ما يدرك مع الزمن والخبرة أن الهدف الذي كان يقتل ويسفك الدماء له لا يستحق إراقة دم بعوضة من أجله. هؤلاء سيتساقطون واحداً تلو الآخر، ويرفعون الرايات البيضاء أسرع مما تتوقعون، وقد رأيتم شيوخهم في السعودية كيف انقلبوا تسعين درجة. وها هو أحدهم في هذا الموقع يبدأ بالبسلمة والحوقلة ثم ما يلبث أن ينسى عقله ودينه ويطلق على أئمة الفساد "عقلاء النظام" ويعرض دماءنا للسمسرة في أسواق سرت. لا، والذي أنزل الميزان، لن نقبل تعويضاً عن المظالم التي حلت بنا ولو دفع القذافي من جيبه، لا من خزائننا، ملء الأرض ذهباً.

إنه فرق عظيم بين أن ترفع السلاح دفاعاً عن حريتك وحقوقك وكرامتك، وأن ترفعه لفرض أفكارك وتوجهاتك السياسية أو الدينية على الآخرين، أو لمجرد الانتقام الأعمى وزرع الرعب في غيرك، كما تفعل "القاعدة" ومن لف لفها. إن الفئة الأولى غير قابلة للتراجع أو الزحف أمام الظلم والباطل، وهذه الفئة، فئة الأحرار، رجالها هم الذين قادوا استقلال شعوبهم وأوطانهم في كل العصور. أما الفئة الثانية فغالباً ما تتراجع عن أفكارها بعدما تكون قد أفسدت في الأرض بفتنها وجرائمها. ثم ينقلب بعض رجالها إلى جواسيس وعيون للسلطان، وبعض شيوخها إلى وعاظ في بلاط السلاطين يذرفون دموع التماسيح على الدماء المسفوكة، ويفتون بحرمتها بعدما أباحوها وأزهقوها سنين عدداً.

إن أغلب الدكتاتوريات في إفريقيا سقطت بالكفاح المسلح، أو باندلاع الحروب الأهلية فيها. ولم ينه الحكم العنصري الذي دام قروناً في زيمبابوي (روديسيا) وجنوب إفريقيا إلا الكفاح المسلح، فمنديلا لم يعلن العودة للكفاح السلمي إلا بعدما خرج من السجن، وحقق الكفاح المسلح أهدافه، وأدرك أن حكم البيض صائر إلى زوال لا محالة. لقد كان لحزب المؤتمر الوطني الإفريقي علاقة بنظيره الهندي، وتبنى نهج غاندي السلمي طوال الخمسينيات، ثم أدرك قادته أن المقاومة السلمية لن تجدي في مواجهة النظام العنصري الشرس فأسسوا الجناح العسكري للحزب عام 1961، ولولا هذا الجناح لظل البيض في سدة الحكم إلى اليوم.

أما في روديسيا فقد عين حاكمها العنصري إيان سميث الأسقف أبِل موزوريوا، أحد القساوسة وقادة الكفاح السلمي السود، رئيساً للوزراء، أملاً هو وحكومة ثاتشر أن يشق جناحي المقاومة العسكرية التي كان يقود أحدهما روبرت موغابي، والآخر جوشوا نكومو، ولكن لم يدم موزوريوا في المنصب إلا بضعة أشهر بسب الرفض الشعبي وتصاعد الكفاح المسلح، ولم يجد سميث بداً من إعلان استسلامه والدخول في اتفاق مع المقاومة رعته بريطانيا لحماية الأقلية البيضاء من الإبادة الجماعية. لقد كان انتصار المقاومة المسلحة في روديسيا بداية النهاية لحكم بريتوريا العنصري.

