Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Youssef El-Megreisi

Wednesday, 5 March, 2008

 

ثوابت الاستبداد
(1 من 2)

يوسف المجريـسي

لا أظن أن هناك شعباً من الشعوب يتحدث عن "الثوابت" كما تتحدث عنها شعوبنا العربية. ولعله استوقفكم مثلي في الفترة الأخيرة كثرة الحديث عن الثوابت والخطوط الحمراء، ولا سيما في المقالات التي تتطرق إلى الدستور: "ثوابت الشعب الليبي"، "ثوابت الأمة"، "ثوابت الهوية" "الثوابت الإسلامية"، "الثوابت الوطنية". ولا ننسى أيضاً "ثوابت الثورة" في الداخل "وثوابت المعارضة" في الخارج. العالم يتقدم ويتطور ويتغير من حسن إلى أحسن ونحن، للأسف، رغم الجمود الفكري والعلمي الذي نعيشه منذ قرابة ألف عام لا حديث لنا إلا عن الثوابت.

هناك ثوابت تتفق عليها كل الشعوب وتعدّها مقدسات وفضائل لا يحق لأحد أن يتعداها أو ينتهكها أو يستخف بها، ولا يعترض مبدئياً عليها حتى أتباع المذهب الفوضوي، ولولا وجود إجماع بشري على تعريف الخير والشر، والعدل والظلم، والحرية والعبودية، والمساواة والتفرقة، وغيرها من فضائل ورذائل، لما صدر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، هذا بالإضافة إلى أن روح القوانين سواء في الشرق أو في الغرب لها أصول دينية (كالوصايا العشر، والمواريث، وعقود الزواج، وتحريم نكاح المحارم وغيرها) ولم يطرأ عليها تغيير منذ عصر الأنبياء. ولكن إذا أعلن كل فريق "ثوابته"، وأفرطنا في الحديث عن "الثوابت"، وما يجوز وما لا يجوز، ستبتذل الكلمة وتفقد مدلولها ومعناها، وستضم إلى كلمة "الإصلاح" وغيرها من كلمات وشعارات براقة أسكرتنا وشلت عقولنا.

كنت قد تحد ثتُ في مقالي "أوهام النخبة"(1) عن استحالة صياغة أو إقرار دستور والقذافي على رأس السلطة، فأي دستور يصاغ أو يُقر تحت أحذية العسكر مطعون في شرعيته. وأستبعد من طاغية جاهل يطالب بإلغاء حتى الوزارات أن يضع دستوراً، وإن فعل فلن يكون مفصلاً إلا على هواه.

إن وضع دستور حقيقي ينهي سلمياً حكماً استبدادياً، ويمكّن الشعب من اختيار نظام الحكم الذي يريده، لهو أصعب مليون مرة على أي دكتاتور من أن يتنحى أو يستقيل، لأنه بهذا سيدعو الشعب لأن يقول كلمته فيه، وفي نظام حكمه. فإذا علمنا أن الطغاة لا يقبلون حتى بأقل من 99% من أصوات الناخبين، فكيف سيرضون بنتائج تفرض عليهم الرحيل فرضاً؟ بل إن سقوطهم عن طريق انقلابات أو ثورات شعبية أو حركات مسلحة لأهون عليهم بكثير من أن يسمحوا للشعب أن يقول كلمته فيهم، في هذه الحالات يستطيعون على الأقل أن يلوموا المؤامرات الخارجية، ويطعنوا في شرعية حكم من أتى بعدهم، كما يفعل اليوم محمد جعفر النميري الذي لا يزال يصر على أنه الحاكم الشرعي للسودان. وقد رأينا كيف أن كاسترو لم يستقل إلا بعدما أقعده المرض قرابة سنتين، وبعدما نصب أخاه نائباً له، ومكنه خلال هذه المدة من بسط سلطانه على البلاد. فهل فكر دكتاتور كوبا ولو مرة، طوال خمسة عقود من حكمه الاستبدادي، أن يعطي لشعبه الحرية في أن يقول كلمته فيه وفي نظام حكمه؟

إذا أردنا في المستقبل أن يكون دستورنا عامل استقرار بين أبناء الوطن الواحد جميعاً، وليس مفصلاً على مقاس الأغلبية فقط، وينعم فيه أبناؤنا بالحرية والعدالة والمساواة بدون تفرقة أو تمييز، فيجب أن يرتكز على جوهر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وأن يبرأ بنفسه عن جميع المواد العقائدية أو الحزبية، سواء أكانت دينية أم سياسية أم قومية. ولن يكون لنا حرية حقيقية إلا إذا سمح الدستور لكل الاتجاهات السياسية والفكرية بالعمل، سواء أكانت علمانية أم إسلامية أو قومية أو انفصالية أو غيرها، والنجاح للأصلح حسب قانون التنافس والتدافع: "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض".

