Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Youssef El-Megreisi

Wednesday, 7 November, 2007

عـلموا أولادكم التمرد والعـصيان وبغـض السلطان

يوسف المجريـسي


العسكر: طوفان خراب وفساد يدمر ولا يعمر*

في مقال "كل جمعية وأنتم بخير" الذي نشر في هذا الموقع منذ سنتين قلتُ:"... لا يوجد شيء يضمن استقرار المعارضة أو تجانسها مع العسكر، حتى إن تمت المصالحة وتمت معها الإصلاحات الشكلية خطوة خطوة، ففي أية لحظة قد ينقلب مزاج الحاكم ويجد المعارض نفسه وراء القضبان، ليس لعدم وجود دستور أو مؤسسات قضائية مستقلة فحسب، بل لغياب خوف الحكام من الشعب تماماً. فالدستور قد يلغى في ثوانٍ ببيان واحد من الإذاعة، وقادة المجتمع المدني قد يطوقون كلهم في الساعات الأولى من الفجر ويقادون بملابسهم الداخلية أو بدونها إلى السجون".

هذا ما حدث بالضبط في الأيام الماضية في باكستان، فلم يكن السماح لبنازير بوتو بالعودة إلى البلاد، واستقبالها بالقنابل، إلا تمهيداً لطعنة الغدر التي كان يبيت لها طاغية باكستان العسكري، فقد جمد دستور بلاده بغتة، وطوق جيشه الفاسد المحكمة العليا، التي كانت ستنظر في شرعية انتخابه، وتم اعتقال عشرات من رجال القضاء وقادة البلاد السياسيين، وإعلان حالة الطوارىء بحجة حماية أمن البلاد من الإرهاب. صنع العسكر كل هذا في سويعات، جهاراً نهاراً، والعالم ما زال يتلقى العزاء في بورما وشعبها.

لا أريد بهذا الاستهلال الحديث عن الإصلاح، فموضوع الإصلاح لم يعد يحتاج إلى نقد أو تفنيد، ولم يعد ينعق بهذا الموال المقزز إلا عبيط أو مرتش، أما المخلصون فقد أدركوا جميعاً أن الخلاص من المستنقعات القذرة يتم بردمها لا بضخ مياه نقية فيها. أما كلامي عن الدستور هنا فلا يحوي شيئاً من المقالات التي قررت عدم نشرها، وأشرت إليها في مقالي "أبجديات منسية في العمل الوطني"، فتلك قضية أخرى تختلف تماماً طرحاً ونقداً.

هذه ليس المرة الأولى التي ينحر فيها عسكر الباكستان دستور البلاد، فلم يمض عامان على تبني دستورها الأول (1956) حتى جمده انقلاب الجنرال أيوب خان عام 1958، ثم اقتدى بسنته الجنرال ضياء الحق فجمد عام 1977 دستورها الثاني الذي تم إقراره عام 1973 في عهد ذو الفقار علي بوتو. فعند أول أزمة سياسية يقفز عسكر الباكستان للسلطة ويلقون بدستور بلادهم في أقرب مزبلة.

والأمر لا يقتصر على باكستان، فالانقلابات العسكرية التي وقعت في العالم الثالث أكثر من أن تحصى، بعضها وقع في بلاد كبرى كنيجريا ومصر والبرازيل والأرجنتين وغيرها، وكان تاريخ دساتير بعضها كالبرازيل والأرجنتين يعود إلى منتصف القرن التاسع عشر. لقد شهدت نيجيريا منذ استقلالها عام 1960 أربعة دساتير، فكانت كل جمهورية جديدة يأتي بها جنرال تلغي الجمهورية التي قبلها. وظلت الدساتير في أغلب دول العالم الثالث تفصل في البرلمانات الصورية حسب مزاج الحكام من إندونيسيا شرقاً إلى التشيلي غرباً، ويتم تعديلها في كل مرة لتزيد من سلطات الحاكم وبطشه.

إن الانقلابات العسكرية غالباً ما تؤدي إلى دمار البلاد وخرابها، سواء نجحت كما حدث عندنا في ليبيا وفي كثير من دول العالم الثالث، أو فشلت كما حدث في إندونيسيا، إذ سبّبَ انقلاب عام 1965 الفاشل هناك بداية مجازر وتصفيات بين جنرالات البلاد، ثم أدى إلى ذبح مئات الآلاف من الأبرياء، ثم اتخذ منه الجنرال سوهارتو ذريعة لعزل الرئيس سوكارنو وإنهاء الحكم المدني وفرض دكتاتوريته العسكرية على البلاد، وقد استمرت أكثر من ثلاثة عقود. إن أقل ما يحدث عند فشل انقلاب عسكري في بلدان العالم الثالث اندلاع القتل والتصفيات في صفوف الضباط، وإعلان الأحكام العرفية، وتجميد الدساتير، والزج بمئات السياسيين ورجال الفكر في السجون. هؤلاء هم العسكر، وباء على الأمم إذا نجحوا، وباء عليها إذا فشلوا.

