Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Youssef El-Megreisi

Saturday, 8 March, 2008

 

ثوابت الاستبداد
(2 من 2)

يوسف المجريـسي

ليس هناك شيء ينهض بالأمم والشعوب إلا حرية النقد والبحث العلمي، بما فيه نقد الثوابت، فلو راعى الرسول عليه الصلاة والسلام العقائد والأعراف السائدة في عصره ولم يخرج عليها لما وصل إلينا الإسلام، فقد اعتادت كل أمة أن تقول لمن يأتي بالجديد: "ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين".

لا إكراه في الدين، ولا سلطان على العقول والقلوب. وما يؤمن بالخطوط الحمراء على الفكر وحرية الاعتقاد إلا طاغية مستبد، سواء كان في السلطة أو خارجها. إن الجدال والخصام وتصادم الأفكار من سنن الحياة، وقد حدثت المخاصمات والمناظرات في الملأ الأعلى في صفوف الملائكة قبل خلق سيدنا آدم: "ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون"، وستستمر حتى يوم الحشر: "إنك ميت وإنهم ميتون، ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون".

قرآننا العظيم نفسه مليء بمئات الآيات من أقوال الكفار والمشركين وحججهم، بل باستهزائهم بالله ورسله وكتبه. إنه ضد الطبيعة والنواميس إذا توقعنا أن نعيش في عالم خال من الكفر والمعاصي والاستهزاء بالله وآياته ورسله، وألا نسمع فيه إلا ما نحب ونرضى. وإلا كان علينا أن نبحث عن أرض غير هذه الأرض وبشر غير هؤلاء البشر، وأن نبحث عن سنن ونواميس غير التي فرضها رب هذا الكون، وهيهات هيهات. فالملأ الأعلى، حيث الله وملائكته، لم يخل من العصيان والتمرد، فهل سيخلو في أرض بدأ تاريخها بقتل أخ لأخيه؟ ألم يأذن الله لمن عصاه أن يوسوس لنا إلى يوم القيامة،(1) ومكنه من أن يرانا ولا نراه؟ هل نحن أكثر حكمة أو أحرص على الدين من ربه؟

من حق الفرد أن يكفر بما يشاء، مادام لا يفرض كفره على الآخرين بقوة السلاح، لأن حق الكفر أعطاه الله للإنسان، وليس لأي أحد الحق في نزع حرية الكفر من أحد، وفرض الإيمان بقوة السيف.

إذا كنا نعد الإسلام نعمة من نعم الله، فلماذا نفرض هذه النعمة على من لا يستحقها، أو على من أصر على الكفر بها؟ لا يفعل هذا إلا طاغية جبار يريد أن يتعدى حدود الله. فمن أراد فرض الإسلام على الناس بالقوة فليس هناك فرق بينه وبين الذي قال: "أنا أحيي وأميت"، فهو يريد عملياً أن يتدخل في شأن خصّ الله به نفسه: "يضل الله من يشاء، ويهدي من يشاء". فكما يستطيع الطاغية أن يحيي ويميت بقوة السلاح، يستطيع أن يهدي ويضل بقوة السلاح. وأي كفر أعظم من منازعة الله في شيء خص به نفسه. وهنا تكمن حكمة الله تعالى في أن مكن الشياطين من أن ترانا ولا نراها، ولو رأيناها لفعلنا بها الأفاعيل، وفرضنا عليها الطاعة والامتثال للأوامر الربانية بقوة السلاح.

ما برح الإنسان منذ وجد يبحث عن نشأة الكون، ويتساءل عن مبدأ الوجود وأسبابه، ودوافع الخير والشر، عن سر الحياة والموت، والعقل والروح، والاختيار والجبر، وغيرها، ويضع كل شيء تحت مجهر النقد حتى وجود الخالق، وتحليل قدرته وصفاته. وقد مر سيدنا إبراهيم عليه السلام بهذه المرحلة كما جاء في القرآن الكريم، ولم ينقص من مكانته شيء عند الله بسبب شكوكه وتقلباته، ثم بعد إيمانه طلب من الله أن يريه كيف يحيي الموتى ليطمئن قلبه. وهكذا فعل الحواريون عندما طلبوا أن تنزل عليهم مائدة من السماء. إذا كان المطلوب حقاً، من المهد إلى اللحد، ألا نتساءل عن الخالق وقدرته، فما الحكمة في أن يقص الله علينا هذه القصص، أو أن يستجيب لطلبات أنبيائه أصلاً؟

