Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Youssef El-Megreisi

Monday, 15 May, 2006

         
         

( 10 )

صراع الأنفس :

مطالعـة في رواية "يزعـم بيريرا" لأنطونيو تابوكي
(10)

يوسف المجريـسي

زعم بيريرا أن فكرة جهنمية خطرت له، وقد تكون عملية وقابلة للتنفيذ. فاتصل هاتفياً من مقهى قريب بصديقه الدكتور كاردوزو، وبعد مقدمة عاجلة بين له فيها أهمية الأمر، رافضاً أن يعطيه تفاصيل الحادث، طلب منه خدمةً، راجياً منه أن يلبيها له، فلمّا وعده الدكتور خيراً قال له بيريرا: سأتصل بك غدا عند الظهر، فتظاهر بأنك مسؤول كبير في هيئة الرقابة، عليك أن تقول إن مقالي قد تمت الموافقة عليه.

عاد بيريرا إلى منزله، ثم جلس أمام الآلة الكاتبة وكتب ما يلي تحت عنوان "اغتيال صحفي":

"كان اسمه فرانشيسكو مونتيرو روسّي، وهو من أصل إيطالي، وكان يساهم في صحيفتنا، كتب عدة مقالات عن كبار كتاب عصرنا: مايكوفسكي(1)، مارينتي، دانونسيو، غارسيا لوركا. مقالاته لم تنشر بعد، ولكنها قد تنشر يوماً ما. كان شاباً سعيداً يحب الحياة، ولكنه كلِّف بالكتابة عن الموت، مهمة لم يتملص منها. وجاء الموت ليلة الأمس يطلبه. عندما كان يتعشى البارحة مع محرر الصفحة الثقافية لـ "لِسْبوّا"، الدتور بيريرا، كاتب هذا المقال، اقتحم الشقة ثلاثة مسلحين، قالوا إنهم من البوليس السياسي، ولكنهم لم يبرزوا أية وثيقة تثبت دعواهم.

ثم مضى يقول:" وفي الوقت الذي كان الرجل النحيل القصير يصوب مسدسه تجاه كاتب هذا المقال، جر الاثنان الآخران مونتيرو روسّي إلى غرفة النوم لاستجوابه... سمع كاتب هذا المقال ضربات وصرخات مكتومة، ثم قال الرجلان إن العمل قد تم. ثم غادر ثلاثتهم مسرعين، ومهددين كاتب هذه السطور بالموت إذا صرح بكلمة. ذهب كاتب المقال إلى غرفة النوم، ولم يستطع أن يفعل شيئاً سوى أنه تأكد من موت الشاب مونتيرو روسّي. ضربوه ضرباً مبرحاً بهراوة أو بمقبض المسدس حتى هشموا جمجمته. يوجد جثمانه الآن في الطابق الثاني في شارع ... في بيت كاتب المقال. كان مونتيرو روسّي يتيماً، ويحب فتاة جميلة ولطيفة لا نعرف اسمها، نعرف فقط أنها ذات شعر نحاسي، وتحب الثقافة. إننا نتوجه إلى هذه الشابة إذا كانت تقرأُنا بأخلص التعازي وتحيات الإعجاب والتقدير. كما ندعو السلطات المختصة أن تولي اهتمامها بمسلسل العنف الذي يرتكب اليوم في البرتغال في ظل السلطة، وربما بالتواطؤ مع بعض رجالها".

ثم وقع بيريرا المقال في أسفل الصفحة، على غير عادته، لأول مرّة.

كان الفجر قد بزغ عندما أكمل بيريرا مقاله، فغفا إغفاءة قصيرة، توجه بعدها إلى مكتب التحرير وأخذ الملف الذي كان يحتفظ فيه بمقالات مونتيرو روسّي، وعرّج في طريقه على مقهى أوركيديا.

فوجئ مانويل النادل بأن بيريرا يطلب لأول مرة شراباً غير عصير الليمون الذي اعتاد عليه. وتبادلا الحديث الآتي:
بيريرا: لديك صديق يلتقط راديو لندن، هل من جديد؟
مانويل: يبدو أن الجمهوريين يتلقون ضربات متتالية، ولكن، هل تعرف يادتور بيريرا (خافضاً صوته) لقد تكلموا عن البرتغال أيضاً!
بيريرا: صحيح؟ وماذا قالوا؟
مانويل: قالوا إننا نعيش تحت حكم استبدادي، وإن البوليس يعذب الناس.
بيريرا: وأنت ما رأيك يا مانويل؟
مانويل (حاكاً رأسه): وأنت ما رأيك يا دوتّور بيريرا؟ أنت تعمل في الصحافة، وأدرى بهذه الأمور.
بيريرا: أنا أقول إن الانجليز على حق.