إن الدستور عامل مهم جداً لتنظيم واستقرار المجتمعات المتحضرة، ولكنه لم يغن شيئاً في أغلب دول العالم الثالث، وقد غدت دساتير هذه الدول أقرب للملابس تفصل على أمزجة الحكام، ويستبدلونها في كل مرة لتعزيز سلطاتهم كما يستبدلون ملابسهم الداخلية.

إنني لا أقلل من أهمية وجود دستور في ليبيا أو في غيرها، ولكن التركيز عليه لن يسقط لنا حكم القذاذفة الفاشي، ولن يحل أزمة المعارضة في المنفى، فقد أعطت المعارضة الوطنية اهتماماً كبيراً للدستور على حساب أمور أخرى أهم وأجدى. لقد خاض شعبنا قتالاً عسكرياً وكفاحاً سياسياً طويلاً قبل أن يتطرق إلى موضوع الدستور، وهذا ما يجب أن تسعى إليه معارضتنا الوطنية في المنفى.

إذا أرادت المعارضة الليبية أن تنهض بالعمل الوطني فيجب أن تركز على برامج نضال قبل كل شيء، وتعيد إحياء نضال الليبيين الوطني في المنفى، وتبثّ روح الكفاح المسلح في الداخل. فالقوة العسكرية الغاشمة التي تتحكم في رقابنا يجب أن تقابلها قوة عسكرية مدنية، لأن العسكر لا يفهمون إلا لغة الرصاص في الحوار. لو كانت لنا قبائل أو تنظيمات سياسية مسلحة فخاطبت سرت بقوة السلاح لما استطاعت قبيلة القذاذفة أن تهيمن على كل شيء في البلاد، وتهوي بنا إلى هذا الحضيض من الفقر والتخلف والفساد.

إن الكفاح السلمي قد ينجح في مواجهة الأنظمة العسكرية الوديعة، ولكن من شبه المستحيل أن ينجح في مواجهة الأنظمة العسكرية الشرسة المستميتة للتشبث بالسلطة وبأي ثمن، فالذي أقسم أن يطارد الرأي الآخر حتى في "سيبريا" لن يسمح به أبداً في عقر داره. وقد رأينا كيف انتهت ثورة الرهبان السلمية في بورما إلى هزيمة ماحقة أمام القوة العسكرية المتوحشة.

ما هي الدوافع التي تجعل العسكري يطلق النار على متظاهرين عزل من أبناء وطنه فيراهم يتساقطون مضرجين بدمائهم، كما حدث مؤخراً في بورما، ثم يذهب إلى بيته فيتناول طعامه بشهية، ثم ينام قرير العين بين أحضان زوجته، وكأنه كان في رحلة لصيد الطيور أو الغزلان؟ إن الإنسان السوي يتألم حتى لو رأى حيواناً يعرج متألماً من إصابة في رجله، فما بالك بإنسان بريء يسقط أمامك مذبوحاً، وله أب وأم، وزوجة وبنون وبنات، وإخوة وأخوات، وجيران وأصدقاء وأقرباء؟ لو حسبنا الأمر لوجدنا أن الميت الواحد من عوام الناس يحزن عليه ثلاثون شخصاً على أقل تقدير، ويكون الحزن أشد عندما لا تكون وفاته لأسباب طبيعية، أو نتيجة حادث وقع قضاء وقدراً، بل ذهب ضحية جريمة قتل عن عمد، ولم يرتكب شيئاً يستحق عليه القتل. إن الجريمة ستظل ماثلة في أذهان أقربائه مدى الحياة.

هل الجندي الذي ينفذ الأوامر بإطلاق الرصاص على المتظاهرين عاجز عن التمييز بين الخير والشر؟ ولو كلف بقتل أبويه أو أولاده أتراه سينصاع للأوامر؟ طبعاً لا. إذن حجة "الأوامر" حجة كاذبة، فالجندي يستطيع أن يرفض الأوامر متى شاء، ولكن الأنانية والجبن والحرص على الوظيفة، ونيل الترقية في سلك الجيش، هي التي تجعله يرتكب الجرائم والفظائع، أما إذا طالت الأوامر عزيزاً عليه فسيعدّ إلى الألف أو المليون قبل تنفيذها.