كثير منا يظن أن الدعوة هي أن تأتي لرجل يخاف الله ويصلي ويصوم، فتجنده للإخوان أو طالبان، أو لهذه الطريقة الصوفية أو تلك، أما الشاك أو الملحد فلا أحد يقترب منه، وكأن الرسول صلى الله عليه وسلم بُعث لأقوام يصلون ويزكون، فأمر بتأسيس تنظيم إسلامي لتجنيدهم.

إن الأعمال بخواتيمها، ولا يدري الإنسان كيف تقوده تقلبات الحياة وتجاربها إلى ما يموت في النهاية عليه. بعض الصحابة كانوا قبل إسلامهم من أشد الناس عداوة لدين الله، ومنهم من همّ بقتل الرسول صلى الله عليه وسلم. وعشرات من قادة العمل الإسلامي اليوم كانوا من عتاة الماركسية والشيوعية، وعشرات ممن كانوا محسوبين على الحركة الإسلامية يقفون اليوم في صفوف الطغاة، ويزينون لنا أعمالهم، بل غدوا هم الطغاة أنفسهم. أوليس جزار دارفور تلميذاً من تلاميذ الترابي، والحركة الإسلامية السودانية هي التي أوصلته إلى السلطة؟

إن أمة أمرها ربها أن تجير حتى المشرك المحارب إذا استجارها لهي أحق بأن تكون رائدة في صون حقوق الإنسان بدلاً من هذا القمع الذي نراه في كل أوجه حياتنا. الفكر لا يواجه إلا بالفكر، وليس بالقمع والتنكيل، أو بوضع الدساتير التي تحد من حرية الرأي وتكميم الأفواه والألسنة باسم حماية "ثوابت الأمة".

النقد بمفهومه العلمي غير مسموح به في مدارسنا، فالتلميذ يتعلم من الصغر إعادة أقوال المدرس وتكرار آرائه، وكلما ازداد حفظ الشخص للنصوص ازداد إعجاب الناس به، حتى إنّ درس الأدب كان يسمى عندنا في مراحل التعليم الأولى، وربما لا يزال، حصة "المحفوظات". وما كانت هكذا سنّة من فهموا الإسلام حق فهمه. يروى أن عدد الصحابة الذين حفظوا القرآن كله لم يتجاوز أربعة. وينقل عن ابن مسعود قوله: "كنا نعد من يقرأ البقرة وآل عمران من الفحول". واليوم نرى المسابقات لحفظ القرآن الكريم تقام سنوياً في ربوع الأرض، يشارك فيها أطفال من أنحاء العالم لا يفقهون جملة واحدة مما حفظوا، لجهلهم التام باللغة العربية، ولم أسمع مرة عن مسابقة تجري حول تفسير معاني القرآن رغم أن الله أمرنا بتدبر القرآن لا بحفظه. فالتفسير محتكر على الشيوخ، وكأن الله أنزل علينا أحجية وطلاسم وطلب من شيوخنا فكّها لنا. لقد وصل احتقار العقل والرأي عندنا إلى درجة الزعم أنه من فسر الدين برأيه وأصاب فقد أخطأ. هذا بالإضافة إلى المقولة الفاسدة "الدين بالنقل وليس بالعقل"، هل كان رئيس قسم الحديث في جامعة الأزهر يخرج علينا بفتوى إرضاع الكبير، ويتكلم مفتي مصر عن تبرك الصحابة ببول الرسول لو شغّلا عقليهما، أو تلقيا في الأزهر شيئاً من علوم النقد؟