كان البيض في جنوب إفريقيا يعدّون أنفسهم مواطنين وليسوا غزاة أو مستعمرين، فقد استوطنوا فيها لأكثر من ثلاثة قرون، واستقلوا تماماً عن الغرب، بل كانوا أكثر استقلالية عن الغرب من أغلب البلدان الإفريقية الأخرى، ولكنهم فرضوا هيمنة البيض على السود، واستأثروا بخيرات البلاد وثرواتها، وتركوا الأغلبية السوداء في فقر مدقع، كما يفعل القذاذفة اليوم بالضبط في ليبيا. فهل يجب أن يكون القذاذفة بيض البشرة، زرق العيون، شقر الشعر، حتى يأخذ الكفاح المسلح ضدهم شرعية دينية أو وطنية؟

لقد بارك العنف السياسي لاسترداد الحرية والحقوق المغتصبة أكبر فلاسفة ومثقفي العالم، وعلى رأسهم برتراند راسل أحد أكبر الفلاسفة والمؤرخين في القرن العشرين، والأديب جورج أرويل، بالإضافة إلى نعوم تشومسكي أكبر مثقف على قيد الحياة.2 وقد شكك كثيرون في أن دعوة "اللاعنف" (non-violence) أو (pacifism) تنبعث حقيقة من داخل الإنسان، وأنها لا تعدو أن تكون إستراتيجية تمليها الظروف السياسية، ولا تستطيع أن تصمد أبداً على أرض الواقع.

هل يوجد بيننا معارض واحد لا يحب أن يرى القذافي صريعاً برصاصة في صدره أو في رأسه؟ إن دعوة الكفاح السلمي في صفوفنا دعوة كاذبة لا جذور حقيقية لها، ولا تنبعث من كره حقيقي للعنف السياسي، لأن دعوة "اللاعنف" لها جذور دينية لا علاقة لها بديننا الذي رفع مبدأ "فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم"، وإنما هي إستراتيجية سياسية أملتها الظروف الدولية على المعارضة الوطنية في المنفى، ومن حقنا أن ننتقد هذه الإستراتيجية العقيمة ونبين الخلل فيها، ولا سيما أن المعارضة بعد مؤتمرها الوطني لم توفق في بعث روح العمل الوطني حتى في ديار الهجرة، دعك أن تقود عصياناً سلمياً في ليبيا.

إن الكفاح المسلح الحقيقي لا علاقة له بقتل الأبرياء ووضع القنابل في الأماكن أو المواصلات العامة، أو فتح النار على دورية من دوريات رجال الشرطة أو المرور. فهذا شيء لا يصنعه مقاتل حقيقي من أجل الحرية ونصرة شعبه أبداً. إن هذه الصورة التي زرعتها بعض التنظيمات اليسارية والفاشية والإسلامية ليست من الكفاح المسلح الحقيقي في شيء. فقد التزم شعبنا بمواثيق الحرب وأعراف القتال حتى مع الغزاة، ولم تصنع جبهة الإنقاذ ولا جماعة (المقاتلة) شيئاًَ من هذا القبيل في بلادنا عندما رفعت السلاح ضد الطغمة الفاشية الحاكمة اليوم.

إن حمل السلاح لغايات نبيلة وسامية لا يرفضه عاقل أو لبيب، وحسبنا أن نرجع لحال شيعة لبنان كيف كانوا قبل ظهور قوة "حزب الله" العسكرية، وكيف أصبحوا اليوم. بل لقد غدت الأحزاب اللبنانية الأخرى تنتحب على تفريطها في سلاحها، فلو كانت مسلحة لما استطاع "حزب الله" أن يفرض السلم والحرب على البلاد. فلا شيء يحمي الاستقرار والأمن كالتوازن العسكري بين الأطراف المتصارعة. فإن لم يكن هناك صراع فلا بد من وجود جيش لا تهيمن عليه أية قبيلة من القبائل، أو حزب من الأحزاب، حتى يُضمن حياده ولا يتدخل في شؤون الدولة ويقفز للسلطة بقوة السلاح عند أول أزمة سياسية بحجة حفظ أمن البلاد ووحدتها.

