Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Youssef El-Megreisi

Friday, 5 May, 2006

         
         

( 6 )

صراع الأنفس :

مطالعـة في رواية "يزعـم بيريرا" لأنطونيو تابوكي
(6)

يوسف المجريـسي

عاد بيريرا إلى لشبونة زاعماً أنه تخفف من وطأة السمنة وفقد بضعة كيلوغرامات. وفي نهاية الشهر تسلم رسالة من إسبانيا موجهة لمونتيرو روسي، فتعجب من جرأة الشاب الذي استخدم مكتبه عنواناً لتلقي بريده الشخصي. اتصل به رئيس التحرير هاتفياً ليثني على قصة بلزاك التي نشرها بيريرا على حلقات، فقد تسلمت الصحيفة العديد من رسائل المعجبين، ثم سأل المدير عن جديد بيريرا، فأجابه بأنه انتهى من ترجمة قصة "الدرس الأخير" لدوديه. لم يخف رئيسه جهله بالقصة وبالكاتب معاً، ولما علم أن القصة فيها روح وطنية، قال له: "إذا كانت تحمل روحاً وطنية فهذا ممتاز، جميعنا في حاجة إلى روح وطنية في هذه الأوقات، الوطنية شيء جيد".

ما كاد بيريرا يغلق الخط حتى رن الهاتف من جديد، فإذا بمارتا هذه المرة على الخط. سرّ بيريرا بالمكالمة، فسألها عن حالها وحال مونتيرو روسي، فأجابته بأنها تريد أن تراه، وأنه سيسمع الأخبار بعد اللقاء، وأخبرته بأنها قصت شعرها وصبغته باللون الأشقر، إذ يبدو أنها أصبحت مطاردة من البوليس السري كصديقها.

أعطى بيريرا لصورة زوجته موجزاً لآخر التطورات، ثم ذهب إلى مقهى أوركيديا للقاء مارتا حيث ضرب لها موعداً في الساعة الثامنة والنصف مساء.
بيريرا: إني أشم رائحة مصائب، هل أنت في ورطة؟
مارتا: فلنقل نعم، ولكنه تورط من النوع الذي يعجبني، أجد نفسي مرتاحة. فهذه على أية حال هي الحياة التي اخترتها.
بيريرا: ومونتيرو روسّي أتوقع أنه هو أيضاً متورط في مشاكل، منذ فترة لم أسمع منه، ماذا حصل له؟ مارتا: لا أستطيع الكلام إلا عن نفسي. لم يتصل بك لأنه يواجه بعض المشاكل... على كل حال يحتاج إلى نقود، ولهذا بعث لك بمقال.
بيريرا: اسمعي يا مارتا، تستطيعين الاعتماد عليّ في بعض الأمور، وإن كنت أريد البقاء بعيداً عن مشاكلكم لعدم اهتمامي بالسياسة. على أية حال، إذا سمعت من مونتيرو روسّي فقولي له أن يتصل بي، ربما أستطيع مساعدته هو أيضاً بطرقي الخاصة.

ودّعت مارتا بيريرا وانصرفت. شرب بيريرا عصير الليمون وسدد الحساب، ثم دار الحديث بينه وبين مانويل النادل:
بيريرا: ماذا يجري؟
مانويل: ألا تعلم ماذا يجري في إسبانيا؟
بيريرا: لا.
مانويل: يبدو أن كاتباً فرنسياً كبيراً قد أدان القمع الفرانكوي في إسبانيا، وانفجرت فضيحة مع الفاتيكان. بيريرا: ما اسمه؟
مانويل: لا أتذكره الآن، إنه كاتب ستعرفه حتماً، اسمه برنان، برناديتي، شي من هذا القبيل. بيريرا: برنانوس؟!
مانويل: بالضبط، هذا هو اسمه بالضبط.
بيريرا (بسعادة كبيرة): إنه كاتب كاثوليكي كبير، كنت أعلم أنه سيتخذ موقفاً، فهو صاحب أخلاقيات صلبة.