في مدارسنا غير مسموح للتلميذ أن يفهم نصاً من النصوص بصورة تختلف عن فهم المدرس أو عن التفسير الموجود في الكتاب، بما فيها الأمور التي تتعلق بالشعر والأدب، وهي مما يتفاوت الناس عادة في فهمه وتحليله وتذوقه. فأغلب المناهج عندنا تصاغ حسب أهواء الدولة واتجاهاتها، وهي عبارة عن غسيل مخ لا علاقة له بالعلم والتعليم. فأكثر المواضيع أو الأسئلة التي تناقش في الفصول، أو يمتحن فيها التلميذ في العلوم الإنسانية، هي من النوع الذي يختبر ذاكرة التلميذ وليس فهمه. وعادة ما تصاغ الأسئلة بصورة غير علمية، فإذا كان الطالب من إحدى الدول العسكرية أو التقدمية سيقابله سؤال من نوع:"عدد مظاهر الفساد والانحلال التي أدت إلى سقوط الإمبراطورية العثمانية". وإذا كان من إحدى الدول الملكية أو الرجعية يصاغ السؤال بهذه الصورة: "اذكر دور الماسونية ويهود الدونمة والمؤامرات الخارجية في سقوط الخلافة العثمانية". وهكذا ترى أن صياغة السؤال على هذا النحو قد فرضت الإجابة المرجوة على التلميذ فرضاً وقسرته عليها قسراً. وهذه هي أولى دروس الخضوع للدكتاتورية يتلقاها المواطن منذ نعومة أظافره. والعلم نور إلا في بلادنا. فآخر شيء يسأل عنه الطالب هو رأيه الخاص في أسباب نهاية الحكم العثماني، أو يجهد ذهنه في تحديد مزايا هذا الحكم أو ذاك. وهاكم نماذج من هذه الأسئلة من بعض المناهج العربية:
• ما هي إنجازات الثورة؟
• عدد عوامل اليقظة العربية في العصر الحديث؟
• لقد كان للسبئيين دور كبير جداً في الفتنة على عثمان بن عفان والحروب التي تلتها. من هم السبئيون وكيف لعبوا دورهم؟
• كيف خان القصر والإقطاعيون الثورة العرابية وساعدوا في دخول الإنكليز إلى مصر؟
• وضح مبدأ تدخل الدولة في ملكيات الأفراد وشروطه، ومشروعية الاستيلاء على الأموال الأجنبية.(2)

كل هذه الأسئلة كما ترى إيحائية (كما تسمى في علم التربية) أي تتضمن الجواب وتقتضي من الطالب أن يعيد بأسلوبه الخاص ما درس في الكتب. فالطالب الذي يريد النجاح لا يمكن إلا أن يساير الممتحن ويوافقه على رأيه. هل يستطيع طالب أن يجيب عن السؤال الأول بالآتي: "لم أر المنجزات المزعومة إلا في الكتب المدرسية المفروضة علينا، أما خارج المدرسة فلم أر في بلدي إلا خرائب بعضها فوق بعض"، ثم يضرب الأمثال في أزمة الإسكان والمواصلات، وتدني التعليم والصحة، وغيرها من الخدمات العامة؟ وهل من حقه أن يتعجب من السؤال الثاني ويرد على الممتحن سائلاً: "أين هي هذه اليقظة؟ سلني عن عوامل الغفوة العربية وسأسوّد لك فيها ما تشاء من الصفحات".

أما التلميذ في العالم الغربي فيعرض عليه عرضاً موضوعياً عدة نظريات علمية، بما فيها نظرية داروين، ويشجع على نقدها وإبداء رأيه فيها، فينزعون منه الرهبة من نقد أعمال كبار العلماء والفلاسفة. وتتوجه الأسئلة إلى ذكاء الطالب ورأيه، وهي من هذا النوع:

• ما رأيك في الوصايا العشر؟
• ضع عشر وصايا من عندك ترى أنها جديرة بالإتباع.
• قرار الحرب على العراق صح أم خطأ؟ علل.

هذه الأسئلة ليست اختراعاً من عندي، بل واجهها أبنائي الثلاثة في المرحلة الابتدائية في بريطانيا. فابنتي عندما كانت في السنة الأخيرة من المرحلة الابتدائية، وكان غزو العراق حديث الساعة، قسم مدرسها فصلها إلى مجموعتين: المجموعة الأولى طلب منها أن تناصر الحرب، والثانية طلب منها أن تناهض الحرب، وقال للتلاميذ عدوا أنفسكم أعضاء في البرلمان البريطاني، وليجادل كل واحد فيكم عن رأيه. وقد يجد تلميذ نفسه مع الذين يناصرون الحرب وهو مناهض لها، والعكس صحيح. والفكرة هي أن يُعلم التلميذ من صغره أن يضع نفسه في مكان خصمه، ويجادل بقوة حتى عن الرأي الذي يخالفه، ومن ثم ينشأ عنده الثقة بالنفس واحترام الرأي الآخر من صغره.