كل فريق من حقه أن يستميت في سبيل مواقفه ومبادئه، ولكن ليس من حقه أن يفرض ثوابته أو عقائد حزبه على الآخرين. بعض الثوابت تبدو لنا، في غمرة الحماسة والحرص على المثالية، أنها أمور متفق عليها لابد من إدخالها في الدستور للحفاظ على كيان الأمة من التمزق أو فقدان الهوية، ولكنها في حقيقتها أمور خلافية ستعيق النشاط السياسي، وستصيب الحريات المدنية في الصميم. إنها شبيهة بالحواشي المكتوبة بالخط الصغير (small print) وتدرج في ذيل العقود وتحتال بها الشركات الكبرى على عوام الناس لنهبهم وابتزازهم.(2)

إن وجود أية "ثوابت" عقائدية، أو مواد غير قابلة للتنقيح أو التعديل في أي دستور، سيفتح أبواباً لا تنغلق لقضايا دستورية معقدة، كما حدث في مصر وتركيا وإيران وغيرها من بلاد العالم الثالث، وسيعيق البرلمان من سن القوانين أو إلغائها إلا بالرجوع للمحاكم الدستورية، بل سيمنع من تبادل السلطة تبادلاً حقيقياً بين الأحزاب المختلفة. فالثوابت الإسلامية مثلاً ستمنع أي حزب ليبرالي من ممارسة النشاط السياسي، أو من الوصول إلى الحكم، إلا إذا كان قد تبرأ من ليبراليته. والثوابت العلمانية ستمنع أي حزب إسلامي من العمل السياسي، والوصول إلى السلطة، إلا إذا كان قد انسلخ تماماً عن مبادئه كما حدث في تركيا. وستصبح أحزابنا ممسوخة تعدل وتنقح لتناسب مقاس الدستور، وليس لمواجهة مشاكل البلاد الحقيقية ومواكبة أحداث العصر. ومن يظهر خلاف ما يبطن لا أمان ولا عهد له.

منذ عصر الخوارج وإلى يومنا هذا ينخدع المسلمون بكل من يدعي أن القرآن دستوره، وتخرج شعوبنا تهتف باسمه وتوحد بحكمه وسلطانه، ويتوالى الضحك علينا بمقولات فاسدة "ليس المهم من يحكم، ولكن كيف يحكم"، "من خدعنا بالله انخدعنا له"، "حاكم غشوم خير من فتنة تدوم". لم تتعظ شعوبنا من مسرحية النميري الدموية،(3) ولا من أكذوبة القذافي "القرآن شريعة المجتمع"، ولا من تمثيلية "الرئيس المؤمن" الهزيلة": "أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للتشريع" والتي لا تزال تعرض إلى اليوم في الدستور المصري.

ماذا رأينا من عسكر سبتمبر غير شريعة القذاذفة؟ وماذا رأى المصريون من عسكر يوليو وانقلابهم المشؤوم إلا شريعة الفراعنة، من عبد الناصر إلى مبارك مروراً بالسادات. ولم أجد تعبيراً أفضل من هذين البيتين الذي عبر بهما أحد الشعراء عن حال أرض الكنانة التعيس:
أنىّ ألتفتَّ رمى الجاسوس مسمعه      كــأنّ ظلك جاسـوس ونمـامُ
يا ويح مصر أكـل الدهـر فرعنة       أما تواري طغاة النيل أهرامُ؟

