Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Youssef El-Megreisi

Tuesday, 12 September, 2006

طلاب الحسنيين :
سياحة الإصلاح وإصلاح السياح

يوسف المجريـسي

كلنا يعلم أن التدمير أسهل بكثير من التعمير، فإذا كانت حقبة الثورة عند القذافي قد أخذت أربعة عقود تقريباً، فكم سيستغرق تشييد دولته المزعومة؟ وإذا أنفق قرابة ألف مليار دولار(*) منذ اغتصابه الحكم ليصل بالبلد إلى ما هي عليه اليوم من فقر وفوضى وخراب ودمار، فكم سيحتاج هذا الفالح من أموال ليعيد بناء ليبيا وتعميرها؟

ما كان بودّي أن أعود لهذا الحديث المبتذل عن الإصلاح، لولا الأحداث السياسية الأخيرة في بريطانيا التي أرغمت توني بلير على تحديد مدة يغادر فيها رئاسة الوزراء، ولم يمض على حكمه عشر سنوات بعد، وهو الذي فوضه الشعب البريطاني للحكم حتى عام 2009.

شتان بين الديمقراطية التي تستمتع بها الشعوب المتحضرة وبين ديمقراطية مراكز "دراسة الإسلام والديمقراطية"، التي يصدرها إلى العالم الثالث صهاينة واشنطن عن طريق "أوراق الخريف" ليستمروا في استعباد شعوبنا وامتصاص خيراتنا.

ما أشد الألم والحزن حين ترى رجال السياسة والصحافة والفكر في البلاد التي هاجرت إليها تتبرم من رجل ديمقراطي جاء إلى السلطة بإرادة شعبه واختياره، وتطالب برحيله ولم يكمل مدة عشر سنوات في الحكم، وفترة حكمه تعدّ من أفضل فترات الازدهار الاقتصادي في تاريخ بريطانيا، ثم ترى في الوقت نفسه رجالاً من وطنك لا يجدون غضاضة بعد سبع وثلاثين سنة نحسات أن يستمر عقيد الشر في حكمه النتن إلى أجل غير مسمى مادام قد بدأ بالإصلاح وهو على مشارف العقد الخامس من الحكم.

لكم أن تتخيلوا مشلولاً قضى 37 سنة على كرسي المعوقين، ثم لا نطلب منه فجأة، لا أقول المشي كبقية الناس فحسب، وإنما أن يكون عدّاء ندخل به سباق الماراثون.

قد استطيع أن أفهم أو أجد عذراً لشاب غر لا يفقه كثيراً مما يقول، كمسكين جنيف الذي خرج يهذي في محطة الجزيرة، يعلق متحمساً على لغو ابن القذافي المكرر، ولكن لا أستطيع أن أفهم واحداً من عجائز المعارضة يعيش في بريطانيا ويتابع أخبار أحزابها وصحافتها، ومحسوباً على المؤتمر الوطني، وكثيراً ما أصم آذاننا بالإشادة بالديمقراطية وذم الاستبداد، ونحن نراه يهرول لمدح اللغو نفسه، دون أن يسأل، ولو عرضاً، عن الصفة أو الشرعية التي يتكلم بها هذا الولد. بل أخذ هو الآخر يرفع شعار "ليس المهم من سيحكم ليبيا، بل المهم كيف يحكمها"، هذا الشعار، الذي يردده الكثيرون كالببغاوات دون أن يدركوا زيفه وخطورته، هو من أكذب الشعارات التي خدرت المسلمين والعرب طوال تاريخهم وجعلت الأكفاء وخيرة الناس يزهدون في السلطة تاركين الأمر إلى أجهل الناس وأرذلهم. لو رفض الشعب الليبي الشعارات البراقة أول أيام الانقلاب ورفض أن يحكمه رجال مجهولو السيرة، وأصر على أن يعرف هوية وكفاءة "من يحكم"، وأن يكون للشعب القول الفصل في هذا الشأن الجلل، لما وصلنا إلى الحال الذي نحن فيه اليوم.

مهم جداً أن تعرف من الحاكم لكي تعرف كيف سيحكم. بل إن هذا من أبسط البديهيات التي تأخذ بها القوانين والدساتير والشرائع في جميع أرجاء الأرض وفي تاريخ البشرية قاطبة. في الولايات المتحدة مثلاً يشترط في من يرشح نفسه لرئاسة الدولة أن يكون مولوداً فيها، وألا يقل عمره عن خمسة وثلاثين عاماًَ. وفي الشريعة الإسلامية، وكثير من الشرائع الأخرى، لا تقبل شهادة الشاهد إلا إذا استوفى شروطاً معينة، وتوفرت فيه خصال معروفة. لهذا كله، فإن الشعار الصحيح هو: "لابد أن تعرف من يحكم، وكيف يحكم، وإلى متى يحكم، وقبل هذا وذاك، من خوّله أن يحكم؟".