إذا كانت قوة البلاد العسكرية يسخرها الحاكم لإذلال شعبه وشن الاعتداء على جيرانه فلا بد من أن تتصدى له قوة عسكرية مدنية حتى تمنع شروره، لأن السلاح هو الشيء الوحيد الذي يردع المعتدي المسلح، ويمنعه من ممارسة عدوانه. أيهما أفضل: أن يقتلك العدو مرة وتقتله مرة، أم أن يقتلك هو في كل مرة؟ ثم إن الطغيان أسوأ بكثير حتى من الحروب الأهلية، فلو شهدت ألمانيا حرباً أهلية بدلاً من وصول هتلر للسلطة لكان أهون لها، بل لو شغلت بحرب أهلية لما جاست جيوشها ربوع أوروبا. فالأمم تحتاج أحياناً لدمار لمنع دمار أكبر "رب ضارة نافعة". ولا يوجد أشد دماراً وخراباً من الطغاة والجبابرة عندما يتحكمون في رقاب شعوبهم وثرواتهم، ويسخرونها لمزيد من الهيمنة وفرض نزواتهم وأفكارهم السقيمة على شعوب وأوطان أخرى.

إن كثيراً من الناس يظنون أن العصيان المدني وخروج الناس للشوارع أمر في غاية البساطة، وأنه يتم ببيان من البيانات، أو بضع مناشير ومقالات، أو أن مجرد الغضب على الحاكم كفيل باندلاع العصيان المدني ونجاحه، بل يظنون أن العصابة الحاكمة في ليبيا ستتورع عن إفراغ رصاصها في المتظاهرين، وتتركهم يجوبون الشوارع والميادين بأعلام الاستقلال، ويعبرون عن آرائهم لوكالات الأنباء العالمية بكل أريحية وحرية.

لعل أغلب القراء قد شاهد أو قرأ شيئاً عن التجمعات المليونية التي يحشدها حزب الله أو خصومه في قلب بيروت. لقد كنت في بيروت في شهر فبراير المنصرم أثناء حلول ذكرى استشهاد رفيق الحريري، ورأيت حجم الدعاية التي وزعتها قوى 14 آذار لإحياء هذه المناسبة، وكيف يتدفق اللبنانيون لساحات التجمع. هذا ما تم لكي يجمعوا مئات الآلاف من الناس:
• آلاف الملصقات الكبيرة على نوافذ عرض المحلات التجارية في طول بيروت وعرضها تحمل صورة الحريري وموعد التجمع وتاريخه، وصنع الشيء نفسه غالباً في بقية المدن اللبنانية.
• عشرات من الشباب يوزعون منشور الإعلان على السيارات والمارة في العاصمة اللبنانية بدون توقف.
• آلاف المنشورات توضع تحت "مسّاحات" السيارات الواقفة على الطريق طوال الليل والنهار.
• إعلانات لا تتوقف في الإذاعة والتلفاز وفي الصحف اليومية.
• آلاف الحافلات والتاكسيات والسيارات تم استئجارها مسبقاً لتوصيل الناس إلى ميدان التجمع.
• آلاف الأعلام واللافتات وصور الحريري توزع على الناس بمجرد ركوبهم للحافلة أو السيارة يوم التجمع.

وفوق كل هذا أعلنت الحكومة أن يوم ذكرى اغتيال الحريري سيكون عطلة رسمية. هذا ما تحتاجه لتجمع هذا العدد الضخم من الناس في بلد ديمقراطي يبيح التجمعات، والعمل الحزبي، وتوزيع الإعلانات، ويحمل أغلب الناس فيه ولاء لأحزاب البلاد السياسية وقادتها، لإحياء ذكرى لا أكثر.

من المستحيل أن ينجح الكفاح السلمي في بلد كليبيا إلا إذا تغيرت فيه التركيبة السياسية الحالية جذرياً، ومستحيل أن تتغير التركيبة السياسية في ليبيا والقذافي يتربع على عرشها. فالكفاح السلمي يحتاج إلى نقابات عمالية، واتحادات طلابية، ومنظمات غير حكومية، وأحزاب سياسية عريقة لها جذور شعبية، بالإضافة إلى قادة سياسيين في داخل البلاد يخشى النظام اعتقالهم لشعبيتهم وشهرتهم ونفوذهم، ويكونون فوق هذا مؤهلين نفسياً للتضحية والمواجهة، وقادرين على تأليب الشارع ضد نظام الحكم. لو ملكت ليبيا شيئاًَ من هذا لكان هناك بصيص من الأمل في إسقاط القذافي سلمياً، ولكن لا يوجد شيء من هذا في ليبيا اليوم.

