Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Youssef El-Megreisi

Friday, 16 May, 2008

من الخصيان المدني إلى العـصيان المسلح

يوسف المجريـسي

أين ذهبت مئات الألوف من الجماهير اللبنانية التي كانت تحشدها قوى 14 آذار في ميادين بيروت كل سنة لإحياء ذكرى رفيق الحريري؟ لماذا لم تنـزل إلى الشوارع لتتحدى قوات حزب الله المسلحة التي سيطرت على العاصمة اللبنانية في سويعات، وانقلبت الدولة برمتها رهينة في يديها؟ ألم يكن باستطاعة رئيس الحكومة السيد فؤاد السنيورة أو أحد من قادة "الموالاة" أن يستصرخ هذه الجماهير لحماية الدولة اللبنانية، أو حماية بيروت، أو على الأقل لحماية غرب بيروت معقل الحريري الحصين حفظاً لماء الوجه؟ أليست أبواب الإعلام العربي والغربي مفتوحة للحكومة اللبنانية وأنصارها ليخاطبوا الجماهير اللبنانية ويحرضوها على النـزول إلى الشوارع والميادين؟ ألم يكن العالم العربي والغربي الذي يقف مع الأغلبية الحاكمة في لبنان جاهزاً لمؤازرة نداءاتها واعتصاماتها وتظاهراتها؟

لقد أعاد الجيش اللبناني العميد وفيق شقير، الذي عزلته الحكومة، إلى منصبه رئيساً لجهاز أمن المطار، منفذاً لأوامر حزب الله. أما المطار نفسه فمفاتيحه ليست بيد الجيش ولا الحكومة، فحزب الله وحده هو الذي يقرر متى يغلق "رفيق الحريري" ومتى يفتحه.

إنني لا انتقد الجيش اللبناني، فهو جهاز شرطة في ثياب عسكرية، ولا حتى الحكومة اللبنانية لأنها لم تصنع شيئاً، فأية حكومة أخرى في الوضع نفسه ما كانت لتستطيع أن تفعل شيئاً، فالدولة الحقيقية في لبنان هي حزب الله، والحاكم الفعلي لها هو السيد حسن نصر الله، والسبب أنه يملك هو وحزبه ما لا يملكه الآخرون: السلاح.

لو كان العصيان المدني يجدي في مواجهة القوات المسلحة لما ترددت الحكومة اللبنانية لحظة في توجيه نداء لأنصارها بالنـزول إلى الشوارع والميادين لتتصدى لقوات حزب الله، ولكنها تدرك أنها لا تستطيع أن تحل المسألة اللبنانية إلا بإعادة توازن القوى في لبنان، ولا يتم هذا أبداً إلا بنـزع سلاح حزب الله، أو إعادة تسليح الأحزاب والفرق اللبنانية الأخرى، فتركيبة لبنان الطائفية لا تتحمل هذا الوضع الشاذ، فإما أن يكونوا جميعاً مجردين من السلاح، وإما أن يكونوا جميعاً حاملين له.


السلاح: بدونه انتهى دور حزب الكتائب، وبه بدأ دور حزب الله*

يتم الآن تدريب ميليشيات لبنانية في عدة بلدان عربية لمواجهة حزب الله، وحتماً ستَعُدّ أمريكا وحلفاؤها هذه الميليشيات مقاتلين من أجل الحرية (freedom fighters)، أما صفة الإرهاب فيوصم بها كل مقاتل يحمل السلاح لاسترداد حريته من نظام يدور في فلك الغرب ولو كان من أشد الأنظمة استبداداً وفساداً. وقضت محكمة بريطانية مؤخراً برفع اسم منظمة مجاهدي خلق الإيرانية من قائمة الإرهاب، مع أنها تسعى لإسقاط النظام الإيراني بقوة السلاح، وتقبل الغرب قرارها قبولاً حسناً فلم يطعن في الحكم ولم يحتج عليه.

