Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Youssef El-Megreisi

Saturday, 13 May, 2006

         
         

( 9 )

صراع الأنفس :

مطالعـة في رواية "يزعـم بيريرا" لأنطونيو تابوكي
(9)

يوسف المجريـسي

زعم بيريرا أنهم كانوا ثلاثة يرتدون ثياباً مدنية ويحملون مسدسات. كان رئيسهم رجلاً نحيلاً قصيراً، والثاني يدعى فونسيكا، والثالث ليما، قالوا إنهم من البوليس السياسي أتوا لتفتيش الشقة بحثاً عن شخص. اعترض بيريرا طالباً ما يثبت هويتهم. وضع أحدهم فوهة مسدسه في فم بيريرا قائلاً: "هل يكفيك هذا كبطاقة هوية يا كيس الشحم؟" ودار بينهم الحوار التالي:

النحيل القصير: كفى يا شباب. لا تعاملوا الدتّور بيريرا هكذا، إنه صحفي طيب، يكتب في صحيفة محترمة، وإن كانت كاثوليكية أكثر من اللزوم، إلا أنها لا تحيد عن الخطوط المرسومة. اسمع يا دتور بيريرا، لم نأت هنا للثرثرة، فلا تضيع وقتنا، ثم إننا نعلم أنه لا دخل لك في الموضوع، أنت شخص طيب، ولم تكن تدرك مع من تتعامل، لقد وضعت ثقتك في شخص مشبوه. لا أريد أن أضعك في مشاكل، دعنا فقط نؤدّي عملنا.
بيريرا: أنا أحرر الصفحة الثقافية في "لسبوا"، أريد الاتصال بأحد، أريد أن أهتف لرئيسي، هل يعلم أنكم في بيتي؟

النحيل القصير: هل تظن أننا إذا أردنا أن نقوم بعملية بوليسية علينا أن نخطر رئيسك أولاً؟ ما الذي تقوله يا هذا؟
بيريرا: أنتم لستم البوليس، ولستم مخولين رسمياً، أنتم بثياب مدنية، وليس لديكم إذن بدخول منزلي. النحيل القصير: صاحب المنزل عنيد، يا شباب. لا أدري ماذا نصنع لإقناعه.

تحرك الرجل الذي كان يسدد مسدسه نحو بيريرا فلطمه بقفا يده لطمة قوية جعلته يترنح. فقال النحيل القصير: "يا الله، يا فونيسكا، لا تصنع هذا. لا تسىء معاملة الدّتور بيريرا، وإلا ستروّعه لنا، إنه رجل هش رقيق، رغم ضخامة جثته، إنه مهتم بالثقافة، إنه رجل مثقف. الدتور بيريرا يحتاج إلى إقناع بلباقة، وإلا بال على نفسه. ثم وجه الشخص نفسه ضربة أخرى لبيريرا من جديد، فعاد زعيمهم يتهكم:" إنّ لك يداً باطشة يا فونيسكا، إذا لم أضبطك ستفسد عليّ العمل". ثم توجه إلى بيريرا وقال له: "دتور بيريرا، كما ذكرت لك، لا نضمر لك شراً، أتينا فقط لنلقن درساً بسيطاً لشاب في ضيافتك، إنه في حاجة إلى هذا الدرس لأنه لا يعرف ما هي قيم الوطن. لقد ضيّعها المسكين، ونحن أتينا لنعينه على استعادتها".