لو رجعنا لتاريخ الثورات الشعبية، أو دعوات العصيان السلمي، الناجحة منها والفاشلة، لوجدنا أنه كان وراءها دائماً تكتل معين من الناس: إما طلبة كما حدث في ثورة أكتوبر 1964 في السودان، وفي الصين عام 1989 (ساحة تنيامن)، وإما عمال كما حدث في بولندا عام 1989، وإما فقهاء كما حدث في إيران عام 1979، وإما رهبان، كما حدث مؤخراً في بورما، وإما محامون ورجال قضاء، كما يحدث حالياً في باكستان، وإما أحزاب سياسية، أو خليط من كل هذا كما حدث في عدة بلدان من العالم. وفي جل البلدان التي نجح فيها العصيان السلمي استخدمت القوات الحكومية الهراوات وخراطيم المياه والقنابل المسيلة للدموع، والرصاص المطاطي، ونادراً ما استخدم الرصاص الحي كما حدث في إيران، فالثورة الإيرانية حالة نادرة وشاذة في التاريخ تحدت فيها الجماهير الثائرة رصاص القوات الحكومية فاستمرت الثورة رغم سقوط عشرات القتلى في عدة مدن إيرانية. ويجب ألا ننسى أن مغادرة الشاه للبلاد وتعيينه قبل مغادرته لشاهبور بختيار، المحسوب على المعارضة منذ أيام محمد مصدق، رئيساً للوزراء، قد خفف من حدة القمع في شوارع طهران وقم وبقية المدن. هذا بالإضافة إلى أن الحسم النهائي كان بعدما أعلن الجيش الإيراني رسمياً حياده فور عودة الإمام الخميني من المنفى، ووجد بختيار نفسه بدون شعب ولا جيش.

نظام القذافي له سوابق في إطلاق الرصاص حتى على متظاهرين لم يطالبوا بسقوطه، فلا انتفاضة يناير ولا فبراير كان هدفها إسقاط النظام، فكيف إذا خرجت الجموع تطالب برأس القذافي ونهاية نظامه؟ ثم من سيقود العصيان المدني في ليبيا؟ هل لدينا تكتلات حزبية أو نقابية أو طلابية، أو روابط وتجمعات لفئة من الفئات، أو شيء من هذا القبيل؟ لا أظنكم تأملون من المعارضة في المنفى بوضعها الحالي أن تنجح في قيادة عصيان مدني في الداخل. فمن الطبيعي أن من يفشل في تحريك بضع عشرات لاعتصام سلمي لمدة ساعتين في بلد ديمقراطي كبريطانيا، لن يوفق أبداً في تحريك مئات الآلاف لعصيان مدني في بلد استبدادي كليبيا.

معارضة لا قاعدة ولا شعبية لها داخل البلاد ماذا تستطيع أن تعمل لحشد الجماهير في ميادين طرابلس أو غيرها من المدن الكبرى؟ من هم قادتنا الذين سيسمع لهم شعبنا ويلبي نداءاتهم؟ وكيف نسمعه ونوصل كلماتنا له؟ وما هي العوامل المتوفرة، ليس لاندلاع العصيان المدني فحسب، بل لاستمراره على مدار أربع وعشرين ساعة، ولعدة أيام أو أسابيع أو شهور حتى سقوط نظام الحكم؟ فلا أعرف عصياناً مدنياً واحداً نجح في قلب حكومة استبدادية في يوم وليلة. إن اندلاع المظاهرات الشعبية في الدول الاستبدادية يعقبه دائماً صدور حظر التجول وقطع الاتصالات اللاسلكية وغيرها في البلاد، فلو خلت الميادين العامة والشوارع من الفوضى وجموع الثائرين، ومن التنسيق والاتصال بين المحرضين، في أي وقت من الأوقات، حكم على العصيان المدني بالفشل. فمن هم قادتنا في الداخل الذين سيخاطبون جموع الناس محرضين على استمرار العصيان حتى سقوط النظام، ولن يفرطوا في هذا المبدأ ولو كلفوا بتشكيل الوزارة، أو عرض عليهم أموال قارون؟ وما هو الإعلام الذي سينقل إلى العالم عصيان الليبيين لكسب الدعم المعنوي من شعوب العالم، ونحن نعلم أنه لا يتحرك الصحفي الأجنبي في ليبيا إلا وخلفه جيش من المخبرين؟

