Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Youssef El-Megreisi

Monday, 8 May, 2006

         
         

( 7 )

صراع الأنفس :

مطالعـة في رواية "يزعـم بيريرا" لأنطونيو تابوكي
(7)

يوسف المجريـسي

استطاعت عبارة "عاشت فرنسا" في قصة "الدرس الأخير" أن تنجو من مقص الرقيب، فاتصل الدكتور كاردوزو ببيريرا مبدياً إعجابه بالقصة، وطالباً لقاءه. فاقترح عليه بيريرا أن يتقابلا ظهراً في مقهاه المفضل أوركيديا.

عندما وصل بيريرا إلى المقهى لم يكن الدكتور كاردوزو قد وصل بعد. جلس بجانب المروحة، وطلب عصير ليمون ولكن بدون سكر هذه المرة. سأل مانويل عندما أتاه بالعصير عن آخر التطورات، فأجابه:"أخبار متناقضة، يبدو أن هناك نوعاً من التعادل في ميزان القوى في إسبانيا: القوميون استولوا على الشمال، على حين استولى الجمهوريون على الوسط، يبدو أن اللواء الخامس عشر الأممي أبلى بلاء حسناً في سَرَقُسطة (Saragozza)، ... الإيطاليون المناصرون لفرانكو يتصرفون بلا حياء".

في تلك اللحظة دخل الدكتور كاردوزو فصافح بيريرا قائلاً: "رائعة، إنها قصة رائعة حقاً، أتيتك مهنئاً، ولكن من المؤسف أنك لم توقع على الترجمة". شرح له بيريرا أنه لا يوقع بدافع التواضع، أو بالأحرى بدافع الكبرياء، فلا يريد أن يدرك القراء أن الصفحة كلها من إعداده، وهو كل شيء فيها. يريد أن يعطي الانطباع بأن صفحته الثقافية يعمل فيها آخرون كبقية الصحف. ذكر له الدكتور كاردوزو أن "أناه المهيمنة" الجديدة سجلت بعض النقط، إذ إنه تمكن من كتابة "عاشت فرنسا" وإن كانت العبارة قد جاءت على لسان شخص آخر. وافقه بيريرا، ثم تابع متظاهراً بإطلاعه على آخر التطورات: "هل تعلم أن اللواء الخامس عشر الأممي مسيطر على وسط إسبانيا..." وشرعا في نقاش سياسي:
كاردوزو: لا تدع الوهم يستبد بك يا دتور بيريرا، موسوليني أرسل مجموعة كبيرة من الغواصات إلى فرانكو، والألمان يدعمونه بالطيران، لن ينتصر الجمهوريون.
بيريرا: ولكن السوفييت يقفون معهم، والألوية الأممية، كل الشعوب هبت إلى إسبانيا لدعمهم.
كاردوزو: أنا لا تخدعني الأوهام. أريد أن أقول لك إنني هيأت أمري مع مصحة سان مالو، سأسافر في خلال خمسة عشر يوماً.
بيريرا: لا تتركنا يا دكتور، نحن في حاجة إليك، البلد في حاجة إلى رجال مخلصين أمثالك.
كاردوزو: للأسف، البلد لا يحتاج إلي، أو على الأقل أنا لا أحتاج إليه. من الأفضل أن أذهب إلى فرنسا قبل الكارثة.
بيريرا: أية كارثة؟
كاردوزو: لا أعرف، ولكني أتوقع حدوث كارثة، كارثة عامة، لا أريد أن أقلقك يا دتور بيريرا، أنت الآن تتهيأ "لأنا المهيمنة" الجديدة، وتحتاج إلى هدوء. أما أنا فإني ذاهب، ولكن أخبرني: كيف حال صديقيك الشابين؟

