Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Youssef El-Megreisi

Friday, 9 March, 2007

لا أصلح الله منـّا من يصالحكم(*)

يوسف المجريـسي


كروتشي                     جنتيلي

يسعى النظام الفاشي في سرت، هو والشلة المستنفعة من نظامه بما فيهم أدعياء الثقافة والفكر، أن يلعب لعبة جديدة، وهي إيهام البسطاء والسذج، ممن يجهلون طبائع الاستبداد وتاريخ الدكتاتوريات في العالم، أن هناك محاولات مخلصة لإنهاء عصر الثورة وبداية عصر الدولة. هذه اللعبة نفسها حاولها موسوليني ورجاله يوماً في إيطاليا، إلا أنها لم تنطل على رجال يقظين وضعوا حرية الوطن فوق الصداقة والمصلحة الشخصية، وفوق الانتماء الحزبي أو القبلي. ونحن اليوم نمر في ليبيا بمرحلة مشابهة، وإذا كانت الحكمة تطلب ولو في الصين، فليس صعباً أو بعيداً علينا أن نتعلمها من جيراننا الإيطاليين.

فقبل وصول موسوليني للسلطة كانت هناك صداقة قوية، شخصية وفكرية، تربط بين أكبر مثقفين عرفتهما إيطاليا في القرن العشرين وهما: بيندتو كروتشي(1) وجيوفاني جنتيلي(2). كلاهما كان من أتباع المدرسة الهيغلية، دافع الاثنان عن مبدأ المثالية (idealism) وحملا سوياً على المدرسة الوضعية (positivism)، وأسسا معاً عام 1903 مجلة الناقد (La Critica)، ظل كروتشي يتولى فيها تحرير شؤون الفن والأدب والتاريخ، على حين تولى جنتيلي تحرير شؤون الفلسفة. دامت صداقتهما الفكرية قرابة ربع قرن، وبعد أن صار الأمر لموسوليني غدا يضرب بهما المثل في العداوة الفكرية والسياسية. فأصبح كروتشي رمزاً لمعارضة الحكم الفاشي، وأصبح جنتيلي الفيلسوف والمنظّر الرسمي له.

وقبل أن أدخل في لب قضيتنا دعوني أورد نبذة تاريخية عن الرجلين لنعرف مكانتهما العلمية في إيطاليا.

يعدّ كروتشي أحد أكبر الفلاسفة والنقاد الأدبيين الذين عرفتهم إيطاليا في تاريخها، بل كان، بلا منازع، أكبر مثقف عرفته إيطاليا في القرن العشرين. لقب "بالوحش الثقافي" للحجم الهائل من الثقافة والعلوم التي التهمها في حياته، وضخامة المراجع التي ألفها في الفلسفة والتاريخ والأدب والفن. كان مدرسة قائمة بذاتها، ومرجعية علمية، رغم أنه لم يكمل تعليمه الجامعي، ولا يزال كثير من مفكري إيطاليا وأساتذتها الأكاديميين متأثرين إلى اليوم بنظريته في الفن والجمال، وبمنهجه النقدي في الفلسفة والأدب والتاريخ. تأثر به الفيلسوف الماركسي أنطونيو غرامشي،(3) والفيلسوف والمؤرخ البريطاني روبين كولينجود(4) أحد أشهر الأساتذة الجامعيين في أكسفورد. دخل كروتشي البرلمان عام 1910، عارض الغزو الإيطالي لليبيا، ولم يفوّت مناسبة إلا وندد فيها بالتوسع الإيطالي في ليبيا والقرن الإفريقي، كما عارض دخول إيطاليا في الحرب العالمية الأولى. تولى وزارة التعليم في آخر حكومة لجيوفاني جوليتي في مطلع العشرينيات. هادن في بداية الأمر موسوليني آملاً أن ينهي الفوضى التي سادت أرجاء إيطاليا، ولكنه سرعان ما ثار عليه عندما ألغى الأحزاب وبدأ يسعى للاستئثار بالحكم والسلطة، ظل طوال العهد الفاشي معارضاً بدون هوادة أو تراجع، فندد علناً بسياسة القمع بما فيها الاغتيالات التي قامت بها القوات الفاشية. أسس عام 1943 الحزب الليبرالي الإيطالي، وكان الوحيد من رجال الرعيل الأول الذي بارك للمقاومة الإيطالية حملها السلاح لإنهاء الحكم الفاشي، ثم انضم حزبه رسمياً للمقاومة المسلحة. حالت مكانته الفكرية وشهرته العالمية دون اعتقاله أو تصفيته جسدياً على يد القوات الفاشية.