هذه بعض الشروط لقيام العصيان المدني، ولو كانت متوفرة في ليبيا لسقط القذافي من أمد بعيد. والشروط المطلوبة في قادة العصيان المدني أصعب، إذ لا يوجد اليوم في ليبيا أي شخص يتمتع بحماية شعبية أو قبلية أو دولية تمنع سلطات القذافي من اعتقاله أو اغتياله. وقد رأيتم حجم الجنائز الشعبية التي شيعت بعض ضحايا الاغتيالات السياسية في لبنان: رفيق الحريري، جورج حاوي، سمير قصير، جبران تويني، وغيرهم، على حين لم يحضر جنازة الشهيد علي بوزيد أكثر من 50 شخصاً في لندن. فمن سيقدرنا إذا كنا بهذا الرخص حتى بين المهاجرين والنازحين أمثالنا؟ ورأيتم أيضاً الفرق في ردود الفعل الدولية بين اعتقال بنازير بوتو واعتقال المئات من القادة السياسيين الآخرين، فعلى حين اعتقلت الأولى في منزلها وأفرج عنها، ثم أعيد اعتقالها من جديد، سيق الآخرون إلى المعتقلات والسجون، والله أعلم متى سيطلق سراحهم، فالعالم لا يهتم بهم كاهتمامه ببوتو.

ويجب ألا ننسى أن القوة العسكرية الحقيقية الموالية للقذافي كلها متمركزة في المنطقة الوسطى، وتستطيع بكل سهولة أن تقطع الاتصال بين شرق ليبيا وغربها وجنوبها. حتى لو فرضنا جدلاً أن بالإمكان أن يخرج الناس عفوياً في عصيان مدني، وفقد القذاذفة سيطرتهم على العاصمة والمدن الأخرى، فإن هذا لا يعني أبداً أن القذاذفة سيفرطون بكل سهولة في قوتهم وامتيازاتهم التي اكتسبوها طوال أربعة عقود من الظلم. فإذن لا مفر من استخدام القوات العسكرية الموجودة في غرب ليبيا وشرقها لضرب قوات المنطقة الوسطى ومحاصرتها، هذا إن لم تبادر هي بالهجوم لإخماد العصيان. فالسلاح في النهاية لابد من استخدامه لإنهاء نظام القذافي حتى لو نجح العصيان المدني، اللهم إلا إذا أجبرت قبيلة القذاذفة عقيدها على التنحي تفادياً لمجازر جماعية قد تتعرض لها.

لقد شنق القذافي أبناءنا في الميادين العامة، وانهزم في تشاد، وأسقط طائرة مدنية فوق طرابلس، وارتكب مجزرة سجن بوسليم، وحقن عمداً مئات الأطفال بفيروس الإيدز، ولم تخرج مظاهرة واحدة ضده تندد بجريمة من جرائمه، ليس لأن شعبنا جبان، بل لأن الميكانيكية التي تولد المظاهرات والاحتجاجات الشعبية قضي عليها تماماً بعد انتفاضة يناير 1976، فالمظاهرة الوحيدة التي خرجت بعد ثلاثين سنة، هي مظاهرة فبراير 2006 التي سمح بانطلاقها النظام نفسه.

لقد جرّد القذافي بلادنا من كل شيء، وجعل أرضها قاحلة سياسياً وفكرياً لا ينبت في تربتها إلا العنف السياسي، فليس من الحكمة ألا تستغل المعارضة هذه التربة لتزرع فيها ما يصلح لها، حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.