شرح بيريرا للطبيب مشاكل مارتا ومونتيرو روسي، ثم استؤنف الحوار بينهما:
كاردوزو: إن "الأنا العليا" التي لديك يا دتور بيريرا قوية جداً، وهذه "الأنا العليا" تتصارع الآن مع "الأنا المهيمنة" الجديدة، أنت الآن في صراع داخلي مع نفسك في هذه المعركة التي تدور رحاها داخل كيانك، يجب أن تتخلى عن الأنا العليا، وتدعها تمضي إلى مصيرها كالحطام.
بيريرا: وماذا يبقى مني؟ أنا هو أنا، بذكرياتي، وبحياتي الماضية، بذكرياتي في كويمبرا ومع زوجتي، بالعمر الذي قضيته محرراً صحفياً، ماذا سيبقى مني؟
كاردوزو: عليك أن تصل إلى تسوية مع الحزن، إنه تعبير فرويدي، معذرة، أنا توفيقي(1) اصطدت (أفكاري) قليلاً من هنا وقليلاً من هناك، عليك أن تودع حياتك الماضية وداعاً نهائياً، وأن تعيش الحاضر، إن رجلاً مثلك يادتور بيريرا يجب ألاّ يقضي حياته يفكر في الماضي وحده.
بيريرا: وذكرياتي، وحياتي التي عشتها؟
كاردوزو: ستكون مجرد ذكريات، ولكن ليس بصورة تطغى على حاضرك. أنت مُلقى في الماضي وكأنك ما تزال في كويمبرا قبل ثلاثين سنة مضت، وزوجتك ما تزال حية. إذا مضيت على هذا النحو ستصبح أسيراً للذكريات، وربما ستبدأ الكلام مع صورة زوجتك.
بيريرا (خافضاً صوته): أفعل هذا منذ فترة يا دكتور كاردوزو.
كاردوزو (مبتسما): لقد رأيت صورة زوجتك في غرفة العيادة، وقلت في نفسي إن الرجل يتكلم بعقله مع صورة زوجته، ولم يصل إلى تسوية مع الحزن. هذا هو ما فكرت فيه بالضبط.
بيريرا: في الحقيقة لا أكلمها بعقلي، بل بصوت مسموع، أحدثها في شؤوني كلها، وكأن الصورة تردّ عليّ.
كاردوزو: إنها تخيلات ملأتها "أنا العليا"، عليك أن تتكلم مع أحد ما في هذه الأمور.
بيريرا: ليس عندي أحد أكلمه، أنا وحيد، عندي صديق يعمل أستاذاً في جامعة كويمبرا، ذهبت مرة للقائه في حمامات بوشاكو، ولكني غادرت اليوم التالي لأنني لم أطقه، أساتذة الجامعات كلهم يباركون الوضع الحالي، وهو ليس استثناء. ثم هناك رئيسي، وهو يشارك في الاحتفالات الرسمية ماداً يديه كالرمح...، ثم هناك بوابة عمارة مكتب التحرير، شَيلَستي، إنها مخبرة للبوليس، والآن تعمل أيضاً بدّالة الهاتف، ثم هناك مونتيرو روسّي ولكنه مختفٍ.
كاردوزو: هل هو مونتيرو روسّي الذي تعرفتَ عليه؟
بيريرا: إنه المتمرّن الذي يعمل معي، الشاب الذي يكتب لي المقالات التي لا أستطيع نشرها.
كاردوزو: ابحث عنه، يا دتور بيريرا، ابحث عنه كما ذكرت لك من قبل، إنه شاب، إنه يجسد المستقبل، أنت في حاجة لمصاحبة شاب، وإن كان يكتب مقالات غير صالحة للنشر في الصحيفة. كف عن مصاحبة الماضي، حاول أن تصاحب المستقبل.
بيريرا: يا لها من عبارة جميلة: "صاحب المستقبل!" يا لها من عبارة جميلة! ما كانت لتخطر ببالي أبداً... ثم لدي أنت، يا دكتور كاردوزو، أنت الذي أحب الحديث معه الآن، وكذلك في المستقبل، ولكنك ستتركنا. ستتركني، ستتركني هنا في هذه الوحدة، أنا ليس لي أحد إلا صورة زوجتي.
كاردوزو: أستطيع الحديث معك في سان مالو إذا زرتني يا دتور بيريرا، لا أظن أن القدر قد كتب لك العيش في هذا البلد، ثم إنك ترزح فيه تحت عبء ثقيل من الذكريات، حاول أن ترمي "أناك العليا" في المزبلة، وأفسح المجال لـ "أنا المهيمنة" الجديدة، ربما نستطيع أن نلتقي في ظروف أخرى، وتكون أنت إنساناً مختلفاً... إلى اللقاء قريباً، دتور بيريرا، آمل أن أراك في فرنسا أو في أي بلد آخر من هذا العالم الفسيح، وأوصيك أن تفسح مكاناً لـ "أنا المهيمنة" الجديدة، دعها تولد، إنها تحتاج إلى أن تثبت نفسها.