كان كروتشي المرشح الأقوى ليكون أول رئيس للجمهورية الإيطالية بعد سقوط الملكية، ولكنه رفض المنصب بعد أن صوت حزبه لصالح استمرار الملكية، ورفض أيضاً أن يعين سيناتوراً مدى الحياة، وهو أعلى منصب شرفي في إيطاليا بعد رياسة الجمهورية، لا يتقلّده أكثر من سبعة أشخاص في وقت واحد بحسب الدستور. ظل يمارس النشاط السياسي والفكري حتى توفي عام 1952 عن عمر يناهز الـ 86 عاماً.

أما صاحبه جنتيلي، الذي اختار أن يسير في ركاب السلطة، فقد درس الفلسفة في جامعة بيزا، ثم واصل دراسته العليا في فلورنسا. درّس الفلسفة في عدة جامعات إيطالية. ودخل البرلمان الإيطالي عام 1922 وفي السنة نفسها عين وزيراً للتعليم في حكومة موسوليني. كان أول محرر علمي للموسوعة الإيطالية بعد تأسيسها عام 1925. ثم تولى رئاسة لجنة تعديل الدستور الإيطالي في بداية عهد موسوليني، وأسس المعهد الوطني الفاشي للثقافة، أخطر مؤسسة إيطالية روجت للفكر الفاشيستي. بات جنتيلي بعد وصول موسوليني للسلطة المنظّر الفلسفي والرسمي للدولة. أسند الدوتشي إليه رئاسة الأكاديمية الإيطالية عام 1943، بعدما وقّع رئيسها لويجي فدرسوني (Luigi Federzoni)مع مجموعة من كبار رجال الحزب الحاكم قراراً بتجريد موسوليني من كل سلطاته.(5) ورغم أنه أبعد عملياً عن دوائر القرار السياسي رفض جنتيلي أن يتخلى عن موسوليني بعد سقوطه واعتقاله، ثم سارع إلى مباركة جمهورية سالو الفاشية التي أعلنها موسوليني في شمال إيطاليا بعد فراره من السجن. وظل جنتيلي وفياً لموسوليني إلى أن لقي مصرعه في فلورنسا على يد رجال المقاومة في إبريل عام 1944.

أثار اغتيال جنتيلي غضباً في أوساط المقاومة الإيطالية نفسها. وباستثناء الشيوعيين ندد أغلب أصحاب الاتجاهات السياسية الإيطالية باغتياله بما فيهم غريمه اللدود كروتشي. والذين استنكروا اغتياله يسجلون له أنه لم يحرض على تصفية أعدائه كما فعل غيره، وعارض تدخل الحكومة في شؤون الكنيسة، كما عارض القوانين العنصرية التي طالت اليهود، والتي فرضت في إيطاليا مسايرة لهتلر وسياسته النازية. كما يشهدون له أنه كان صاحب رأي ومبدأ وأنه وقف مع موسوليني عن قناعة وإيمان، لا حباً في مال أو سلطان. ترك جنتيلي كتباً تعدّ من أهم المراجع في النقد وعلم الفلسفة، ولا يزال مقتله إلى اليوم يثير جدلاً في إيطاليا بين معارض ومؤيد، لما كان يتمتع به من مكانة علمية رفيعة.

في 21 إبريل 1925، ويصادف يوم ميلاد روما، أصدر جنتيلي أحد أشهر بيانين عرفتهما إيطاليا في تاريخها، وهو بيان المثقفين الفاشيين (Manifesto degli intellettuali fascisti) الذي حمل توقـيـعات عـديد من رجال الفكـر والأدب في إيطاليا، كان من بينهم الأديـب العالمي (Luigi Pirandello)، والأديـب (Filippo Marinetti) المنظّر السياسي للفاشية، والشاعر (Giuseppe Ungaretti)، ومؤسس الموسوعة الإيطالية ومحررها (Giovanni Treccani)، وكان من ضمنهم عدد من العلماء والسياسيين والمؤرخين والنقاد والصحفيين والفنانين.

أعلن جنتلي في بيانه نهاية الثورة الفاشية، وبداية الدولة الفاشية، ودعا في البيان إلى إنهاء دور الكتائب العسكرية الفاشية وبداية دور المثقفين الفاشيين في ترسيخ دعائم الدولة الفتية. ويستبعد بعض المؤرخين أن جنتيلي أقدم على إصدار بيانه بدون استشارة الدوتشي وعلمه، ومنهم من يذهب إلى أن محرر البيان هو موسوليني نفسه.

