Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Youssef El-Megreisi

Tuesday, 5 June, 2007

 

أزمتـنا : حقـائق وأوهـام
( 1 من 2 )

يوسف المجريـسي

إن الحالات التي عاد فيها قادة المعارضة من منفاهم منتصرين بسواعد شعوبهم في العصر الحديث، وبدون تدخلات عسكرية أجنبية، حالات قليلة معدودة في العالم أجمع، أشهرها عودة لينين قائد الثورة البلشفية عام 1917، والخميني قائد الثورة الإيرانية عام 1979، وأكوينو قائد ثورة الفلبين عام 1983، والذي قتل فور خروجه من الطائرة، دون أن تطأ قدماه مطار مانيلا(1).

أما في العالم العربي فلم يسجل التاريخ المعاصر حالة واحدة عادت فيها المعارضة منتصرة من المنفى على أكتاف شعوبها، رغم أنه لا تكاد توجد دولة عربية واحدة إلا ولها معارضون في المنفى يعملون جاهدين على تغيير الحكم فيها. بل إن التنظيمات والأحزاب المعارضة العربية في داخل الأوطان نفسها، العلنية والسرية على السواء، باستثناء السودان، لم تنجح في قيادة أية ثورة شعبية أدّت إلى إنهاء حكم الاستبداد في بلادها، ولا إلى إنهاء أي حاكم بوسيلة من الوسائل السياسية السلمية.

رأينا كيف خاض صدام حسين حرباً دامت ثماني سنوات ضد إيران أنهكت العراق بشرياً واقتصادياً، وكيف تلقى هزيمة نكراء بعد مغامرته الثانية في الكويت. ثم فُرض على العراق مقاطعة ضارية أشد فتكاً وضرراً من المقاطعة الشكلية على ليبيا، ثم كيف واجه طاغية بغداد تمرداً في الجنوب، وثورات مسلحة متواصلة في الشمال، ومع هذا كله لم تستطع المعارضة العراقية أن تزعزع نظام حكمه رغم أن شقها الإسلامي وجد قاعدة انطلاق من إيران، ومدداً غير محدود من حكومتها، والفصائل الأخرى استقبلتها سورية وانهال عليها الدعم والعون من أمريكا وعدة دول عربية وأوروبية. ثم رأينا كيف انتهى حكم صدام تلك النهاية المذلة على يد قوات أجنبية.

لقد حمل لواء المعارضة في المنفى ضد الأنظمة العربية رجال أكثر خبرة وتجربة من المعارضين الليبيين، وعارضوا أنظمة أقل طغياناً من نظام القذافي، وأقل مالاً وزبانية مما بذله القذافي من مال وما جنّده من زبانية لحماية عرشه وبسط سلطانه. وحسبك أن ثلاثة من قادة استقلال الجزائر الخمسة، أحمد بن بلا ومحمد بوضياف وحسين آية أحمد، أخفقوا في إسقاط حكم العسكر من منفاهم، ورجع الثلاثة إلى الجزائر مستسلمين. ولا استطيع أن أحصي أسماء قادة المعارضة المصرية والسورية واليمنية والمغربية والتونسية والسعودية والبحرينية وغيرها، جلهم مروا في بلادهم بتجارب سياسية وحزبية وتنظيمية لم تتوفر لقادة المعارضة الليبية أبداً، ولم يوفق منهم أحد في قلب نظام الحكم لا من المنفى ولا من الداخل.

إنني لا أهدف من هذا العرض إلى ذكر أسباب إخفاق تنظيمات المعارضة العربية أو الليبية في تحريض شعوبها على الثورة والعصيان، أو أسباب رضوخ شعوبنا للظلم والاستبداد، فهذا أمر لا يمكن استيعابه في مقال أو اثنين، وإنما يحتاج إلى دراسات مقارنة وأبحاث تحليلية موثقة لمعرفة أسباب إخفاق تنظيمات المعارضة في إسقاط الأنظمة التي ناهضتها، منذ بداية عصر الانقلابات العسكرية إلى يومنا هذا، واقتراح الحلول المناسبة. وإنما أردت أن أؤكد على شيئين: أولاً، أن المعارضة الليبية ليست المعارضة الوحيدة التي أخفقت في تحقيق هدفها الأساسي، ولا فرض الله عليها أو على غيرها تحقيق النصر. ثانياً، الرد على التحامل الرخيص الذي يصدر عن أقوام لم يقدموا شيئاً للعمل الوطني غير ثرثرتهم المتواصلة، وإذا انتقدوا النظام بكلمة فإنهم يوجهون مثلها، أو أشد منها، للمعارضة الوطنية، وكأن رجال المعارضة هم المسؤولون عن الفساد والخراب التي وصلت إليه ليبيا اليوم.

