Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Youssef El-Megreisi

Monday, 6 March, 2006

العـبيد القِِِـرِلـّـى(1)

يوسف المجريـسي

كتب أحمد بك الأنصاري، أحد أعيان طرابلس في القرن التاسع عشر، في "المنهل العـذب في تاريخ طرابلس الغـرب"(2) واصفاً سرت وأهلها: "... وأهلها أخبث الناس، معاملتهم سيئة جداً، لهم أسعار مقررة بينهم. فإذا رست سفينة بمرساهم وكان بها زيت مثلاً، وكانوا في أشد الاحتياج إليه فإنهم يتخذون قرباً فارغة ويسدون أفواهها ويملأون بها الدكاكين يوهمون أصحاب السفينة أنهم غير محتاجين إلى هذا الصنف، فإذا أطالوا المقام بهذا المرسى فإنهم يبيعون بضاعتهم بالأثمان التي قرروها بينهم بلا زيادة. ولدناءة طباعهم يقال لهم (عبيد قرلـّى) نسبة لطير صغير يضرب بشراهته وحرصه المثل، فإنه يكون في الجو كالشاهين ينظر بعين إلى الماء، وبأخرى إلى السماء، فإن نظر سمكة انقض عليها كالسهم، وإن رأى طيراً جارحاً في الجو يقصده هرب منه."

ونحن نخالف مؤرخنا الكبير في تعميمه هذا الوصف على أهل سرت أو أية مدينة أخرى، لكن لا يوجد هناك من ينكر أن سرت أنجبت بطناً خبيثاً هو الذي أخرج لليبيا هذه الطغمة الفاسدة التي شقيت بها البلاد والعباد. لقد سبق أن تطرقت في مقال "موسم الإفاضة إلى سرت"(3) إلى عقلية الـ (bully) ـ عقلية الفتوة، ابن الحارة، الذي يتجبر على الضعفاء، و"يدوسهم بالأقدام" فإذا وجد من هو أقوى منه وأضخم خرّ له راكعاً وأناب.

عقلية الـ (bully)، أو عقلية القرلـّى، هي عقلية القذافي لم تتغير أبداً منذ اغتصابه للسلطة، وها هي الأيام تعيد وتؤكد أن القوة، ولا شيء غير القوة، هي اللغة الوحيدة التي يستوعبها القذافي وقبيله. فلولا انتفاضة برقة لما أطلق سراح السجناء السياسيين مؤخراً. لقد أمر القذافي بعد انتفاضة يناير الطلابية عام 1976 بالتحقيق مع الذين انتهكوا حرمة جامعة بنغازي من رجال الأمن، وبعلاج جرحى الانتفاضة في الخارج على حساب الدولة، وبعدما هدأت بنغازي أعد عدته للانتقام، فقام في إبريل من العام نفسه بتحريض عبيده على تطهير الجامعة مما أسماه "القوى الرجعية"، وأصدر أمراً باعتقال وتعذيب كل الذين شاركوا في انتفاضة يناير، وغدا شهر إبريل من كل عام شهر الانتقام والتصفيات.

لو استجاب شعب برقة لدعوات ضبط النفس وصون الممتلكات التي دعا إليها المتخاذلون في بياناتهم ومقالاتهم في بداية الانتفاضة الأخيرة لكان السجناء إلى اليوم قابعين في سجن بو سليم.

إن الذين تظاهروا في ليبيا لم يحرضهم أحد من المنفى، وإنما تظاهروا غضباً لدماء سفكت عمداً. خرجوا من أجل إنهاء حكم عشائري متخلف لا يراعي كرامة أحد، خرجوا من أجل مستقبل بلادهم، من أجل غد أفضل لكل الليبيين، من أجل صفحة نقية جديدة في تاريخ ليبيا. لقد فارت المنطقة الشرقية، بعد أحداث الجمعة الدامية، غضباً على سرت، ولا علاقة لهذه الغضبة بروما أو كوبنهاجن.

تحية إجلال وإكبار لكل الذين خرجوا يحرقون أوكار النظام الفاسد في مدن برقة وقراها: "ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله، وليخزي الفاسقين".