*   *   *

زعم بيريرا في صباح اليوم التالي أن رئيسه اتصل به يسأل عنه، ويعاتبه على عدم حضوره لمقر الصحيفة الرئيسي، ثم سمع سكرتيرته تدخل على الخط وتقول له:"عذراً سيدي، لديك مكالمة من الحكومة المدنية، يبدو أنه أمر عاجل". استأذن المدير بيريرا ووعده أن يعاود الاتصال به خلال عشرين دقيقة.

أخذ بيريرا حماماً سريعاً وشرب قهوته ثم ذهب إلى صورة زوجته: "اتصل بي رئيس التحرير، يبدو لي أنه يلف حول العظمة، ولكنه لم يعضها بعد، لا أفهم ماذا يريد مني، ولكنه ينوي العض، ما قولك؟ ... حسناً، الصبر، سنرى ماذا يريد، أنا لا أفعل شيئاً عدا ترجمة قصص فرنسية من القرن التاسع عشر".

جلس بيريرا وفكر في أن يكتب عن ريلكيه(2)، ولكن لم تكن لدية نية راسخة أن يكتب شيئاً عنه، فليذهب إلى الجحيم ذلك الرجل الأنيق المتكبر الذي صاحب المجتمع المترف. بدأ في ترجمة بعض الجمل من رواية برنانوس، فوجد الأمر أكثر تعقيداً مما كان يظن، وهو ما يزال في الفصل الأول ولما يدخل بعد في لب القصة، وهنا رن الهاتف: "صباح الخير من جديد، دتور بيريرا، السيد رئيس التحرير معك". انتظر بيريرا بضع ثوان ثم سمع رئيسه يقول: "حسناً يا دتور بيريرا، ماذا كنا نقول..."

دار بين بيريرا ورئيسه نقاش ساخن، استدعي على إثره بيريرا لمقر الصحيفة. ولكنه قبل أن يذهب إلى رئيسه مرّ على مقهى أوركيديا. كانت الساعة الثالثة ظهراً، وكان النادل يخلي الطاولات. خاطبه مانويل قائلاً: "تفضل يا دتور بيريرا، لن يخلو مطعمنا من شيء نقدمه لك أنت بالذات كلما جئتنا، لا أظنك تغدّيت، إنها صعبة حياة الصحفيين". ردّ بيريرا: "نعم، ولا سيما الصحفيون من أمثالنا الذين لا يعلمون شيئاً عما يجري... ما آخر الأخبار؟"

تكدر بيريرا من الأخبار التي سمعها من مانويل عن تطورات الحرب الأهلية في إسبانيا، فزاد في طلب عصير الليمون، ثم توجه إلى مقر صحيفة "لسبوا" لمقابلة رئيس التحرير وهو لا يعرف سبباً لغضبه، وهو قلما يذهب إلى مقر الصحيفة، ورئيسه لا يتدخل عادة في شؤون الصفحة الثقافية، ونادراً ما يطلع عليها.