ما لم تتم إعادة صياغة العقلية العسكرية في العالم الثالث، وتأسيس جيوشها من جديد وفق مفاهيم ومبادىء إنسانية عصرية فلن تضمن الدساتير أبداً حقوقنا وحرياتنا واستقرارنا السياسي إلا على الورق. إن الدساتير لا تحمي الشعوب، وإنما الشعوب هي التي تحمي دساتيرها. وأي شعب يردد المقولة الفاسدة: "من خدعنا بالله انخدعنا له" ويخرج مطبلاً لكل من يرفع له مصحفاً، أو شعارات سياسية رنانة، فلن يحميه ألف دستور. ألم يكن لنا دستور يوم اغتصب العسكر السلطة؟ فما الفائدة من وجود دستور يقره شعب بأكمله ثم يلغيه ضباط صغار مسلحون ببضع بنادق ورشاشات؟ ألم يحدث هذا في بلادنا وفي عشرات الدول الأخرى؟ فمن يضمن ألا يعيد العسكر الكرة كل بضع سنين؟

لقد عارض الرئيس العراقي جلال طالباني مؤخراً حكم الإعدام لوزير الدفاع العراقي السابق سلطان هاشم بحجة أنه كان ضابطاً نفذ الأوامر الصادرة من صدام حسين، فرفض التصديق على الحكم، وقال إنه "عسكري لم يكن يستطيع مخالفة الأوامر". هل نسي طالباني أن تلك "الأوامر" والطاعة العمياء هي نفسها التي تسببت في مجزرة حلبجة وفي كثير غيرها من المجازر والمذابح وإبادة الشعوب عبر التاريخ، ولا تزال البشرية تدفع ثمن "الأوامر" منذ آلاف السنين إلى اليوم؟

ما أحوجنا لشعوب ترفض ظلم الآخرين، وتتمرد على الدولة وقوانينها الجائرة، مهما كلفها من أرواح وتضحيات، ولا ترفع السلاح إلا دفاعاً عن نفسها واسترداد حقوقها المغتصبة. العالم كله لا ينسى أبداً الوقفة الشجاعة التي وقفها الملاكم محمد علي كلاي ضد الحرب في فيتنام، وفضل السجن وتجريده من ألقابه العالمية على المشاركة في مجازر وحرب ظالمة. وقديماً رفض أحد العقلاء المشاركة في غزوة من الغزوات، وقال:
لا والذي منع الأبصار رؤيته      ما يشتهي الموت عندي من له أدبُ
للحرب قومٌ أضل الله سعيهـم      إذا دعتهــم إلـــى نيـرانهـا وثبـوا
ولست منهم ولا أهوى فعالهمُ      لا القتل يعجبني منهـم ولا السلبُ

في مقالي نفسه "كل جمعية وأنتم بخير" قلت: "دعوات الإصلاح لا حظ لها في التغيير إطلاقاً لا من الداخل ولا من المنفى، فالإصلاح السياسي الحقيقي الذي يقود إلى حضارة الأمم ورقيها لا يتم أبداً إلا إذا سبقه إصلاح فكري شامل، وهذا النوع من الإصلاح لا يزال بعيداً عن أمتنا بُعد المشرقين، وهو مرتبط بالشعوب لا بالنخب ولا بالحكام، فالإصلاح الفكري سبق الإصلاح السياسي في الغرب، والنهضة الفكرية هي التي قادت إلى نهاية عصر الأوصياء على الشعوب".

يجب أن نحصن أطفالنا فكرياً من الطاعة العمياء، ونشجعهم على النقد والنقاش والجدال والاستقلال الفكري. ولكي تتحول بلادنا إلى دول ديمقراطية تحترم حرية الإنسان وقراره يجب أن نزرع في أجيال المستقبل روح التمرد على الطغاة، وعصيان أوامر الظالم، ورفض الظلم، ولو كان على آخرين ليسوا من عرقنا أو ملتنا، عسى أن ينتهي على أيديهم هذا الظلام الحالك الذي خيّم قروناً على أممنا التعيسة.
________________________

* اللوحة بريشة الفنان السوري حسن إدلبي. وقد نشرت منذ سنوات خلت في أحد أعداد مجلة "النّقاد" اللبنانية، واللوحة الأصل موجودة الآن في حوزة الكاتب.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home