لقد اطلعت على كثير من الكتب المدرسية في البلاد العربية فوجدت أن أغلب المواضيع التي تثار في مدارسنا لا يمكن أن تأتي بإجابة يكون أساسها الحجاج، "argument"، أي مقارعة الحجة بالحجة، أو تسمح للطالب بأن يعترض على شيء، لأن رأي الطالب دائماً محتقر عندنا، فمن هو حتى يسمح له بالنقد أو الاعتراض؟ إن التقليل من أهمية الطالب لأنه لم يولد في القرن الهجري الأول أو الثاني يقتل روح الإبداع عنده، ولا يمكن أن ننمّى ملكة النقد عنده مادمنا نرسخ في ذهنه قناعة أن العبقرية خص الله بها أهل القرون الأولى من دون العالمين، وأنه مستحيل على الأمة أن تنجب اليوم فقيهاً أعلم من مالك أو الشافعي. من ينشأ في مثل هذه البيئة سيرى دائماً أن الماضي أعظم من الحاضر والمستقبل، وسيكتفي بقراءة كتب الأولين، ويعمل جاهداً على العودة بالناس إلى الماضي. ومن يترعرع في هذا الجو فلن يستطيع أن يتصدى للمناظرات العلمية المعاصرة، وإن جادل فلن يأتي بجديد، وسيعيد الكلام نفسه الذي حُفّظ له، ومن ثم لا يستطيع اللحاق بعصره أبداً.

لا أحد منا يستطيع أن يستبشع حادثة اتفق الناس على استحسانها، أو يستحسن واقعة أجمعوا على استبشاعها. ولهذا تجد الشيعي ينشأ على بغض عمر بن الخطاب، وكأنه كان إبليس عصره، والسني ينشأ على تقديسه وكأنه كان ملاكاً أنزله الله من السماء. لو جلست إلى شيعي يوماً كاملاً فلن يقتنع بفضيلة واحدة للفاروق، ولو فعلت ذلك مع سني فمن الصعب أن تزحزح إيمانه بحديث من الأحاديث الموضوعة في فضائل عمر. فإلى اليوم، يصدق السني أن الشيطان فر من عمر ولم يفر من الرسول، هذا الأمر ينظر له من زاوية واحدة: وهي مكانة عمر الرفيعة، ولا ينظر له أبداً من الزاوية الثانية: وهو التقليل من هيبة الرسول ومكانته. إن وجود الرواية في كتب الأحاديث تقطع علينا الطريق لاستبعاد الواقعة، ولو بتحليل النص استناداً إلى عدة آيات من القرآن الكريم، دع عنك أن تحلل الواقعة وتفندها بالعقل والمنطق.

إذا فتحنا الباب أمام النقد والآراء المخالفة، مهما كانت زائغة، فهو الذي سيلحقنا بالحياة العلمية والفكرية المتقدمة عند بقية الأمم. والقرآن نفسه، الذي نتعبد بقراءته، ملئ بأقوال اليهود والمشركين والمنافقين والمستهزئين:"وقالت اليهود يد الله مغلولة". "لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء". "لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذل".(3) هل نطالب من مقص الرقيب أن يحذف من القرآن الكريم هذا التطاول المشين على الله ورسوله؟

لا سبيل لتقدمنا إلا بإحياء روح النقد والاجتهاد وصون حرية الرأي، وإفساح المجال للمناظرات الفكرية مهما كان نوعها، حتى لا تفر العقول من أوطاننا بحثاً عن الحرية والأمان في الدول الأخرى. فما حاجتنا للعلماء إذا كانوا مجرد أوعية حفظ، يرددون أقوال الأولين ولا يشغلون عقولهم لمواجهة القضايا المعاصرة؟ إن قرصاً مدمجاً واحداً يكفي اليوم لحمل ما في بطون عشرات من كتب الحديث والتفسير. فأي شيخ يعتمد على حفظه ولا يستخدم عقله في النقد والتحليل والاجتهاد سينتهي دوره عاجلاً أم آجلاً، لأنه لن يكون أفضل من مسجل من ماركة "سوني" أو "توشيبا".