أقول، وإني على بيّنة تامّة مما أقول، إن إلقاء مسؤولية بقاء القذافي على المعارضة الليبية، أو الادعاء أن استمراره طوال هذه السنين هو بسب عدم التفاف المعارضة حول دستور 51، أو لأنها لم تتخذ الملك إدريس رمزاً لكفاحها، أو لأنها تبنت الكفاح المسلح بدلاً من الكفاح السلمي، أو لأن جبهة الإنقاذ لم تتحد مع بقية فصائل المعارضة الأخرى، كل هذه الأسباب تستند إلى أوهام وأمانٍ، ولا تخلو من سذاجة في النقد وسطحية في التحليل، ومن السهل تفنيدها جميعاً بالحقائق والبراهين.

لا يوجد فصيل معارض ليبي إلا وارتكب أخطاء، بعضها كان جسيماًَ وخطيراً، ولكن ليس من بينها عدم تبني الدستور الليبي، أو التخلي عن المقاومة الحقيقية بدعوى الكفاح السلمي، أو عدم الالتفاف حول الملك. ولا يصح أبداً تحميل المعارضة الوطنية في المنفى مسؤولية عدم سقوط القذافي، فجهاد الظلم والظالمين فرض عين علينا جميعاً، وبقاء القذافي في الحكم يتحمله الشعب الليبي كله، بل إن اللوم على الذين في الداخل أكبر وأعظم.

كما أنه لا يمكن لمعارضة في وزن جبهة الإنقاذ في الثمانينيات، والتي كانت تملك مكاتب وفروعاً في أربع قارات، أن تتحالف مع تنظيم كل رأسماله آلة كاتبة وصندوق بريد، أو تترك تصوراتها واجتهادات أعضائها، وهم بالمئات، وتتبنى تصوراً من تنظيم هزيل لا يتجاوز عدد أعضائه عدد المتفرغين لنشرة داخلية من نشرات الجبهة.

إنني على يقين من أن جبهة الإنقاذ لو تبنت أي تصور غير تصوراتها التي تبنتها عند تأسيسها لماتت ساعة ولادتها، ولو همّت بتبني أي من بعض التصورات التي تبناها المؤتمر الوطني صيف 2005 لانشق عنها مئات الأعضاء. فالكفاح العسكري كان يومها مطلب أغلبية المعارضين. أما المجهودات التي بذلت في ديار المهجر لإعادة الاعتبار للعهد الملكي ودولة الاستقلال ودستورها فلم تأت بثمار إيجابية إلا في العقد الأخير، ففي السبعينيات وإلى أواخر الثمانينيات كانت أغلب صدور المعارضين لا تزال مشحونة بالكره للعهد الملكي ورجاله الذين كانوا هم أصلاً السبب في وصول العسكر إلى السلطة بدون إطلاق رصاصة واحدة. هذا فضلاً عما حدث بعد ذلك من "موضة" توارث أبناء الرؤساء لمناصب آبائهم كوراثة بشار الأسد للسلطة، وتزايد نفوذ أولاد الرؤساء العرب ودورهم السياسي، بما فيهم أولاد القذافي، بحيث أصبح كثير من الجمهوريين يقولون: مادام تولي الأمر غدا بالوراثة حتى في الأنظمة العسكرية فالممالك الدستورية على عيوبها أفضل وأرحم.

لم يكن أحد يتوقع أن القذافي سيتمكن من الإمساك بمقاليد الحكم طوال هذه السنين، ولم يكن أشد المتشائمين، في العقد الأول من حكم العسكر، يتنبأ بهذا المستقبل الأسود الذي حلّ بليبيا وأهلها. ولم يكن حتى المناهضون للعهد الملكي يتوقعون أن يأتي اليوم الذي يترحمون فيه على تلك الأيام التي كانوا يلعنونها سراً وجهراً، فالصداع أهون من قطع الرأس.