بعد مقدمة قصيرة من المجاملات، استأذن فيها رئيس التحرير بيريرا أن يرفع الكلفة بينهما في الخطاب، دار بينهما الحديث التالي:
رئيس التحرير: هذا ما لم أكن أتوقعه منك يا بيريرا.
بيريرا : لم تتوقع مني ماذا؟
رئيس التحرير: مديح فرنسا، لقد أثار استياءً كبيراً في الأوساط النافذة.
بيريرا: أي مديح لفرنسا؟
رئيس التحرير: بيريرا! أنت نشرت قصة لـ ألفونس دوديه تتحدث عن الحرب مع الألمان، وتنتهي بهذه العبارة: "عاشت فرنسا".
بيريرا: إنها قصة من القرن التاسع عشر.
رئيس التحرير: لكنها تتكلم عن الحرب ضد ألمانيا. لا أظنك تجهل أن ألمانيا حليفتنا.
بيريرا: حكومتنا لم تدخل في تحالفات مع أحد، ليس رسمياً على الأقل.
رئيس التحرير: كفى يا بيريرا، زن الأمور بالعقل، إن لم توجد تحالفات يوجد تعاطف، تعاطف كبير، نحن نفكر في السياسة الداخلية والخارجية مثل الألمان، وندعم القوميين في إسبانيا مثلما تفعل ألمانيا.
بيريرا: لم يعترضوا في الرقابة، وتركوا القصة تمر بسلام.
رئيس التحرير: الذين يعملون في الرقابة جهلة، أميون. رئيس الرقابة شخص ذكي، وصديقي، ولكنه لا يستطيع قراءة جميع مسودّات الصحف البرتغالية بنفسه، والآخرون مجرد عمال، رجال شرطة مساكين يتقاضون أجراً لقاء منع مرور كلمات هدّامة مثل: اشتراكية، شيوعية، وليس باستطاعتهم أن يفهموا قصة لـ دوديه ختامها "عاشت فرنسا". نحن الذين يجب أن نكون يقظين، نحن الذين يجب أن نكون حذرين، نحن معشر الصحفيين الذين نملك الخبرة التاريخية والثقافية. يجب علينا أن نراقب أنفسنا.
بيريرا: أنا مراقَب، في الحقيقة يوجد من يراقبني.
رئيس التحرير: وضح كلامك يا بيريرا، ماذا تقصد؟
بيريرا: لقد أصبح لدي بدّالة، لم تعد المكالمات تأتيني مباشرة، مكالماتي كلها تمر عبر شيلستي، بوابة العمارة.
رئيس التحرير: هذا ما صنعوه في كل مكاتب التحرير، فإذا كنت غائباً يقوم شخص أخر بتلقي المكالمات والرد عليها نيابة عنك.
بيريرا: نعم، ولكنني متأكد أنها مخبرة للبوليس.
رئيس التحرير: كفى يا بيريرا. البوليس يحمينا، يسهر على راحتنا، عليك أن تكون ممتناً له.
بيريرا: أنا لست ممتناً لأحد، سيدي الرئيس، امتناني مقصور على التزامي بمعاييري المهنية، ولذكرى زوجتي.
رئيس التحرير: يجب أن نكون دائماً ممتنين للذكريات الجميلة، ولكن، يا بيريرا، عليك أن تريني الصفحة الثقافية قبل نشرها، هذا ما أفترضه.
بيريرا: لكن سبق أن قلت لك إن القصة تتحدث عن روح وطنية، وقد وافقتني مؤكداً أننا في هذا الوقت نحتاج إلى روح وطنية.
رئيس التحرير: روح وطنية برتغالية، لا أدري إن كنت تفهمني يا بيريرا، نحتاج إلى روح وطنية برتغالية، وأنت لا تفعل شيئاً إلا ترجمة القصص الفرنسية، والفرنسيون لا يتعاطفون معنا...

*   *   *

احتدّ الجدال بين بيريرا ورئيسه، ولكن الأمر لم يصل إلى حد القطيعة، فرئيسه كبقية الثعالب السياسية في كل عصر ومصر ممن يحرصون على إبقاء شعرة معاوية مع من تُخشى أقلامهم وألسنتهم. هل تدوم شعرة معاوية طويلاً؟ أو بعبارة أخرى: هل سيحسن بيريرا الإمساك بالطرف الآخر من الشعرة الآن، وقد بدأت الحياة العامة تخطو خطواتها الأولى، لتدخل عالمه الخاص ومعتكفه الأدبي بين تراث الماضي وسكون الموتى وصمت المقابر؟ في حلقتنا القادمة شيء مما يجيب عن هذه التساؤلات.
________________________________________________

(1) Sincretista/syncretist، (التوفيق) هنا جاء ت بمعناها الاصطلاحي، أي من أتباع الحركة التوفيقية، الداعية إلى التوفيق بين المعتقدات الدينية، أو المذاهب الفكرية.
(2)   Rainer Maria Rilke (1875-1926) شاعر نمساوي ولد في براغ.


         
         

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home