إن حرمة المؤمن أعظم عند الله من حرمة الكعبة، فهؤلاء الذين يغضبون للممتلكات العامة، ولتنظيماتهم ورموزهم الدينية، إذا مسّها شيء، ولا يغضبون لدماء الأبرياء، إنما يمثلون الوثنية المعاصرة بكل معانيها. فلم نسمع من هؤلاء المتباكين على الممتلكات كلمة واحدة عن مئات الأبرياء الذين ذبحوا في سجن بو سليم، ولا عن الذين سفكت دماؤهم أمام بيوت الله، ولا عن الذين شنقوا في الساحات العامة وفي الملاعب الرياضية، لا شيء عن جرائم القذافي طوال سبع وثلاثين سنة من القهر والفجور والظلم، بل لم نسمع منهم كلمة عن المعالم التاريخية التي هدها القذافي في الشرق والغرب، بما فيها ضريحا شيخ الشهداء عمر المختار، والإمام محمد بن علي السنوسي. ولم نسمع منهم كلمة احتجاج واحدة عن ثروة البلاد الهائلة التي أفرغت في جيوب القذافي وأبنائه وعبيده. وها نحن نراهم يصرخون الآن احتجاجاً على حرق أوكار النظام ومراكز سلطته. "يقتلون الحسين ويسألون عن حكم قتل الذبابة في الحرم!" إنه منطق الورع الكاذب والتقوى الزائفة في كل عصر ومصر، يتكرر بصياغات مختلفة، وأساليب شتى.

ونحن نقول لهؤلاء العجزة: إن لم تعملوا فدعوا العاملين وشأنهم. واعلموا أيها القاعدون أن هؤلاء الأحرار انتفضوا ليحرروكم من العبودية، وتمردوا ليخرجوكم من الذل، وثاروا ليوقظوكم من طول سبات.

أخذ بعض أرذل الكتاب، وبعض ممن ينظرون ويتفلسفون بغير حساب، يشنعون على المعارضة الوطنية موقفها المساند للانتفاضة لأنها تعيش في عزّ ونعيم، وكأن الذي نجاه الله من القوم الظالمين، ويستمتع بالحرية والسترة المالية في المنفى، عليه أن يطالب الشعب الليبي الفقير المستعبد أن يقابل السيئة بالحسنة، وأن يصبر على الضيم والظلم! يريدون أن يحاضر شبعانُ جائعاً في فضائل الصوم، وأن ينصح حرٌ عبداً بمحاسن الرق. ساء ما تحكمون!

إنه جيل الانقلاب المشؤوم، جيل اللغو والسفسطة، الذي أصبح يرى عالي الأمور سافلها، وسافل الأمور عاليها!

ما أطلق القذافي سراح بعض السجناء إلا لتهدئة الأوضاع، ولإعداد الأماكن لنزلاء جدد في سجونه، وإذا نجح في إخماد غضب المنطقة الشرقية واستقرت له الأوضاع من جديد، فإنه سينتقم من برقة وأهلها شرّ انتقام، كما فعل من قبل. وها هو قد سن خناجره بإقالة شكري غانم الذي علقت المعارضة المسطولة الآمال عليه.

من شاء أن يكون سمكة لقرلـّى سرت فليكن، أما شعبنا الثائر فلن يخدره أفيون الإصلاح، الذي أدمنت عليه النخبة ـ نخبة الغفلة والارتزاق السياسي. ولن يرحم شعبنا القذافي وعبيده أبداً، وسيأتي، لا محالة، اليوم الذي ينتقم فيه شعبنا من الحثالة الحاكمة مهما طال الزمن بإذن الله تعالى.
________________________________________________

(1) القرلّى طائر مائي من فصيلة الزرزوريات، يتغذى على الأسماك ومعروف بشدة الحذر.
(2) مكتبة الفرجاني (طرابلس، بدون تاريخ)، ص 119، 120. هذا الكتاب من أهم المراجع في التاريخ الليبي، صدرت الطبعة الأولى منه في الأستانة عام 1899.
(3) http://www.libya-watanona.com/adab/megreisi/ym08014a.htm


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home