إن الكفاح المسلح أسهل بكثير من الكفاح السلمي. ومن إيجابيات الأول أن رصاصة واحدة فقط يطلقها رجل واحد لا غير قد تنهي مأساة أمة بأكملها. ليس شرطاً أن يكون الكفاح المسلح جيشاً عرمرماً بأسلحة ثقيلة، ومن هنا فإن إغلاق المعارضة الوطنية لهذا الباب على نفسها يعد خطأ جسيماً إن لم أقل حماقة وجهلاً.

حتى لو مات القذافي غداً فلا يوجد أي ضمان أن تنتهي بموته هيمنة قبيلة القذاذفة على الحكم واستمرار استئثارها بالمال والسلطان، فبدون الكفاح المسلح، الذي يزيد المعارضة قوة وشعبية، ستجد المعارضة الليبية نفسها ضعيفة لا يوجد في يديها ورقة قوية واحدة تفاوض بها خصمها في مرحلة ما بعد القذافي، وستزداد بعد رحيله ضعفاً وتشتتاً، هذا إن بقيت على قيد الحياة.

إن القذافي آخر من يحتاج لذريعة حتى يضرب معارضيه، فالمعارضون في ليبيا لا يحتاج لسحقهم إلى أي ذريعة. يكفي أن تكون معارضاً في دولة القذاذفة لتسحق تحت أحذيتهم. ومن السخف أن نظن أن القذافي سيدبر عملية إرهابية لمحاصرة معارضيه، وكأن ليبيا هي الباكستان التي تجلس على بركان سياسي منذ استقلالها. أين هي المعارضة أصلاً حتى تضرب أو يُدبر لها أمر؟ كفانا ضحكاً على أنفسنا وعلى شعوبنا. لا يمكن لشخص مثل القذافي أن يصنع شيئاً قد يظهره وكأنه غير مسيطر على طول البلاد وعرضها. هل تظنون بالله عليكم أن القذافي، الذي أنكر طوال حكمه وجود معارضة، سيفجر شيئاً لإثبات وجودها الآن في ليبيا؟ ليته يفعل!

لن يكون تنظيم "القاعدة" بديلاً للقذافي حتى لو قام بعدة عمليات عسكرية ناجحة، بل لو نجح في اغتيال القذافي نفسه فلا يعني هذا أن بإمكانه السيطرة على نظام الحكم. لقد نجحت الجماعة الإسلامية في اغتيال السادات، فهل سيطرت على الحكم في مصر؟ السيطرة على الحكم لا تتم أبداً إلا بدعم الشعب أو بدعم الجيش، أو بقوة عسكرية تفوق قوة الجيش، كقوة حزب الله في لبنان، أو قوة عسكرية ضخمة تساندها دولة حدودية كما حدث عند سقوط الجنرال عيدي أمين في أوغندا، أو كما حدث في أفغانستان عندما سقطت العاصمة الأفغانية في أيدي قوات طالبان. فهل تستطيع "القاعدة" بفكرها الظلامي والدموي أن تجند آلاف الليبيين للقتال في صفوفها، وهل تستطيع أن تدرب الآلاف وتجهزهم عسكرياً لهذه المهمة في ليبيا؟ يكفي هذا الشعب البعبع الحالي فلا داعي لتخويفه من بعبع آخر.

قلت في مقالي الأخير(علموا أولادكم التمرد والعصيان وبغض السلطان): "إن الكفاح السلمي قد ينجح في مواجهة الأنظمة العسكرية الوديعة، ولكن من شبه المستحيل أن ينجح في مواجهة الأنظمة العسكرية الشرسة المستميتة للتشبث بالسلطة وبأي ثمن...".