ليس لنا أيام نفتخر بها على بقية الأمم غير الأيام التي انتشرت فيها المناظرات بين المعتزلة وأهل الحديث، وبين الفلاسفة وخصومهم، وبين الشعراء فيما بينهم. فالازدهار في ذالك العصر لم يقتصر على نبوغ المسلمين في العلوم الإنسانية والطبيعية، وإنما امتد ليشمل انتشار فرق ومذاهب سياسية ودينية وأدبية وفكرية لا حصر لها. كانت الحياة الفكرية في بعض فترات العصر العباسي، والعصر الأموي في الأندلس، لا تختلف كثيراً عن الحياة الفكرية السائدة اليوم في أوروبا. وعكست دواوين الشعراء حياة تلك الحقبة، فيمتلئ بعضها بالزهد والوعظ، وبعضها بالخمريات والشذوذ، وبعضها بالتملق والنفاق، وبعضها بالعصيان والثورة، وبعضها بالإلحاد والزندقة. فشاعر المعرة كان لا يفتأ يغمز في قناة الدين، وحسبك قوله:
ولا تحسب مقال الرسل حقاً      ولكنْ قولُ زور سطروه
وكان الناسُ في عيش رغيدٍ      فجاؤوا بالمحال فكدّروه

وقوله:
ديـنٌ وكفـرٌ وأنبــاء تقــصُّ        وقرآنٌ ينصُّ وتوراة وإنجيلُ
في كل جيل أباطيلٌ يُدانُ بها      فهل تفرّد يوماً بالهدى جيلُ؟

ومن لم يقرأ "رسالة الغفران" للمعري فلا بد أنه سمع بها. فالرسالة ظاهرها جد وباطنها هزل، وكان هدف المعري من رسالته إلى ابن القارح هو السخرية من أهوال يوم القيامة والجنة والنار، فأدخل شعراء في الجنة وشعراء في الجحيم، ويسأل كل من يلاقيه في الجنة هذا السؤال:"بم غفر الله لك؟"، وكل من يلاقيه في الجحيم:"لـمَ لم يغفر الله لك؟" ولهذا سميت رسالته "رسالة الغفران". ولولا سبق "رسالة الغفران" لـ "الكوميديا الإلهية" لاتهمنا المعري بأنه شعوبي مدسوس، وتلميذ من تلاميذ دانتي.

أما ديوان المتنبي فيمتلئ بعشرات الأبيات التي تهزأ بالله ورسله، ويضع نفسه في مرتبة بعض الأنبياء والرسل، ولهذا لقب بالمتنبي. وحسبك قوله:

أي محل أرتقي           أي عظيـم أتقـي
وكل ما خلــــق    الله    وما لـم يخلــق
محتقر في همتي          كشعرة في مفرقي

يحتقر المتنبي خلق السموات والأرض ومن فيهن، ولم يفكر أحد من الأوائل بحذف شيء من ديوانه، على حين أن التراجم الثلاث التي صدرت "للكوميديا الإلهية" بالعربية في السنوات الخمسين الماضية حذف منها الأبيات التي وضع فيها دانتي سيدنا محمد وعلي بن أبي طالب في الجحيم. وبسبب مقص الرقيب، يطلع كثير من أدبائنا على "الكوميديا" بالعربية، ويشيدون بصاحبها، دون أن يعرفوا شيئاً عن كرهه الشديد للإسلام، بل إن هذه الأبيات هي المفتاح الرئيسي لإثبات أن فكرة الكوميديا أخذها الشاعر الإيطالي من قصة الإسراء والمعراج.(4)

تخيلوا الأدب العربي بدون المتنبي، تخيلوا لو منع شعره ولم يصلنا منه شيء. تخيلوا إيطاليا بدون دانتي، أو بريطانيا بدون شكسبير. طبعاً هذا الأمر لا يمكن أن يستوعبه جاهل بدور الأدب وتطور اللغات في حياة الشعوب. إذا أردنا أن نطهر الأدب العربي مما لا يوافق ديننا فلن يبقى لنا من الشعر إلا ما تركه لنا شعراء الطبقة الثالثة. قد لا يدري بعضنا أن كثيراً من الأمثال والحكم التي يستشهد بها العرب هي أبيات وأنصاف أبيات للمتنبي. يقول المعري، وله كتاب في شرح ديوان المتنبي: كأنما نظر المتنبي إليّ بلحظ الغيب إذ يقول:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي      وأسمعت كلماتي من به صممُ

وأستطيع أن أؤكد الشطر الثاني من البيت، حامداً الله أن جنبني تحمل وزر الشطر الأول.