لم يمض على صدور بيان جتيلي عشرة أيام حتى فوجئ النظام الحاكم بكروتشي يصدر بياناً في أول من مايو مناهضاً لبيان المثقفين الفاشيين: “Manifesto degli intellettuali antifascisti” وفيه ندد كروتشي بتسييس الثقافة لخدمة الحزب الحاكم، وتعمد صدور بيانه هذا في الأول من مايو ليصادف عيد العمال، رداً على اختيار جنتيلي ليوم ميلاد روما. وقع بيان كروتشي عدد من رواد الأدب والصحافة والفكر، من ضمنهم )Luigi Einaudi( أحد أكبر رجال الاقتصاد والنشر في إيطاليا، وثاني رئيس للجمهورية الإيطالية بعد سقوط الملكية. والمؤرخ الكبير (Gaetano Salvemini)، وهو من أشهر المناهضين للغزو الإيطالي لليبيا، والذي أطلق على ليبيا الوصف الشهير (صندوق من الرمال)، والأديبة والشاعرة (Sibila Aleramo)، رائدة الحركة النسائية الإيطالية، والشاعر الإيطالي، (Eugenio Montale) الحائز على جائزة نوبل للأدب عام 1975، وغيرهم ممن تذكرهم إيطاليا اليوم بكل فخر واعتزاز، على حين ظلت النقمة تلاحق الموقعين على البيان الأول إلا من عاد وتراجع عن موقفه كلويجي بيرنلدو، الذي قيل إنه تبرأ من الحكم الفاشي في أواخر أيام حياته.

كان صدور البيانين علامة فارقة في تاريخ إيطاليا، أثرت في الحياة الثقافية والسياسية نقداً ونشراً، وقسمت مثقفي إيطاليا إلى فريقين متنافرين، كل فريق يعادي الآخر. وسيطر الحزب الفاشي عملياً على كل المراكز العلمية والثقافية في البلاد، وفرض تدريس الفكر الفاشي في المدارس والجامعات والمعاهد، وكاد أن يكون من المحال الحصول على عمل في البلاد بدون حمل بطاقة عضوية الحزب الفاشي.

إن الاستبداد، مثل الكفر، ملة واحدة. وما أشبه الليلة في ليبيا بالبارحة في إيطاليا. فدكتاتور سرت الصغير يريد أن يحتذي بدكتاتور روما الكبير. وها هو يجند كتّابه ومثقفيه ومهرجيه وعلى رأسهم ابنه وخليفته المنتظر لإقناعنا بأن جماهيريته الشعبية قد انتقلت من مرحلة الثورة الحمراء أو الخضراء إلى مرحلة الانفتاح والحرية البيضاء، وأنه بصدد إغلاق باب الثورة وفتح باب الدولة لندخل في دينه الجديد أفواجاً بعد كفرنا الطويل بأكاذيبه ومذاهبه التي لا تنتهي.

نهاية الثورة لا تعني عند مدمني السلطة إلا التخلص من مليشياتهم بعدما استنفدت أغراضها، أو باتت تشكل خطراً على كراسيهم، أما الفكر المفروض بالقوة فلا يتراجع عنه الطاغية أبداً، لأنه إقرار ببشريته، والطاغية لا يؤمن أبداً أنه بشر كسائر البشر، فلا راد لقوله، ولا ينطق عن الهوى. ولكن هل من مجال للمقارنة بين موسوليني ومثقفي النظام الفاشي في روما، وبين القذافي و"مثقفي" النظام الفاشي في سرت؟ وهل نعدّ "مثقفي" الخيمة أصحاب رأي، وعلينا احترام آرائهم وتوجهاتهم الفكرية؟

