Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Youssef El-Megreisi

Wednesday, 10 May, 2006

         
         

( 8 )

صراع الأنفس :

مطالعـة في رواية "يزعـم بيريرا" لأنطونيو تابوكي
(8)

يوسف المجريـسي

بعد ظهر اليوم التالي سمع بيريرا طرقاً على باب منزله. بيريرا لا يزور ولا يُزار، فيا ترى من الطارق؟ نهض حائراً لفتح الباب، فإذا بمونتيرو روسّي أمامه. كان الشاب جزعاً وفي حال يُرثى لها. وبعد أن تأكد من خلو المنزل دخل معتذراً، وطلب من بيريرا أن يسمح له بالاستحمام، وأن يعطيه قميصاً نظيفاً قبل أن يشرح له سبب غيبته الطويلة. خرج مونتيرو روسّي من الحمام مرتدياً قميص بيريرا: "شكراً يا دتور بيريرا، أريد أن أقصّ عليك أشياء كثيرة، لكني منهك تماماً، إنني في حاجة إلى غفوة".

بينما كان مونتيرو روسّي يغط في نومه دخل بيريرا إلى المطبخ وبدأ يعد عجة لضيفه، ثم أيقظه من سباته الطويل. هبّ مونتيرو روسّي مذعوراً، فهدّأ بيريرا من روعه، ودعاه إلى الطعام. بدأ مونتيرو روسّي حديثه شاكراً بيريرا على استضافتة وعلى النقود التي أرسلها إليه مع مارتا. ثم ذكر أنهم ألقوا القبض على ابن عمه، على حين استطاع هو الفرار بأعجوبة، وأنه مطارد حالياً من رجال الأمن، وشغله الشاغل الآن هو الاتصال بمارتا لطمأنتها، وإخبارها بمكان وجوده. استطاع بيريرا أن يصرف عنه فكرة الاتصال بمارتا لخطورة الأمر. كان مع الشاب مجموعة من الجوازات المزورة فأخذها بيريرا منه وخبأها وراء صورة زوجته. ويحسن بنا أن نورد شيئاً من حديثهما حتى لا يطغى تلخيصي على جو الرواية ويصاب القارئ بالملل:
بيريرا: تستطيع المكوث هنا إلى ما تشاء. على الأقل إلى منتصف سبتمبر حين تعود بوابة العمارة بيدَدي، وهي تقوم أيضاً بتدبير منزلي. إنها محل ثقة، ولكن البوابات يتكلمن مع غيرهن من البوابات، ووجودك هنا لا يمكن أن يمر بدون لفت الأنظار.
مونتيرو روسّي: من الآن إلى ذلك الوقت سأدبر أمري، سأجد حلاً آخر، قد أكلم مارتا في الأمر.
بيريرا: انس مارتا الآن، مادمتَ في بيتي لن تتصل بأحد. اهدأ، وأرح نفسك.
مونتيرو روسّي: وأنت ماذا تفعل يا دتور بيريرا، أما زلت مهتماً بالمراثي والذكريات؟
بيريرا: إلى حد ما، ولكن كل مقالاتك التي كتبتها غير صالحة للنشر، وقد وضعتها في ملف في المكتب، ولا أدري لماذا لم أتخلص منها.
مونتيرو روسّي: لقد آن الأوان لأن اعترف لك بشيء، وعذراً إن تأخرت في قوله. ليست كل المقالات من نتاج قريحتي.
بيريرا: ماذا تعني؟
مونتيرو روسّي: الحقيقة أنّ مارتا ساعدتني في صياغتها، الأفكار الجوهرية هي أفكارها.
بيريرا: اعتقد أن هذا العمل خاطئ جدا.ً
مونتيرو روسّي: لا أعلم إلى أي حد، ولكن هل تعلم، يا دتور بيريرا، بمَ يهتف القوميون الإسبان؟ إنهم يصيحون:"عاش الموت"، وأنا لا أجيد الكتابة عن الموت، أنا أحب الحياة يا دتور بيريرا، ما كان باستطاعتي، بمفردي، كتابة المراثي أو الحديث عن الموت.
بيريرا: أفهمك، أنا أيضاً لم أعد قادراً على ذلك.

*   *   *

بدأت علاقة بيريرا مع رئيسه يطغى عليها الاختلاف، فلم يعد بيريرا حراً في نشر ما يريد، يحاول رئيس التحرير إرضاء بيريرا بقبول بعض أعماله، ولكنه في الوقت نفسه يطلب إليه نشر أشياء تتعارض مع مبادئه وأخلاقياته الصحفية. ودار بينهما يوماً هذا الحوار:
رئيس التحرير: اسمع يا بيريرا، تكاد "لسبوا" تصبح، كما ذكرت لك من قبل، صحيفة متيمة بالأجانب، لماذا لا تتحدث عن أحد شعرائنا الوطنيين، لماذا لا تتكلم عن شاعرنا العظيم كامويس؟(1)
بيريرا: ولكن كامويس توفي عام 1580، أي منذ أربعمائة عام تقريباً.
رئيس التحرير: نعم، ولكن شاعرنا الوطني الكبير يظل دائماً معاصراً، ثم هل تعلم ماذا قرر أنطونيو فيرّو، مدير الأمانة القومية للإعلام؟ باختصار، خرجت وزارة الثقافة بفكرة ممتازة، وهي جعل ذكرى الشاعر كامويس تتوافق مع اليوم المخصص للعرق البرتغالي، في هذا اليوم سيحتفل بالشاعر الملحمي الكبير وبالعرق البرتغالي معاً، وبإمكانك أن تنتهز الفرصة وتكتب عن هذا الحدث.
بيريرا: ولكن ذكرى كامويس تصادف يوم العاشر من يونيو، فما معنى الاحتفال به في نهاية أغسطس؟
رئيس التحرير: في العاشر من يونيو لم يكن لدينا صفحة ثقافية بعد، ولك أن تذكر ذلك في المقال، ثم نستطيع دائماً الاحتفال بشاعرنا العظيم، والإشارة إلى يوم العرق، يكفي التلميح ليفهم القراء.
بيريرا: عفواً سيدي الرئيس، نحن كنا في البداية من العرق اللوزيتاني، ثم جاءنا الرومان والسّلتيون، ثم قدم علينا العرب، فبأي عرق نحتفل نحن البرتغاليين؟
رئيس التحرير: العرق البرتغالي. عفواً يا بيريرا، اعتراضك غير منطقي، نحن البرتغاليين اكتشفنا العالم، أنجزنا الرحلات البحرية الكبرى حول الأرض، وعندما قمنا بها في القرن السادس عشر كنا برتغاليين. هذا نحن، وهذا ما عليك الاحتفاء به... أريد أن تكون "لسبوا" صحيفة برتغالية حتى النخاع بما فيها صفحتها الثقافية، إذا كنت لا تريد أن تكتب عن يوم العرق، فاكتب على الأقل عن كامويس، فهذا إنجاز في حد ذاته.