وعلى الرغم من الملك العضوض، وكثير من المظالم التي وقعت في ذلك العصر، فقد ترك لنا ثروة علمية وفقهية وأدبية ولغوية جعلت المؤرخين يطلقون عليه بحق اسم: العصر الذهبي للإسلام. فهل كان لهذا الازدهار أن يحدث لو حكم المسلمين في ذلك العصر غلاة يحملون عقلية الملا عمر وزمرته؟ هل كان هذا سيحدث لو منعنا حركة الترجمة والاطلاع على ثقافات الشعوب الأخرى بحجة صد الغزو الثقافي، ومنع المنحرفين من نفث سمومهم في عقولنا والتطاول على ديننا؟ إن ما ينشره الغرب طعناً في ديننا ما هو إلا قطرة من بحر ما هو منشور في كتب تراثنا ومتداول في مكتباتنا، وأغلبها دوّن في العصور التي نتباهى ونتغنى بها، ولولا أنها أسفار محسوبة على التراث لما سمح بتداولها في أغلب بلاد المسلمين.

هذا الازدهار لا نتغنى به إلا لأنه من الماضي، لو عاد إلينا اليوم لحاربناه بدون هوادة. لو بُعث اليوم أعلام ذلك العصر لاتهمنا الشافعي بموالاة الرافضة، ولطلبنا بمصادرة قصائد شاعر المعرة — "أعمى البصر والبصيرة"، ولأهدرنا دم المتنبي، ولفرقنا بين الجاحظ وزوجه، ولأصدرنا أمراً باعتقال كل معتزلي، ولناشدْنا الإمامَ الغزالي عدم الرد على الفلاسفة أو "الزنادقة"، ولتمت تصفية ابن رشد جسدياً، ولصادر الأزهر كتب ابن سيناء، ولوجد الفارابي نفسه لاجئاً في أوروبا، أو في إحدى الأمريكتين مثلنا.

لا يماري أحد في أن بعض الفقهاء والشعراء والمفكرين اضطهدوا وجلدوا وقتلوا ظلماً في ذلك العصر، ولكن هذا الظلم ليس بشيء لو قسناه بمقاييس ذلك الزمن، وقارناه بما كانت تعانيه الشعوب الأخرى حيث كان أهل الفكر يحرقون ويمثل بهم أحياء في الساحات والميادين العامة، وبما نراه اليوم في بلادنا الإسلامية حيث يقضي الإنسان جل عمره وراء القضبان بسبب كتاب ممنوع وجد في حوزته، أو يقطع إرباً بسبب نصيحة أسداها تلميحاً لأحد المسؤولين من الدرجة الثالثة. بل إن بعض المظالم السائدة في ذلك العصر نراها اليوم حتى في البلاد الغربية، فقد شاهدنا همجية بعض أفراد الجيش الأمريكي في سجن أبو غريب، ورأينا كيف يطلق على مواطن برازيلي بريء في لندن ثماني رصاصات في الرأس،(5) وما صاحبها من كذب وتضليل للشعب البريطاني، ورأينا كيف تحتجز أمريكا في سجن غوانتانامو بدون محاكمة مئات المسلمين الأبرياء في أقفاص لا تليق حتى بالحيوانات.