وإن أنس لا أنس حديثاً جرى بيني وبين صديقي رشيد العرفية(2) قبل خروجي من ليبيا عام 1976. كان الشخص الوحيد الذي أخبرته عن عزمي واستعدادي لترك البلاد، وأقسمت بالله أمامه أنني لن أعود إليها مادام القذافي يحكمها. فقال لي:"إذن سيطول غيابك، ولن نراك لسنوات طويلة". فأجبته بلسان الواثق: "أبداً، أعطيه بالكثير سنة. لن يدوم في الحكم أكثر مما دام".

بدأ كرهي لحكم العسكر منذ صبيحة اليوم المشؤوم بسب قرار منع التجول الذي منعني من الخروج إلى الشارع وفرض علي السجن في البيت لعدة أيام. ومن الأناشيد التي كنا نرددها ونحن صغار بغضاً للقذافي والمتحالفين معه من رؤساء العرب:
يا بندري هيه ما عندك خبر
عبد الناصر مات وعقبة لمعمر
يلحقه السادات والأسد في خطر

لقد صورت لي سذاجتي يومها من الأناشيد والهتافات التي كنا نرددها ضد النظام أن الدماء بدأت تغلي على العسكر، وأن فتح النار على طلبتنا لن يمر بدون عقاب، وأن القذافي سيدفع رأسه أو كرسيه ثمناً للدماء التي أراقها عمداً، وما انتفاضة يناير الطلابية إلا الشرارة الأولى. وبعد أربع أو خمس سنوات من خروجي اكتشفت أن أحد الذين سقطوا جرحى أمام عيني أصبح مليونيراً بعد أن دخل مع الذين دخلوا أفواجاً في دين القذافي لقاء الدرهم والدينار.

إن نقد المعارضة وتقويمها مطلوب وواجب مهما كان قاسياً ومراً إذا صدر من محسوبين على المعارضة الحقيقية ورجالها، وممن لا يرجون ذرة خير من شيطان سرت وأوليائه، وينتقدون لوجه الله وليس لتصفية الحسابات مع هذه الجهة أو تلك. أما أهل المعارضة المخصية فلا مرحباً بنقدهم مهما خف ولان. والذين عانوا من علو القذاذفة واستكبارهم في البلاد ظلماً وفساداً لا يعجزهم أن يميزوا نقد الكاذبين وإن لانوا من نقد الصادقين وإن قسوا.

إن الذين لا يتركون فرصة إلا ويتحاملون فيها على المعارضة إما يجهلون وإما يتجاهلون حجم العطاء والتضحيات التي بذلها رجالها في السبعينيات والثمانينيات من القرن المنصرم يوم كان مجرد الإقامة خارج جماهيرية القذاذفة جريمة لا تغتفر، دع عنك أن تجهر بمعارضتك للنظام وتنخرط في عمل معارض يهدف لقلب نظام الحكم:

• يوم كانت المعارضة تتطلب التضحية بالإقامة والعمل والدراسة والغياب عن الأهل والأولاد عدة شهور، ولا يستطيع المعارض حتى الاتصال بأسرته ليطمئن عليهم، أو يطمئنهم على نفسه.(3)
• يوم كانت المعارضة تسبب في جر عائلات بأكملها لمراكز التحقيق، أو تهديم بيوتهم، أو الزج ببعضهم في السجون بسب نشاطات أبنائهم أو إخوتهم.
• يوم كان يتدرب المعارضون على الكفاح المسلح لأكثر من عشر ساعات يومياً في جحيم الصيف، تحت شمس السودان المحرقة، ولمدة شهرين متتاليين.
• يوم كان المعارض يتوقع الاغتيال في أية لحظة، وفي أي مكان، حتى في أكثر بقعة أمناً وقداسة على وجه الأرض، وقد حرم فيها الله سفك دم بعوضة أو نملة، عملت سكاكين القذاذفة عملها ذبحاً وسلخاً وتقطيعاً في حجّاجنا.


شهيد الحرم المبروك غيث المدهون

• يوم كان لا يأمن المعارض حتى أقرب الناس إليه بعدما جند نظام الشر في سرت حتى الأقارب لاصطياد المناهضين وذبحهم في العواصم الأوروبية ذبح النعاج.