وهنا ينقل لنا تابوكي حواراً يتكرر في معظم الأنظمة البوليسية، ويبين لنا البون الشاسع بين عقلية المثقف وعقلية رجل الأمن:
بيريرا: لا يوجد أحد هنا.
النحيل القصير: اسمع يا دتور بيريرا، لا تصعّب علينا مهمتنا، نريد أن نسأل ضيفك الشاب عن بعض الأشياء، لا أكثر، مجرد استجواب سريع، بأسلوب يستعيد به القيم الوطنية. لا نريد أن نصنع شيئاً أكثر من ذلك. هذا كل ما جئنا من أجله.
بيريرا: دعوني إذن أتصل بالبوليس ليأتوا هم ويأخذوه إلى مركز التحقيق، هناك تجرى الاستجوابات وليس في شقق الناس.
النحيل القصير (بابتسامة ساخرة): هيّا، يا دتور بيريرا، أنت حقاً غير متعاون، شقتك مثالية لإجراء استجواب خاص مثل استجوابنا، بوابة عمارتك ليست موجودة، جيرانك سافروا إلى بورتو، الأمسية هادئة، وهذا المبنى لطيف للغاية، إنه أكثر سرية من مركز البوليس.

دفع الرجل المدعو فونيسكا بيريرا إلى غرفة الطعام، نظروا حولهم فلم يروا أحداً، ثم رأوا المائدة وقد أعدّت لنفرين.

وهنا ننتقل إلى مرحلة أخرى تصور لنا شراسة كلاب السلطان:
النحيل القصير: عشاء أنس، يا دتور بيريرا، أراك قد أعددت عشاءً خفيفاً حميماً تحف به الشموع، وكل ما يلزم. يا له من شيء رومانسي. أنت أرمل ولا تعاشر النساء، وأعرف عنك كل شيء كما ترى، قل لي: ألا يستهويك الشبان الصغار أحياناً؟
بيريرا: أنت لا تستحي، إنّ كل ما يدور هنا خزي وعار.
النحيل القصير: دعك من هذا يا دتور بيريرا، الرجل هو الرجل، وأنت تعرف هذا جيداً، وإذا وجد الرجل فتى جميلاً أشقر، ذا مؤخرة صغيرة جميلة، الشيء مفهوم. والآن أتريدنا أن نجعل عالي الشقة سافلها أم تفضل التعاون؟
بيريرا: إنه هناك، ربما في المكتب أو غرفة النوم.
النحيل القصير: فونيسكا، لا تجعل يدك ثقيلة جداً، لا أريد مشاكل، يكفي إعطاؤه درساً صغيراً، ومعرفة ما نريد معرفته. وأنت يا ليما، اضبط نفسك، أعرف أنك أحضرت الهراوة، وأنها موجودة تحت قميصك، ولكن لا تضرب الرأس. إذا لزم الأمر فعليك بالكتفين والرئتين، فهذا يؤلم أكثر، ولا يترك آثاراً. حسناً، حسناً، يا دتور بيريرا، دعنا نثرثر قليلاً ريثما يقوم الشباب بالعمل.
بيريرا: أريد الاتصال بالبوليس.
النحيل القصير (ضاحكاً): البوليس؟! البوليس هو أنا يا دتور بيريرا، أو على الأقل من ينوب عنه، لأن البوليس أيضاً ينام في الليل، تعرف أن بوليسنا يحمينا طوال النهار، ولكنه يذهب للنوم في المساء لأنه ينهكهم وجود كل الأشقياء الذين يسرحون ويمرحون، كضيفك هنا، ممن فقدوا الحس الوطني. ولكن قل لي يا دتور بيريرا: لماذا حشرت نفسك في هذه الورطة؟
بيريرا: أنا لم أحشر نفسي في أية ورطة، ما فعلت أكثر من توظيف متمرّن لـ "لسبوا".
النحيل القصير: صحيح، ولكن كان عليك أن تستفسر أولاً، أن تستشير البوليس أو رئيسك...

سمع بيريرا صرخات فحاول أن يذهب إلى الغرفة، حيث كان ضيفه يعذب، ليرى ما يحدث، فسدد النحيل القصير مسدسه نحوه قائلاً: "لو كنت مكانك لما فعلت، رجالي ينفذون الآن عملاً دقيقاً، ولن يسرّك رؤيته، فأنت رجل حساس، رجل مثقف، ثم إنك تعاني من مشاكل في القلب، بعض المناظر ليست جيدة لك".