لم أتحدث عن "إسقاط الأنظمة العسكرية"، وإنما عن "مواجهة الأنظمة العسكرية"، لقد فشل القذافي في إنهاء المعارضة الوطنية، ولكنه نجح في أن يخطف ويقتل كثيراً من رجالها في أمريكا وأوروبا، ويجليها من قواعدها في البلدان المحيطة بليبيا، ومن ثم أصابها الوهن والانقسامات في صفوفها. لماذا لا نصنع الشيء نفسه؟ إذا عجزنا عن إسقاط القذافي فلماذا لا نعمل على إضعافه وإنزال الضربات الموجعة به وبنظامه، ومن ثم سنؤلب أطرافاً كثيرة للانقضاض عليه. 38 سنة يعربد فيها القذافي في ليبيا كما يشاء بدون ذرة خوف من شعبنا، دأب خلالها على توبيخ الشعب والتهكم عليه ونعته بكل الأوصاف في كل مناسبة، ولا تقع مصيبة من صنعه إلا ويلصقها بهذا الشعب، ورغم كل هذا نعارض الحديث معه باللغة الوحيدة التي يفهمها هذا المجرم حق الفهم.

إن الأنظمة الرأسمالية وشركاتها المتعددة الجنسية لا تطمئن على مصالحها في بلاد كاطمئنانها عليها في بلد لا تنطلق فيه رصاصة واحدة تكدر الأمن والأمان، ولا يهم بعدها إن كان الشعب كله يعمل عندها في حقول النفط وموانئ تصديره مكبلاً بالسلاسل والأغلال.

يوجد اليوم عشرات التنظيمات المسلحة في إفريقيا وآسيا ووسط أمريكا وجنوبها، تغذيها المخابرات الأمريكية، في الوقت الذي نحسب فيه نحن ألف حساب لأمريكا، ولما يسمى بالرأي العام. وهل التفتت أمريكا وبريطانيا للرأي العام الذي عارض غزوهما للعراق؟ فلماذا نحرص عليه نحن؟ ماذا صنع الرأي العام في فلسطين ورواندا وبوسنيا وكردستان ودارفور وبورما وغيرها؟ وماذا صنع الرأي العام يوم دكت إسرائيل لبنان دكاً؟ لولا سلاح حزب الله لكان اليهود يجوبون شوارع بيروت إلى اليوم.

دعونا نحرص على مصالح شعبنا ورضاه قبل كل شيء، وليغضب علينا من يغضب، فالغرب يحل الكفاح المسلح لمن يشاء، ويحرمه على من يشاء، حسب مصالحه وأهوائه السياسية. إن خسارة ألف معركة عسكرية لأشرف لنا ألف مرة من الوقوف متفرجين على ما يحل بنا من دمار وخراب، وعلى ما ينزله بنا القذافي وزبانيته من ألوان السلب والنهب والهوان.
________________________

(*) لقد سبق وأن تطرقت لهذا الموضوع في مقالي: "نبذ العنف أم نبذ الضعف؟"، من أراد الرجوع إليه يجده على الرابط التالي: http://www.libya-watanona.com/adab/megreisi/ym01015a.htm. وموضوع العنف السياسي موضوع شائك وطويل خاض فيه كثير من الفلاسفة ورجال الفكر، ولا يمكن لأحد أن يعدد إيجابياته وسلبياته ويعطيه حقه من النقد في مقال أو اثنين، وزاد الأمر تعقيداً أن إخواننا في المعارضة لا يصرحون عمّا إذا كانوا يرفضون الكفاح المسلح كمبدأ، أم أنهم يرفضونه للظروف الدولية القائمة، وشتان بين الاثنين. ولهذا اكتفي بهذا الرد على أخينا الكريم طارق القزيري شاكراً له نقده وصراحته وثناءه عليّ، وعلى صديقنا العزيز الصادق شكري، الذي انتقد بإيجاز العودة للكفاح المسلح في مقاله الأخير.
(1) إحدى أشهر اللقطات لعصيان الطلبة الصينيين في ساحة تنيامن صيف 1989.
(2) هؤلاء الثلاثة الذين استشهدت بهم هم من أكثر الكتاب الغربيين رفضاً للتسلط والاستبداد، وكتبوا كثيراً عن القوة وتاريخ السلطة في العالم.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home