طبعاً لا مجال للمقارنة بين دكتاتور روما، ودكتاتور سرت الممسوخ. فالدوتشي لم يكن نكرة قبل وصوله للسلطة كبهلوان سرت. كان موسوليني رجلاً وطنياً تفانى في خدمة بلاده وشعبه، ففي عهده فازت إيطاليا مرتين بجائزة نوبل للأدب(6) ، ومرة للفيزياء(7) ، وفازت مرتين متتاليتين بكأس العالم لكرة القدم، وفي عهده ضمت بلاد الحبشة لإيطاليا، واعترف الفاتيكان بالدولة الإيطالية لأول مرة منذ اتحادها عام 1861. تأثر بفكر موسوليني ثلاثة من أشهر طغاة أوروبا، هتلر، وفرانكو، وسالازر، ولا يزال فكره ضارباً بجذوره في إيطاليا وأوروبا. كان موسوليني مستبداً، ولكنه كان صاحب فكر وأدب(8) وعلم، ولم يكن جاهلاً أو مهرجاً أو رجلاً يلقي فصوص الحكم: "المرأة تحيض والرجل لا يحيض". لقد وصل موسوليني إلى السلطة بصورة دستورية، إذ عينه ملك إيطاليا رئيساً للوزراء، بعدما بدأ مئات الآلاف يخرجون في شوارع إيطاليا هاتفين باسمه. ثم يوم خرج هو وصاحبه جنتيلي بفكرة نهاية الثورة وبداية الدولة لم يكن قد مضى على حكمه إلا ثلاث سنوات، وليس ثمانية وثلاثين عاماً.

استطاع موسوليني، قبل تعينيه رئيساً للوزراء، أن يحرك مئات الآلاف من أنصاره، فشلّوا مرافق إيطاليا شمالها وجنوبها. كان له حضور في الشارع الإيطالي وشعبية لم يصلها أي سياسي إيطالي آخر في عصره. كان الساسة الإيطاليون أقوياء بأحزابهم، أما موسوليني فكان الحزب الفاشي قوياً به. عرف بفصاحته وبلاغته، ولا تزال بعض أقواله يضرب بها المثل في قوة البلاغة وجمال البيان. يقول عنه أشهر مؤرخ للفاشية (Renzo de Felice)وهو يهودي ومعروف بعدائه للحكم الفاشي،(9) في كتابه "موسوليني الصحفي" الذي جمع فيه مختارات من مقالات موسوليني بين عامي 1912-1922: "قلّ من ينكر أن موسوليني كان أحد أكبر الصحفيين في عصره". أما (Indro Montanelli)الملقب "أبو الصحافة الإيطالية"، فيقول عن موسوليني في تقديمه للكتاب نفسه: " كان أكبر كاتب افتتاحيات عرفته إيطالية في تاريخها".(10)

ولا مجال أيضاً للمقارنة بين المثقفين الإيطاليين المؤيدين للحكم الفاشي والمزامير المأجورة لخيمة سرت، لأن كثيراً من الذين أيدوا موسوليني من مثقفي إيطاليا أيدوه عن قناعة وإيمان وليس طمعاً في مناصب ومنافع مادية . أغلب الذين ساندوه من رجال الفكر والفن والأدب كانوا مستقلين مادياً، حققوا شهرتهم ومكانتهم قبل وصول موسوليني للسلطة، وبعضهم ساند سياسته حتى قبل أن يتولى رئاسة الحكومة. فهم لم يعيشوا على أموال الشعب المسروقة، أو يعالجوا في أرقى مستشفيات أوروبا على حساب هذا الشعب المنهوب، فيما يضطر المواطن العادي إلى أن يشتري حتى الإبر من الصيدليات التجارية، وهو متردد بين شراء علاج لمرضه أو خبز لأولاده لأن صرف الراتب في علم الله وعلم القائد الملهم.

رغم الفرق الهائل بين موسوليني والقذافي، وحال إيطاليا في عهد موسوليني وحال ليبيا في عهد القذافي، حمل عشرات من رجال الفكر والأدب السلاح وانضموا للمقاومة الإيطالية، بعضهم كان في زهرة شبابه كالأديب العالمي إيتالو كالفينو (Italo Calvino)، وقد ذكر تجربته مع المقاومة المسلحة في روايته العالمية "زقاق بيوت العنكبوت" (Il sentiero dei nidi di ragno). أما رجال السياسة الذين حملوا السلاح فهم بالمئات، ومنهم رئيس جمهورية إيطاليا الراحل سندرو برتيني (Sandro Pertini) ولعله أنزه سياسي عرفته إيطاليا في تاريخها. لقد ضربت مثلاً بهذين الرجلين لما يتمتعان به من سمعة طيبة عالمياً. إن معارضة الاستبداد بالقوة المسلحة، وبغض الطغاة وأوليائهم، ليس تطرفاً كما يحاول أن يصوره المتخاذلون والمتحذلقون في صفوفنا.