بوش : "السجناء العراقيون يعذبون".
رامسفيلد:"أرأيت؟ لقد بدأت الأمور تعود إلى وضعها الطبيعي"

إن النقد والنقاش الفكري، وكذلك التشكيك في العقائد والأديان، يختلف تماماً عن السب والاستهزاء والخوض في أعراض الناس وحياتهم الشخصية، سواء أكانوا أحياءً أم أمواتاً، وهو ما نهانا الله عنه، ونحن لا نرضى من الآخرين، بالمقابل، أن ينالوا من ديننا أو رسولنا بالسخرية والاستهزاء. فلا يسخر من رجال شهد لهم التاريخ بالسمو الفكري أو العلمي أو السياسي أو الأدبي أو الفني، سواء أكانوا مسلمين أم ملحدين، إلا جاهل أو شبه متعلم. فلو استهزأ شخص، مهما كانت عقيدته، بأرسطو، أو دا فينشي، أو شكسبير، أو نيوتن، أو غاندي، أو آينشتاين، لاتهم بالجهل والتخلف، فكيف برجل آمن بدعوته مئات الملايين من البشر من شتى الأجناس، في شتى بقاع الأرض. فلو لم يكن لمحمد بن عبد الله من فضل على العرب غير وقف وأد بناتهم وقتل أولادهم لكان كافياً ليوضع في مقدمة عظماء التاريخ.

إنني أغضب، كغيري من عباد الله، على كل من يستهزىء بالله أو دينه، ولكن تبين لي ولكثيرين غيري، كما رأينا من تجربة سلمان رشدي، أن التنديد بعمل أدبي أو فكري أو سينمائي حين يأخذ بعداً شعبياً أو رسمياً يكون ضرره أكبر من نفعه، فلو ترك سلمان رشدي هو وآياته الشيطانية بدون ضجة، وتولى نقاد الأدب وحدهم الرد عليه – هذا لو كان فيه من الأدب ما يستحق الردّ – لما نال هو وكتابه معشار هذه الشهرة العالمية التي يتمتع بها اليوم. ولا أبرىء نفسي، فقد حملت بشدة على آل سعود لأنهم لم ينطقوا بكلمة في قضية سلمان رشدي، على حين أنهم أقاموا الدنيا بسبب فيلم "موت أميرة"، وكأن عِرض أميرة من أميراتهم أهم وأشرف من عِرض أمنّا عائشة بنت الصديق. ولكن، للأسف، بدلاً من أن نستفيد من هذه التجربة، التي أعطت مردوداً عكسياً، نتمادى في العويل بصورة هستيرية لكل أمر ينال من ديننا، فغدا كل كاتب أو رسّام أو مخرج مغمور يلجأ إلى الإساءة للقرآن أو للرسول إذا أراد أن تنهال عليه الشهرة والثروة، حتى إن كانت أعماله لا ترقى لأي عمل فكري أو فني أو أدبي. فما أصدق الذي قال: "لا أخاف على الإسلام من أعدائه، وإنما أخاف عليه من أدعيائه".

يروى أن المستشرق والمبشر الشهير صموئيل زويمر، الذي أقام في مصر بين عامي 1913-1929، اشتكى لأحد المسؤولين أن إخفاق حملته التبشيرية سببه أن الحكومة المصرية تحول بينه وبين عامة الناس، فجمع له الرجل مئات المصريين من مختلف الطبقات وتركه يخطب فيهم أكثر من ساعتين عن الأناجيل، والصلب، والأب والابن وروح القدس، إلخ. وحالما ختم زويمر كلمته، متوقعاً تصفيقاً حاراً من الحاضرين، وقف أحد الفلاحين منادياً بصوت مجلجل:"وحّدوه" فرد جمعيهم قائلين: "لا إله إلا الله". فنسف الفلاح بكلمة واحدة ما قاله زويمر في ساعتين. أفلم يكن جمعُ الناس لزويمر ليخطب فيهم أفضلَ من منع الناس عنه؟

"حرمة المؤمن أعظم عند الله من حرمة الكعبة". حديث ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تكاد تجد مسلماً إلا ويحفظه، ولكن ما نراه بأعيننا اليوم هو أن ملايين المسلمين لا يساوون حجراًَ واحداً من أحجار الكعبة. فلو وقع اعتداء على الكعبة لرأينا حمماً من الغضب تقذفها براكين المسلمين من طنجة إلى جاكارتا، رغم أنه يجوز هدم الكعبة وإعادة بنائها، ولكن ربما نحتاج إلى قنبلة نووية تنزل على رؤوسنا لتحرك فينا قليلاً من الغضب من أجل دمائنا التي تهدر كل يوم بابتذال ومهانة.