*   *   *

زعم بيريرا أنه استيقظ مبكراً في اليوم التالي للذهاب إلى الأب أنطونيو، وبعد أن تبادلا التحيات، وعرف الأب أنطونيو سبب طول غياب بيريرا، دار بينهما الحوار التالي:
بيريرا: لقد تعرّفت على طبيب أخبرني عن نظرية مثيرة عن النفس.
الأب أنطونيو: ألهذا جئت؟
بيريرا: شيء لهذا، ولكي أتحدث في أمور أخرى.
الأب أنطونيو: تكلّم إذن.
بيريرا: إنها نظرية لاثنين من الفلاسفة الفرنسيين...
الأب أنطونيو: اسمعني جيداً يا بيريرا، أنا قس فرنسيسكاني وشخص بسيط، ولكن يبدو لي أنك غدوت زنديقاً. نفس الإنسان واحدة وغير قابلة للتجزئة، والله هو الذي وهبها لنا.
بيريرا: نعم، ولكن إذا وضعنا بدلاً من النفس، كما أراد الفلاسفة الفرنسيون، كلمة الشخصية، ستختفي عندها الهرطقة. غدوتُ مقتنعاً أننا لا نملك شخصية واحدة، بل شخصيات عديدة تتعايش تحت قيادة "الأنا المهيمنة".
الأب أنطونيو: تبدو لي أنها نظرية مغرضة وخطيرة. إن الشخصية مرتبطة بالنفس، والنفس واحدة لا تتجزأ. إنني أشم من حديثك رائحة الضلال.
بيريرا: رغم هذا، أعترف أنني اليوم شخص مختلف عمّا كنت عليه منذ بضعة أشهر. بدأت أفكر في أشياء ما كنت لأفكر فيها من قبل، وفعلت أشياء لم أكن لأجرؤ على فعلها.
الأب أنطونيو: لابد أن أمراً قد أصابك.
بيريرا: لقد تعرفت على شخصين، شاب وشابة، ربما كانت معرفتهما هي التي غيرتني.
الأب أنطونيو: يحدث هذا، الناس يؤثرون علينا، هذا يحدث.
بيريرا: لا أدري كيف يستطيعان أن يؤثرا عليّ. إنهما اثنان من المساكين الرومانسيين لا مستقبل لهما، ومن المفترض أن أكون أنا الذي أؤثر عليهما، فأنا الذي أنفق عليهما، بل إن الشاب يكاد يعيش عالة عليّ. لا أصنع شيئاً غير الدفع له من جيبي، لقد عينته كمتمرّن، ولكنه لم يكتب مقالاً واحداً صالحاً للنشر... هل تعتقد أن الاعتراف سيفيدني؟
الأب أنطونيو: هل ارتكبت ذنباً جسدياً؟
بيريرا: الجسد الوحيد الذي أعرفه هو هذا الذي أحمله معي.
الأب أنطونيو: إذن اسمع يا بيريرا، لا تضيع لي وقتي لأن الاعتراف يحتاج إلى تركيز، ولا أريد أن أرهق نفسي... دعنا نتكلم في أمورك العامة، ولكن ليس في إطار الاعتراف، بل كأصدقاء.