بدأ بيريرا في كتابة كلمة عن كامويس. وبعد أن قطع شوطاً ألقى بكل ما كتب في سلة المهملات: "فليذهب كامويس إلى الجحيم، ذلك الشاعر الكبير الذي تغنى ببطولة البرتغاليين. أية بطولة؟"

زعم بيريرا أنه غادر المكتب وتوجه لمقهى أوركيديا، ومن هناك حاول الاتصال بمارتا. كان مونتيرو روسّي قد أعطاه رقمين ليتصل بمارتا. اتصل بالرقم الأول مرتين دون جدوى، وما أن اتصل بالثاني حتى ردّت عليه امرأة أنكرت أنها تعرف فتاة اسمها ديلونية (اسم مارتا الحركي). طلب مارتا باسمها الحقيقي، فسألته: مارتا من؟ ثم أغلقت السماعة في وجهه لعجزه عن إعطائها اسم مارتا الكامل.

عاد بيريرا إلى مكتب التحرير فوجد شيلستي، بوابة عمارة مكتب التحرير، في حجرتها، ودار بينهما الحوار التالي:
بيريرا: هل من أخبار؟
شيلستي: جاءتك مكالمة هاتفية، كانت امرأة، ولكنها رفضت أن تقول سبب اتصالها.
بيريرا: هل تركت اسمها؟
شيلستي: كان اسماً أجنبياً، ولا أتذكره.
بيريرا: لِمَ لم تكتبيه؟ أنت تعملين بدّالة يا شيلستي، فعليك أن تسجلي الملاحظات.
شيلستي: إذا كانت كتابتي سيئة بالبرتغالية، فكيف بالأسماء الأجنبية، كان اسماً معقداً.
بيريرا: وماذا قالت لك؟
شيلستي: قالت إنها تحمل رسالة لك، وتبحث عن السيد روسّي، يا له من اسم غريب! أجبتُها أنه لا يوجد أحد هنا باسم روسّي، هنا مقر الصفحة الثقافية لـ "لسبوا"، ولذلك اتصلت بمكتب الصحيفة الرئيسي، لأنني ظننت أني سأجدك هناك فأخبرك بالأمر. وقد تركت لك رسالة بأن سيدة أجنبية تبحث عنك، تُدعى ليزا، الآن تذكرت الاسم.
بيريرا: وهل قلت للصحيفة إنها تبحث عن روسّي؟
شيلستي (بخبث): لا، يا دتور بيريرا، لم أقل هذا، كان يبدو لي غير مهم... لا تقلق يادتور بيريرا، إذا أرادوك سيجدونك.

عدل بيريرا عن صعود المكتب ورجع إلى بيته. أخبر مونتيرو روسّي بالواقعة: "... حين وصلت إلى المكتب قالت لي البوابة إن شخصاً بحث عني. من المحتمل أنها مارتا، لكنها كانت تبحث عنك، ربما كان هذا حماقة منها. على كل حال، قد يعرف أحدهم الآن أنني على اتصال بك. اعتقد أن هذا التطور سيتسبب في مشاكل. وهنا سأله مونتيرو روسّي: "وماذا عليّ أن أفعل؟" فأجابه بيريرا: "إذا كان لديك مكان أكثر أمناً فاذهب إليه، وإلا فابقَ هنا، وسوف نرى".

كان بيريرا قد أعدّ العشاء لضيفه، وما كادا يبدآن في الأكل حتى سمع بيريرا طرقاً متواصلاً كما لو أن أحداً يريد اقتحام المنزل. طلب بيريرا من مونتيرو روسّي أن يختبئ في غرفة النوم لما علم أن البوليس هو الطارق.

*   *   *

في الحلقة القادمة سنرى أن البوليس ما جاء إلا ليزور كاتبنا زيارة مجاملة، وهذا النوع من الزيارات "المؤدبة" هو ما تعلمته أنظمة الاستبداد العربية من الفاشية الغربية، ولقنته لكلاب السلطة التي تحميها بمخالب ملطخة بدم الأبرياء، على حين يدبج الزعيم الأكبر نظريات العدالة والحرية الخضراء.
________________________________________________

(1)   Luis Vaz de Camões (1524- 1580) شاعر ومقاتل برتغالي، يعدّ أحد أكبر الشعراء في تاريخ البرتغال.


         
         

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home