• يوم كان المعارض لا يأمن شر القذافي أن يصل حتى إلى أطفاله بعدما دس عملاؤه السم لبعض أبناء المعارضين. فلو استطاع هذا السفاح أن يصل إلى أولادنا في المنفى ويحقنهم بالإيدز لما تردد لحظة.
هذا هو المناخ الذي كانت تعمل فيه المعارضة الوطنية، فماذا كانت تستطيع أن تصنع أكثر مما صنعت؟ وماذا صنع المتحاملون عليها لليبيا في أجواء انفتاح النظام على المعارضة المخصية ورجالها؟

قد لا تصدقون لو قلت لكم إن العديد من رجالات المعارضة لا يملكون إلى اليوم إلا وثائق لجوء صلاحيتها لسنة واحدة، وغدا تجديدها، بعد أحداث سبتمبر، يستغرق سنة كاملة أو أكثر، ومن هؤلاء الدكتور محمد يوسف المقريف، والحاج غيث عبد المجيد سيف النصر، الذي قضى 37 سنة متشرداً في المنافي، والسيد فائز جبريل، وعشرات غيرهم، على حين لم يقدم مئات الليبيين الذين يحملون جوازات السفر الأوروبية والأمريكية لليبيا وشعبها إلا الخذلان والنسيان. إن المئات منهم يعيشون عالة على الضمان الاجتماعي، فلا هم قدموا شيئاً لوطنهم الأصلي، ولا أفادوا البلاد التي هاجروا إليها بشيء، أصفار هنا، وأصفار هناك، وربما غدا بعضهم أرقاماً، ولكن في صالح الأعادي.
________________________

(1) نتحدث هنا عن المعارضة للحكومات الوطنية المستبدة، وليس مقاومة الاحتلال، فرجوع قادة الاستقلال من المنفى كعودة شارل ديغول لفرنسا ومحمد إدريس السنوسي لليبيا لا يعنينا في هذا المقال.
(2) زج النظام الفاسد برشيد العرفية، أحد خيرة شباب بنغازي، في السجن لأكثر من عشرين سنة ولم يرتكب شيئاً يستحق عليه التوقيف ساعة. كان رشيد طالباً في كلية الحقوق، عرف بأدبه وأخلاقه الحميدة وشدة حيائه. شيئان اشتهر بهما: ابتسامة لا تفارق وجهه بتاتاً، وكتاب لا يفارق يده أبداً. فجاء فاجر سرت وحطم مستقبله ومستقبل إخوته جميعاً.
(3) أنا، مثلاً، بقيت قرابة سنة لا اتصل بأحد من أسرتي لأسباب أمنية. لم يكن في السودان، حيث أقمت بين عامي 1981-1983، خط دولي مباشر لأي جهة، وكل المكالمات الهاتفية كانت تمر عبر السنترال. وكما هو معروف فقد أعلن عن تأسيس جبهة الإنقاذ من الخرطوم، ومنها انطلقت إذاعتها، وفيها بدأ التدريب العسكري. ونظراً لحساسية المكان كان ضرباً من التهلكة أن أخبر أحداً من أسرتي بمحل وجودي. وشاءت الصدف أن تأتي والدتي لبريطانيا في تلك الفترة وتمكث فترة مع أخي الأكبر الذي كان يدرس يومها هناك، وكانت تتوقع أن تراني فور وصولها، ولا سيما أنها أمية وصماء فلا مراسلات بيننا ولا محادثات هاتفية منذ أن غادرت ليبيا عام 1976. باختصار، ظلت في شبه حداد، تبكي يومياً بحرقة، ولعدة أشهر، ظناً منها أنني متُّ وقد أخفوا عنها خبر الوفاة رأفة بها. هذا حال أم لم تعرف مصير ابنها لمدة سنة، فكيف حال الأمهات اللاتي زج بأبنائهن في سجون القذافي ومعتقلاته لعقود، أو حال الأمهات اللاتي علق أبناؤهن على المشانق أمام شاشات التلفزيون، أو وضعت أجسادهم في سيارات القمامة بعد استشهادهم في معركة باب العزيزية، أو الذين ذبحوا في مجزرة بوسليم، أو الذين لم يعودوا لا أحياءً ولا أمواتاً من صحارى التشاد؟ ويحدثونك عن التسامح!


 

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home