اختلف جنتيلي وكروتشي في بادي الأمر اختلافاً فكرياً حول مفهوم "المثالية"، ثم حول مبادئ الليبرالية التي كان كروتشي أحد أهم رموزها الصامدة في العصر الفاشي، فلم يتفرقا، ولم يتباغضا، ولكن عندما وصل الاختلاف إلى مصادرة حرية الشعب وإرادته، افترقا كلياً. عندما يصبح مصير الأوطان بمن فيها وما عليها في يد فرد واحد، وتصادر حرية الإنسان وثروته لإشباع رغبات الدكتاتور السقيمة، يغدو المكان الوحيد المناسب لمقولة: "الاختلاف لا يفسد في الود قضية"(11) هو المزبلة. فلا تجد أبداً مثقفاً حراً يصادق أحداً يعمل في صفوف مكممي فمه ومقيدي قلمه، لأن القضية أكبر بكثير من مدارس أدبية أو مذاهب فكرية. إذا اغتصبت الحرية لم يعد بين المثقفين الأحرار ومثقفي السلطة خلاف في الرأي أو الفكر، بل حرب ضروس، وعداوة وبغضاء إلى يوم القيامة:

لا تطمعوا أن تهينونا ونكرمكم      وأن نكف الأذى عنكم وتؤذونا
الله يعلـم أنـا لا نحبكـم                ولا نلومكـم إن لم تحبونـا

رغم بغضي لقطيع السلطان، إلا أنني أرى نفسي ناصحاً أكثر مني ناقداً. فقد يسلم اليوم كثير من مثقفي السلطة، ومن يتزلف لهم، من النقد والتجريح بحكم القهر أو الخوف أو المجاملات، ولكن إذا دارت الأيام وانقلب الحال سيدفعون الثمن باهظاً، وقد يرى بعضهم نهايته كما رآها جنتيلي أو أشد، فجنتيلي، على الأقل، كان له نصيب من المواقف المشرفة استدرت الدمع من بعض الأعين على اغتياله. وإليكم مختصراً لمداخلة قام بها شخص باسم "المنتقم"، في موقع ليبيا الحرة في بداية العام المنصرم، وقد وضعت بعض الفواصل والتصحيحات الإملائية على الاقتباس، ومن أراد الأصل فليرجع للمصدر في الهامش :
"لا أرغب في أي شيء ولن يمنعني أي شيء عن الانتقام لأخي وأبي اللذين زج بهما القذافي النذل في سجونه، وشتت شمل أسرة بكاملها... والله الذي لا إله إلا هو لن يمنعني عنك سوى الموت، وإن لم أصل إليك الآن فسوف تموت، وأقسم إني سأفتح قبرك النتن، إن كنت لحماً فعزة الله لآكلنّ من لحمك، وإن كنت عظاماً لأفرقنها على كلاب الطرقات، أعدك وعد الأحرار أنه لن تجد كلباً من كلابك يحرسك في قبرك".(12)

إلى هذا الحد وصل بغض المواطن الليبي المقهور بالقذافي وأذياله، على حين أن كتاب المعارضة المخصية تراهم يتظاهرون بالأدب الكاذب فلا يصفون القذافي بأي من أوصافه الحقيقية كطاغية أو مجرم أو مهرج، ويتباهون بمصادقة مثقفي بلاط الحكم الفاشي، كالمدعو علي فهمي خشيم، ومن هم على شاكلته، يعرضون فيها كتب هؤلاء القوم ومذكراتهم، وينهالون عليها بقصائد المديح والهيام. ثم يتسابقون في إجراء المقابلات وأخذ الصور معهم. يسألون عنهم إذا غابوا، ويعودونهم إذا مرضوا: "بعيد السوء عليك يا عليوة". يا سلام على معارضة آخر زمن!

وتبلغ الميوعة ببعضهم أنهم لا يفوّتون فرصة إلا ويتفلسفون علينا بمحاضرات في التسامح والاعتدال وما يسمونه التطبيع الثقافي، أو على الأصح التمييع الثقافي.

فلتذهب ثقافة التطبيع والتسامح للجحيم، وقد آن لرجالات ليبيا في الداخل أن يضعوا نصب أعينهم مستقبل ليبيا وشعبها قبل أن يمسي الحكم دُولة بين القذاذفة. آن لهم أن يختاروا بين رؤية ليبيا حرة كإيطاليا بعد موسوليني، أو مستعبدة بالوراثة كسوريا بعد حافظ الأسد.