أكد بيريرا لصديقه الكاهن أنه رجل مؤمن، وأنه يصنع ما بوسعه ليكون كاثوليكياً صالحاً، ولكنه يشعر بالاضطراب في هذه الأيام بسب الجدال الدائر بين الكتاب الكاثوليك حول الحرب الأهلية بإسبانيا. وطلب إليه أن يوضح له الصورة حتى يتخذ موقفاً صحيحاً ولا يقع في الهرطقة. ونأتي هنا إلى حوار مهم جداً يبين لنا موقف الفاتيكان من الحرب الأهلية في إسبانيا:
الأب أنطونيو: اسمع، الوقت عصيب، وكل شخص يجب أن يختار طريقه، أنا رجل كنيسة وعلي الانصياع للتسلسل الكنسي، أما أنت فإنك حر في خيارك الشخصي، وإن كنت كاثوليكياً.
بيريرا: اشرح لي، لأنني أريد أن أحدد موقفي، ولستُ ملماً بالأحداث.
الأب أنطونيو: هل تعرف مشكلة رجال الدين الباسكيين؟
بيريرا: لا.
الأب أنطونيو: كل شيء بدأ برجال الدين الباسكيين. بعد قصف غيرنيكا (Guernica) أعلن رجال الدين الباسكيون، الذين يعدّون أكثر الناس تديناً في إسبانيا، تضامنهم مع الجمهورية. في ربيع العام المنصرم نشر كاتبان فرنسيان لامعان هما فرانسوا مورياك وجاك ماريتان(1) بياناً للدفاع عن الباسكيين.
بيريرا: مورياك! لقد ذكرت لمونتيرو روسي ضرورة إعداد نعي لمورياك لأننا قد نحتاج إليه في أية لحظة.
الأب أنطونيو: ولِمَ تريد تأبين مورياك؟! دع مورياك المسكين يعيش حياته، إننا في حاجة إليه، لِمَ تريد أن تميته؟!... على كل حال، الوضع تعقد بعدما صرح الفاتيكان بأن رجال الباسك "المسيحيين الحمر" قتلوا آلاف المتدينين الإسبان، وأعلن وجوب حرمانهم(2). بالإضافة إلى أنّ كلوديل الشهير، الكاتب الكاثوليكي، كتب قصيدة غنائية "إلى شهداء إسبانيا" كمقدمة شعرية لكتيب دعائي نتن لأحد العملاء القوميين (الموالين لفرانكو) في باريس.
بيريرا: كلوديل، بول كلوديل؟
الأب أنطونيو: نعم هو بعينه، وأنت يا بيريرا كيف تصنفه؟
بيريرا: لا يحضرني جواب الآن. هو أيضاً كاثوليكي، اتخذ موقفاً مختلفاً واختار طريقه.
الأب أنطونيو: ولِمَ لا تستطيع الإجابة فوراً يا بيريرا؟ هذا الـ كلوديل ابن قحبة، نعم هو كذلك، ومعذرة على هذه الألفاظ في هذا المكان المقدس...
بيريرا: وماذا بعد؟
الأب أنطونيو: ثم اتخذ كبار رجال الكنيسة الإسبانية، وعلى رأسهم الكاردينال غوما رئيس أساقفة طليطلة، قراراً بإرسال رسالة مفتوحة إلى جميع أساقفة العالم، هل فهمت يا بيريرا؟ إلى جميع أساقفة العالم، كما لو أن أساقفة العالم جميعاً فاشيون قذرون مثلهم، لكي يقولوا إن آلاف المسيحيين في إسبانيا حملوا السلاح على مسؤوليتهم الشخصية من أجل إنقاذ مبادئ الدين... كلهم كانوا يتآمرون على الجمهورية. ثم اسمع: الجمهورية كانت دستورية، الشعب صوّت لها، فقام فرانكو بانقلاب، إنه قاطع طريق.
بيريرا: وبرنانوس؟ ما موقف برنانوس من كل هذا؟
الأب أنطونيو: هو أيضاً كاتب كاثوليكي، هو الوحيد الذي يعرف إسبانيا جيداً، فقد أقام فيها منذ سنة 1934 حتى العام الماضي، كتب عن مجازر الفرانكويين، الفاتيكان لا يستطيع تأييده لأنه شاهد حقيقي...
بيريرا: فكرت في نشر فصل أو فصلين من "يوميات خوري في الريف(3) "، فما رأيك؟
الأب أنطونيو: أعتقد أنها فكرة رائعة، ولكن لا أدري إن كانوا سيسمحون لك بنشرها، برنانوس غير محبوب في هذا البلد لأنه كتب أشياء قاسية عن كتيبة فيرياتو(4)، الفرقة العسكرية البرتغالية التي ذهبت إلى إسبانيا لتقاتل من أجل فرانكو. والآن اعذرني، يا بريرا، عليّ الذهاب للمستشفى.
بيريرا: لا تؤاخذني على ما ضيعته من وقتك، المرة القادمة سآتي للاعتراف.
الأب أنطونيو: لست في حاجة إلى ذلك، فكر أولاً بارتكاب خطيئة ما، ثم تعال إلي، لا تضيع لي وقتي بلا جدوى.

*   *   *

في هذا الخضم الاجتماعي الذي تتلاطم فيه أمواج الحياة اليومية العادية بأحداث السياسة، ومذاهب الفكر، وعقائد الدين، وجد بيريرا مهرباً آمناً في شاطئ الأدب يكتب عن هذا الأديب أو ذاك، أو يترجم شيئاً من الأدب الفرنسي، ويتحدث في كل هذا مع صورة زوجته. فهل ستظل السياسة عنده رجساً من عمل الشيطان؟ هذا ما سنراه في الحلقة القادمة من أقوال بيريرا.
________________________________________________

(1)   Jacques Maritain (1973-1882) فيلسوف فرنسي كان سفيراً لبلاده لدى الفاتيكان بين عامي 1945-1948. كان بروتستنتياً ثم اعتنق المذهب الكاثوليكي عام 1906.
(2) أي حرمانهم من عضوية الكنيسة.
(3)   (Journal d’un curé de campagne). الخوري، نائب الأسقف، رتبة كنسيّة شرفية.
(4)   Viriato أو Viriathus ( 139 ق.م. 180 ق.م. ) بطل برتغالي عرف بشدة مقاومته للغزو الروماني لغرب ليبريا، سميت على اسمه الكتيبة العسكرية.


         
         

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home