لست صحفياً لأحلل للقارئ أحداث لبنان الأخيرة، ولا طرفاً في الأزمة اللبنانية لأشايع هذه الكتلة أو أخاصم ذلك الحزب، وإنما أردت أن أعيد تأكيد ما جاء في مقالي: "السلاح: لك، وإلا فعليك". ** إن حشد الآلاف، والنـزول إلى الشوارع للتظاهر أو للعصيان مدني، لا يتم عفوياً أبداً مهما عانت الجماهير من استبداد واضطهاد، فالعصيان المدني لابد له من عناصر لإشعال شراراته، وإذا توفرت فليس بوسع هؤلاء "العصاة" المدنيين أن يواجهوا جيشاً مسلحاً موالياً ولاء مطلقاً للعدو أو الخصم، فإن لم يقف الجيش أو جزء منه مع المعتصمين، أو يعلن حياده، أو يتراجع رافضاً أوامر إطلاق الرصاص على المتظاهرين، فإن أي عصيان مدني محكوم عليه بالهزيمة والإخفاق.

إننا نرى مئات من شباب ليبيا يذهبون ليقاتلوا الأعداء في كل أطراف الأرض تاركين عدوهم الأول الذي استعبدهم واستباح كل شيء في وطنهم، فما السبب؟ هل الشعوب الأخرى وأوطانها أعز وأغلى من وطنهم ليبيا وأهلها عند هؤلاء الشباب؟

بلادنا لا ينقصها رجال مستعدون لأن يهبوا أرواحهم ليعيدوا لها حريتها، ولكن ينقصها أرضية مقاومة صلبة في الداخل، وقيادات وطنية مستقلة لا تنتمي لأي تنظيمات عربية أو دولية. لقد وظف الدم الليبي في قضايا لتحرير شعوب لا تعاني شيئاً مقارنة بما يعانيه الشعب الليبي، علاوة على أن تعداد تلك الشعوب يبلغ أضعاف تعدادنا، فلا ينقصهم مقاتلون ولا متطوعون. لدينا مقاتلون ليبيون يحاربون في الجزائر وأفغانستان والعراق والشيشان، وغيرها من بلاد الله الواسعة، على حين تركت بلادنا للقذافي يتسلى ويعبث بها هو وصبيانه السفهاء.

إذا أردت أن تتحسر معي فتحسر، ولكن قبل أن تلوم أو تنتقد، سل نفسك: هل كان هؤلاء سيغادرون بلادهم لو وجدوا فيها تنظيمات مسلحة تدربهم وترعاهم وتكلفهم بمهام عسكرية ضد الرايخ الفاشي في سرت؟ إن أولى الناس بالانتقاد هم الذين يناهضون حق الشعوب في استرداد حرياتها وحقوقها بقوة السلاح.

العصيان المدني، وإن شئت سمّه "التمرد المتحضّر"، لا يجدي مع نظام فاشي متخلف لا يفهم إلا لغة الحديد والنار في الحوار. وقد ظل الفيلسوف والمؤرخ الإنجليزي برتراند رسل، أحد أشهر دعاة الكفاح السلمي، يعارض جميع أشكال الصراع المسلح لحل الخلافات السياسية بين الشعوب، ولكن عندما رأى القوى الفاشية تزحف على أوروبا، ولا تتورع عن ارتكاب أي شيء لتحقيق مآربها، غير رأيه، وأقر أن الكفاح المسلح لابد منه أحياناً لصد وردع الوحوش البشرية.

بالسلاح، وليس بغيره، تحيا الأمم وتنعم بحريتها واستقلالها إنْ ملَكَه الأخيار ووظفوه دفاعاً عن حرية شعوبهم وأوطانهم، وبالسلاح تموت الأمم في ظلمات الاستبداد والاستعباد إنْ ملَكَه الأشرار ووظفوه للتسلط والبغي والعدوان.

إما أن تملكه وتحيا حراً، وإما أن تفرّط به وتحيا عبداً. فانظر إلى نفسك أي الحياتين تختار.
________________________________________________

* ملصق من معرض "ملامح النزاع: الملصق السياسي في الحرب اللبنانية الأهلية اللبنانية (1975-1990)" الذي نظمته في بيروت الأستاذة زينة معاصري في شهر إبريل المنصرم. وقد عرض فيه 300 ملصق لأكثر من 30 تنظيماً سياسياً خاض الحرب الأهلية.
** http://www.libya-watanona.com/adab/megreisi/ym16117a.htm


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home