خرج المسلمون في أنحاء الكرة الأرضية للتنديد برسومات الصحيفة الدانمركية، ويوم تعرض المتظاهرون في بنغازي للرصاص في أحداث فبراير 2006، لم تتحرك مظاهرة واحدة في البلاد العربية منددة بمجزرة القذافي، بل إن أكثر الليبيين الذين شاركوا في العويل على الرسومات لم نر لهم وجهاً في المظاهرات الليبية التي نددت بهذه المجزرة. هذه هي جاهلية الأعراب نحياها في عصر الذرة والإلكترون. إنها جاهلية القرن الواحد والعشرين. إنها الوثنية بعينها التي حاربها ديننا: الصراخ والعويل على رموز من حجر أو ورق، كالمساجد والمصاحف، ورسومات ودمى، ومجرد أن يطلق عليها أصحابها اسم "محمد" كفيل بسن الحناجر والخناجر، وإهمال كامل لكرامة الإنسان ودمه وماله وعرضه.

"للبيت رب يحميه" هذا ما يجب أن نعيه. وحقوقنا ودماؤنا وأعراضنا وأموالنا وحرياتنا وكرامتنا هي الخطوط الحمراء حقاً التي يجب ألا يتعداها حتى الحاكم نفسه، وهي الثوابت التي اتفقت عليها البشرية جمعاء، والتي يجب أن نتعلم احترامها وتقديسها، وأن نناضل ونقاتل، ونحيا ونموت من أجلها. ومن عرف هذه الحقوق حق المعرفة فقد فاز من معرفة الإسلام بحظ عظيم.
________________________

1 "أذن" هنا بمعنى أن الله سمح لإبليس وأعطاه الحرية في إغواء آدم وذريته إن استطاع إلى يوم القيامة، كما تنص الآية: "واستفزز من استطعت منهم بصوتك، وأجلب عليهم بخيلك ورجلك، وشاركهم في الأموال والأولاد، وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غروراً".
2 السؤال الأخير من فصل "نظام المال في الإسلام" لمادة التربية الإسلامية المقررة على الصف الثالث الثانوي لسوريا عام 1976-1977، صفحة 222. ولم يذكر المؤلف دليلاً شرعياً واحداً يدعم به دعواه.
3 المقصود بالأذل هو الرسول صلى الله عليه وسلم.
4 تتكون الكوميديا من ثلاثة أجزاء: الجحيم، والمطهر (الأعراف) والجنة، وقد وضع دانتي في جحيمه من المسلمين رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، وعلي بن أبي طالب، وصلاح الدين الأيوبي، وابن رشد، وابن سيناء. وتم حذف البيتين اللذين يخصان الرسول وعلي بن أبي طالب من جميع الترجمات العربية للكوميديا الإلهية، وعددها ثلاث. وقد أخذ شراح الكوميديا الغربيون على صاحبها جهله بالإسلام، لأنه وضع الرسول وعلياً في الأنشودة الثامنة والعشرين، الخاصة بالمنشقين عن المسيحية، وهي تمثل إحدى أسفل الدرجات من النار (أسفل درجة 33)، أي أن الرسول أسس ديناً خاصاً به بعد انشقاقه عن المسيحية. ويستبعد تماماً جهل أحد أعظم شعراء أوروبا بالإسلام، وإنما تعمد جهله بتاريخ الرسول حتى لا يتهم بأن فكرته اقتبسها من قصة الإسراء والمعراج. ففكرة انطلاق دانتي في رحلته من القدس للجحيم والأعراف بصحبة الشاعر فيرجيل، وعدم صحبته له إلى الجنة كونه من أهل الفترة (ولد فيرجيل وعاش قبل ظهور المسيح) تطابق نوعاً ما قصة امتناع سيدنا جبريل عن متابعة الرسول لسدرة المنتهى خشية الاحتراق.
5 رسمت مجلة "Private Eye" الساخرة كاريكاتيراً تعليقاً على هذه الحادثة، يسأل فيه شرطي زميله الذي أطلق الرصاص : "لماذا أطلقت ثماني رصاصات عليه؟" أجابه القاتل: "لأن الذخيرة نفدت!"


 

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home