دفع بيريرا حسابه وخرج متوجهاً إلى المطبعة. حين وصل وجد في المطبعة رئيس المصفّفين، بيدرو، مجهداً تماماً. ودار بين الاثنين الحديث التالي:
بيدرو: خلال ساعة ترسل الصحيفة إلى المطبعة يا دتور بيريرا، لقد أحسنت بوضع قصة كاميلو كاستيلو برانكو(2)، لقد قرأتها في المدرسة وأنا طفل، لكنها ما تزال جميلة في ذهني.
بيريرا: يجب تقليصها إلى عمود. فلدي هنا مقال يقفل الصفحة الثقافية، إنه مقال تأبيني.
بيدرو (بعد أن قرأ المقال): هذه قضية حساسة يادتور بيريرا، تأتيني بهذا المقال في هذه اللحظة الأخيرة دون وجود موافقة من الرقابة. يبدو لي أننا هنا بإزاء كلام عن وقائع خطيرة.
بيريرا: اسمع يا سيد بيدرو، أنت تعرفني وأنا أعرفك منذ ثلاثين عاماً تقريباً، ... هل سببت لك مشكلة يوماً ما؟
بيدرو: لا، لم تتسبب، ولكن الزمن تغير، والأمر ليس كما كان. يوجد الآن بيروقراطية، وعلي الانصياع لها يا دتور بيريرا.
بيريرا: الرقابة أعطتني الإذن بالنشر شفوياً. لقد اتصلت منذ ساعة بالرائد لورنسو ووافق.
بيدرو: ولكن من الأفضل الاتصال برئيس التحرير.
بيريرا (متنهداً): حسناً، لا بأس، اتصل به يا سيد بيدرو.

طلب بيدرو رئيس التحرير فأجابته السكرتيرة أنه ذهب للغداء، وأنه لن يعود قبل الساعة الثالثة.
بيريرا: لا نستطيع الانتظار إلى الثالثة موعد خروج الصحيفة من المطبعة.
بيدرو: لا، في الحقيقة لا نستطيع. لا أدري ما العمل يا دتّور بيريرا.
بيريرا: اسمع، إن أفضل شيء أراه هو الاتصال بالرقابة مباشرة، ربما نكلم الرائد لورنسو.
بيدرو: الرائد لورنسو! معه شخصياً؟
بيريرا: إنه صديق، لقد قرأت عليه المقال هذا الصباح، إنه موافق تماماً، وأنا على اتصال به يومياً، يا سيد بيدرو، إنه عملي.

أخذ بيريرا الهاتف واتصل بالدكتور كاردوزو، وأوهم بيدرو أنه يتكلم مع الرائد لورنسو" أنا الدتور بيريرا من "لسبوا"، إنني الآن في المطبعة لإنزال المقال الذي قرأته عليك هذا الصباح، لكن رئيس المصفّفين متردد لعدم وجود موافقة مكتوبة، حاول أن تقنعه قليلاً"، ثم ناول بيريرا السماعة لبيدرو. بدأ الرجل يرتعد ويقول: "بالطبع سيدي الرائد، حاضر سيدي الرائد".

سأل بيريرا بيدرو عما قاله الرائد فرد عليه قائلاً: "يقول إن البوليس البرتغالي لا يخشى الفضائح، وهناك أشقياء أشرار يسرحون ويمرحون، يجب إدانتهم وفضحهم، ومقالك يجب أن ينشر اليوم يا دتّور بيريرا، هذا ما قاله لي... قال لي أيضاً: قل لدتّور بيريرا أن يكتب عن النفس، إنه موضوع نحن جميعاً في حاجة إليه...".

رجع بيريرا إلى منزله. دخل إلى غرفة النوم مترقباً، وألقى نظرة على الملاءة التي تغطي جثمان مونتيرو روسّي، ثم تناول حقيبة صغيرة وضع فيها بعض أغراضه الضرورية، وملف مقالات مونتيرو روسّي، ثم دخل إلى مكتبه حيث وضع جوازات السفر المزورة خلف صورة زوجته، وأخذ يبحث عن جواز يناسبه، فوجد جوازاً فرنسياً متقن التزوير باسم فرنسوا بودان، يحمل صورة رجل سمين يقاربه سناً ويحمل بعض تقاسيم وجهه، فوضعه في الحقيبة، وتوجه إلى صورة زوجته قائلاً لها: "سآخذك معي، من الأفضل أن تأتي معي". وجعل وجهها للأعلى لكي تتنفس جيداً، ثم ألقى نظرة حوله، وتطلع إلى ساعته: "يحسن بي أن أسرع، فـ "لسبوا" ستصدر بعد قليل، ولم يعد هناك وقت لإضاعته". هذا ما زعمه بيريرا.

*   *   *

بهذا ينتهي تلخيصنا وتحليلنا لرواية "يزعم بيريرا"، وفي الحلقة التالية سنعرض تحليلاً ختامياً نبين فيه كيف أنّ الشرّ ملة واحدة، وأنّ المثقف الحقيقي هو العدو الطبيعي للاستبداد، والصدام بينه وبين النظام السلطوي القاهر قادم لا محالة، طال به العهد أو قصر، فمتى يكون لنا أمثال بيريرا ممن يفيقون من سباتهم، وتفيق معهم أقلامهم، فيهجرون الباطل ويجهرون بالحق، ويكتبون، لا لتلمع أسماؤهم، بل لتحيا شعوبهم وأوطانهم؟
________________________________________________

(1) فلاديمير ماياكوفسكي   Vladmir Mayakovsky (1893- 1930) شاعر روسي اشتهر بمساندته للثورة البلشفية.
(2)   Camilo Castelo Branco (1825- 1890) كاتب وأديب برتغالي.


         
         

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home