أصر بيريرا من جديد على الاتصال برئيسه. ابتسم النحيل القصير ابتسامة ساخرة وردّ عليه قائلاً: "في هذه الساعة يغط رئيسك في نوم عميق، وربما ينام في أحضان امرأة جميلة، رئيسك رجل حقيقي،كما تعلم، رجل بخصيتين، وليس مثلك يبحث عن مؤخرات الشبان الشقر".

انحنى بيريرا إلى الأمام وصفع النحيل القصير صفعة على وجهه، فردّ عليه هذا بضربة بالمسدس جعلت الدم ينزف من فمه، ثم قال له: "ما كان لك أن تمد يدك يا دتور بيريرا، طُلب إلي أن أعاملك باحترام، لكن كل شيء له حدود، إنك أحمق، وإذا تعرضت لإهانات فلا تلومنّ إلا نفسك، فقد كان بإمكاني أن أزرع رصاصة في حلقك، وأفعلها بكل سرور، وما منعني إلا أنهم أوصوني بأن أعاملك باحترام، لا تتعدّ الحدود، فقد أفقد صبري.

حاول بيريرا أن يندفع ثانية ولكن النحيل القصير صده من جديد محذراً:" اسمع يا دتور بيريرا، لا ترغمني على استخدام مسدسي، فلدي رغبة قوية في التخلص منك بطلقة في حلقك، أو ربما في قلبك المريض، لكني لن أفعل لأننا لا نريد أمواتاً هنا، جئنا لنعطي درساً في الوطنية، وقليل من الوطنية سيفيدك أنت أيضاً، لأن صحيفتك لا تنشر شيئاً إلا عن الكتاب الفرنسيين... الكتاب الفرنسيون هم كتلة من الروث البشري، يجب صفهم جميعاً إلى حائط ورميهم بالرصاص ، ثم التبول على جثثهم...".

فتح الرجلان الغرفة التي كانا يعذبان فيها مونتيرو روسّي، وخرجا وعلى وجهيهما آثار الهلع والعنف، وقالا لرئيسهما: "لا يريد أن يتكلم، لقد أعطيناه درساً... ربما الأفضل أن ننسحب". سأل رئيسهما: "هل تسببتما في كارثة؟" أجابه فونيسكا: "لا أدري، يحسن بنا الانصراف". وهرع هو ورفيقه نحو الباب. فالتفت النحيل القصير إلى بيريرا وقال له: "اسمع يا دتور بيريرا، أنت لم ترنا مطلقاً في بيتك، لا تتذاكى، دع عنك صداقاتك، واعلم أن هذه الزيارة كانت زيارة مجاملة، قد نأتي لزيارتك خصيصاً ـ زيارة عمل".

دخل بيريرا إلى غرفة نومه محاولاً أن يعيد مونتيرو روسّي إلى وعيه، ولما جسّ نبضه وجده قد فارق الحياة، فأغمض جفني القتيل وغطى وجهه.

*   *   *

ترى ما هو الأثر الذي ستتركه هذه الجريمة النكراء في نفس بيريرا؟ لقد قُتل من استجاره في عقر داره، وأهين هو أقسى الإهانات، ولم يسلم من التهديد بزيارة عمل تنسيه زيارة "المودّة" هذه! هل سيهرع إلى مناجاة زوجته يبثها شكواه، أم يلتمس السلوى والنسيان بين روائع الأدب الفرنسي يترجم صفحات منه إلى البرتغالية؟ وهل للسانه أن ينطلق بغير هذا في بلد أبكم، لا لسان فيه إلا لسان "الأخ القائد والمفكر الأوحد"؟ هذا ما سنراه في الحلقة العاشرة، التي نتبعها، إن شاء الله، بحلقة ختامية، نقارن فيها بين برتغال سالازار وليبيا القذافي.


         
         

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home