هذه هي أصول الحكم كما عرفتها شعوب الأرض، وعلى أساسها بنيت الديمقراطيات. أما في بلادنا المنكودة، فكل واحد يدّعي الديمقراطية، وهو يجهل بديهياتها. كيف يكون الشخص ديمقراطياً، أو من دعاتها وأنصارها، ثم تراه يبارك إصلاحات وهمية لحاكم وصل إلى الحكم بقوة السلاح، وفرض نفسه طوال 37 سنة بقوة هذا السلاح، وما زال إلى اليوم يدعو لسحق وتصفية كل من يطالب بإنهاء حكمه المتفسّخ؟ هل سمعتم تصريحاًَ واحداً من هؤلاء البؤساء يستنكر أو يحتج على خطاب القذافي الأخير؟ إذا كان هؤلاء هم دعاة ديمقراطية في بلادنا، فليبشر الاستبداد بطول البقاء في ديارنا!

لعل "إصلاح السياح" أو معارضة "السياح" هو أنسب مصطلح نستطيع أن نطلقه على رجال المعارضة الذين أثقلتهم السنون وأصابهم العجز والخرف فإذا هم يرجعون لليبيا باسم الإصلاح، ثم يعودون لمنازلهم في أوروبا وأمريكا، وبذلك ينعمون بالحسنيين: في ليبيا يدّعون إصلاح الوطن، وفي الغرب يستقرون في منجاة من مفاسد الوطن وبؤسه. فهؤلاء من حقهم الإشادة بالأمن وحرية السفر، وأن يشكوا من تدني بعض الخدمات في البلاد ويطالبوا بتطويرها، لأن ليبيا لا تعني لهم شيئاًَ أكثر من قرية سياحية يستمتعون فيها هم وأزواجهم بإجازاتهم السنوية، فرحين بحرارة الاستقبال وحسن الضيافة، ثم يرجعون منها بصور تذكارية يتفاخرون بها في المواقع الإلكترونية. مبروك.. مبروك. خميسة وقرينة. ادخلوها بسلام آمنين!

إن محاربة الاستبداد تعني، قبل كل شيء، محاربة طول البقاء في الحكم مهما صنع الحاكم من إنجازات ضخمة لبلاده وشعبه. فأقصر طريق لخلق المستبد وأسهلها هو إطالة مدة حكمه بحيث يصبح الكرسي يسري في دمه، والانفراد بالقرارات جزءاً من حياته اليومية كالطعام والشراب. لم يطالب أحد من رجال حزب العمال بلير بالاستقالة بسب سوء إدارته للبلاد، لأنهم هم أنفسهم محسوبون على سياسته، وإنما بسب طول بقائه في رئاسة الوزراء، وغرقه في رمال الاستبداد التي لم يعد قادراً على تخليص نفسه من شراكها، بل إن الذين صاغوا الرسالة التي طالبت بلير بتحديد يوم لمغادرة رئاسة الوزراء ينعتون بـ"البليريين" (Blairites)، أي الذين عرفوا بولائهم لتوني بلير واشتهروا بمباركة سياسته الخارجية والداخلية، وبعضهم كان عضواً في حكومته أثناء صياغة الرسالة. وبعد الرسالة مباشرة استقال ثمانية من وكلاء الوزراء، جميعهم من المساندين للحكومة وسياستها. هذه التطورات والضغوطات لم تولد فجأة، وإنما بدأت بعد فوز توني بلير بالولاية الثالثة مباشرة.

أما وزير الخزانة جوردن براون الذي يسعى ليحل محل بلير فإنه، وإن كان يختلف قليلاً عن رئيسه، هو المسؤول الثاني بعد بلير في رسم سياسة حزب العمال الجديدة، حتى غدا حزب العمال لا يختلف عن غريمه حزب المحافظين في شيء، كوضع الحزبين الكبيرين في أمريكا: الجمهوري والديمقراطي.

إن وراء الانقلاب الداخلي، وهذه الحملة الشرسة على رجل قاد حزبه لثلاثة انتصارات متتالية، هو أن بلير 2006 لم يعد بلير 1997، والانقلاب الداخلي الذي واجه بلير في الأسبوع الماضي، واجهته مرغريت ثاتشر عام 1990. إن الشعوب الحرة ترفض أن يحكمها شخص واحد لمدة طويلة مهما كانت انجازاته وانتصاراته، ومهما اتفقوا معه في سياسته، فهذه الانجازات والانتصارات لن تساوي شيئاً أمام ما يمكن أن يرتكبه صاحبها من أخطاء، وقد غدا، بحكم الزمن، مستبداً خارجاً عن فلك أية سلطة أو دستور يحكمان خطواته وقراراته.

لم يقل أحد عن المتمردين الذين قادوا انقلابهم على ثاتشر، والذين قادوا حملاتهم من أجل استبدال بلير، أنهم طلاب سلطة، لأن طلب السلطة ليس معرة إلا عند أشباه المثقفين من شعوبنا التعيسة: المغسولة عقولهم بالأوهام، المنتفخة كروشهم بالحرام. العيب ليس في طلب السلطة بالانتخاب على رؤوس الأشهاد، وإنما العيب، كل العيب، يا أصحاب الورع الزائف، هو في اغتصاب الحكم بالسلاح والناس نيام. ________________________

(*) حسب بيانات البنك الدولي كان دخل ليبيا العام الماضي أكثر من 67 مليار دولار، أي وصل دخل الفرد إلى قرابة 12000 دولار، ومع هذا لا يتجاوز متوسط راتب فرد يعيل أسرة من أربعة أنفار أو خمسة ألف دولار في السنة. فأين تذهب أموال الشعب؟


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home