لقد انقلب على موسوليني رجال حزبه وأقرب الناس إليه عندما رأوا أن استبداده ودخوله في تحالفات ومغامرات عسكرية مع هتلر سيقود البلاد إلى الهاوية، ولن تجني إيطاليا من سياسته إلا الدمار والخراب، على حين نرى مثقفينا أينما كانوا يولون وجوههم شطر الدولار والإسترليني، لا يكترثون أن يروا لقمة أطفال مرضى وجوعى تنتزع من أفواههم الصغيرة لتضاف إلى كروشهم المنتفخة ومؤخراتهم المكتنزة.

لم تر بلادنا من القذافي وأبنائه وقبيلته إلا البؤس والظلم والتخلف، ولن ترى من أحدهم خيراً ولو عمّر ألف سنة. هذه حقيقة يدركها كل من يحمل ذرة حب لليبيا وأهلها. القذافي ليس إلا بهلواناً من الدرجة الثالثة، لا يزال يقدم استعراضاته السمجة والسخيفة طوال هذه العقود بدون ذرة من حياء، وآخرها الادعاء أنه هو وأسرته من الأسر المحرومة والمعدومة،(13) زد عليها أكاذيبه المسمومة عن شعبنا الأمازيغي.

ربما يبدأ العد التنازلي لتهريجه السخيف الممل لو وقف الجالسون في سيركه وقفة واحدة، وصرخوا جميعاً في وجهه صرخة واحدة: "سكرها"!
____________________________________

(*) العنوان جزء من شطر بيت لأب يرثي ابناً له وقع صريعاً في الحرب :
     لا أصلح الله منا من يصالحكم      ما لاحت الشمس في أعلى مجاريها
(1) (Benedetto Croce 1866-1952)
(2) (Giovanni Gentile 1875-1944)
(3) (Antonio Gramsci 1891-1937)
(4) (Robin George Collingwood 1889-1943)
(5) في آخر اجتماع للمجلس الفاشي الأعلى يوم 25 يوليو 1943 اقترح دينو غراندي (Dino Grandi) على أعضاء المجلس تجريد موسوليني من كل سلطاته. فصوت لصالح اقتراح غراندي 19 عضواً، بما فيهم زوج بنت موسوليني ووزير خارجيته (Galeazzo Ciano)، وصوت ضده ثمانية، وامتنع عضو واحد عن التصويت. أدت موافقة المجلس على اقتراح دينو غراندي إلى سقوط موسوليني، ثم أصدر ملك إيطاليا أمراً باعتقاله، ولبث في السجن إلى أن أطلقت سراحه قوة ألمانية خاصة أرسلها هتلر لهذه المهمة في أغسطس من العام نفسه.
(6) في عام 1926 فازت بها الأديبة (Grazia Deledda) وفي عام 1934 .(Luigi Pirandello)
(7) فاز بها عام 1938 أنريكو فيميرمي (Enrico Fermi)، الملقب "أبو القنبلة النووية". كان فاشياً في أول الأمر، ولكن بعدما طالت القوانين العرقية زوجته اليهودية صرح في أوسلو بعد تسلمه لجائزة نوبل أنه لن يعود لإيطاليا، ثم هاجر إلى أمريكا.
(8) اسم موسوليني يدرج حتى في الموسوعات الأدبية، فله ترجمه في موسوعة أكسفورد للأدب الإيطالي: The Oxford Companion to Italian Literature.
(9) وله كتاب عن اليهود في ليبيا يعدّ مرجعاً أساسياً في بابه.
(10) Renzo Felice, Mussolini giornalista: 1912-1922 I migliori articoli degli anni alla direzione dell’ “Avanti” e de “Il Popolo d’Italia” (Rizzoli, Milano, 2001). p. ii, v.
(11) الصياغة المشهورة للقول هي: "الاختلاف لا يفسد للود قضية"، وهو قول ركيك لغة وسخيف معنى، لأن لا شيء يفسد الود كالاختلاف.
(12) http://www.libya-alhora.com/forum/showthread.php?p=12606#post12606
(13) المدعو سيف الإسلام وحده يملك طائرة أير باص اشتراها من سلطان بروناي، وقد رافقه أحد الصحفيين البريطانيين بها إلى ليبيا. من أراد أن يعرف مزيداً عن الطائرة فليراجع الخبر الذي نشرته صحيفة الغارديان البريطانية في عددها الصادر يوم 26 يناير 2004 : http://www.guardian.co.uk/comment/story/0,3604,1131130,00.html


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home