إننا نعيش عصر "الماسونية الإسلامية" حيث يوظف الإسلام لمصالح سرية مشبوهة وأغراض خاصة لا علاقة لها بمرضاة الله من قريب أو بعيد. فمن أجل إفراج عن بضع سجناء من أعضاء التنظيمات الإسلامية تعقد الصفقات مع الأنظمة الفاشية الحاكمة، وتنقلب هذه التنظيمات على أعقابها خطاً وفكراً ومنهجاً. مئات الملايين من أموال فقراء المسلمين استثمرت في بنوك إسلامية وشركات توظيف أو تنظيف الأموال، ولا أحد يعرف أين اختفت، العلم عند الله وعند أهل "التقوى" في سويسرا الإيطالية. أغلب التنظيمات الإسلامية لا تعرف حتى "الأخوة في الدين"، فالأخوة عند أعضائها هي الأخوة في التنظيم، ولا تقدم مساعدة لأحد لوجه الله تعالى، أما أعضاؤها فتوفر لهم المنح الدراسية وفرص العمل في أية قارة من القارات الخمس يشاءون، ولهذا ينضم إليها كثير من الشباب. وإذا لم تكن من أعضائها فنادراً ما يقرأ عليك أحدهم السلام. حتى طقوس بعضها أثناء البيعة لا تختلف كثيراً عن الطقوس الماسونية. هذا بالإضافة إلى علاقات لا حصر لها مع المرتشين من أثرياء وأمراء ورؤساء وأبناء رؤساء ومسؤولين نافذين يقيمونها من أجل مصالحهم وزيادة كنوزهم باليورو والدولار. ثم يحدثون الطبقات الكادحة عن الزهد والآخرة، والقناعة وكنزها الذي لا يفنى. حتى الحدود لا تنفذ إلا في الفقراء والمساكين والعمال الأفارقة والآسيويين، أما الأمراء والأشراف وأصحاب العيون الزرقاء فلا أحد يتجرأ أن يمس ظفراً من أظافرهم. فكما طبق مدّعو الاشتراكية اشتراكيتهم علينا وليس عليهم، يطبق مدّعو الإسلام إسلامهم علينا لا عليهم.

لا يخدعنكم شعار "الإسلام هو الحل" فكثير من الأحزاب والتنظيمات الإسلامية لا تختلف عن الأنظمة الفاشية المتحكمة في رقابنا، تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى. وقد رأينا كيف تقاتلت بعض فصائل الجهاد الأفغانية على السلطة بعد انهزام الجيش الأحمر على الرغم من أنهم يحملون الراية الإسلامية نفسها، وماذا فعلت طالبان بالمجاهدين الأفغان بعد أن تمكنت من رقابهم. هذا فضلاً عمّا صنعه جزار دارفور بالدكتور حسن الترابي وبقية الشركاء في الغدر والخيانة. أما في الجزائر فبعض الجماعات الإسلامية يذبح بعضهم بعضاً من الوريد إلى الوريد كما يشرب أحدنا فنجاناً من القهوة.

ومع هذا كله أقول إن على شعوبنا وجيوشنا أن تحترم قرار صناديق الانتخاب، فإذا تم انتخاب حزب إسلامي فلابد أن نعترف بفوزه ونقر له بحقه في الحكم للفترة التي انتخب فيها حتى نقطع على العسكر والمؤامرات الخارجية التدخل في شؤوننا، كما حدث في الجزائر، ويحدث الآن في فلسطين. وإذا فاز حزب ليبرالي أو اشتراكي أو قومي نفعل الشيء نفسه. فليس من حق أحد أن يفرض الوصاية على شعبنا ويقرر له ما يصلح وما لا يصلح. فالجيوش العربية، باتجاهاتها الإسلامية واليسارية والقومية، لم تكتف بإجهاض بعض التجارب الديمقراطية في مهدها وخيانة شعوبها فحسب، بل خان قادتها حتى الأحزاب والتنظيمات التي أوصلتهم إلى السلطة كما حدث في مصر والسودان. ولعل أهم شيء يجب أن يتضمنه الدستور هو وجود مواد واضحة وصريحة تمنع تدخل الجيش في الشؤون السياسية منعاً باتاً، بما فيها "حماية الدستور"، كما يمنع الحكومة من تكليف الجيش بأي مهمة داخلية إلا أن يكون منزوع السلاح وفي بعض الأعمال الإنسانية، كأعمال الإغاثة، إذا تعرض البلد، لا قدر الله، لكارثة طبيعية. أما حفظ الأمن ومواجهة المظاهرات السياسية فيجب أن توكل للشرطة وحدها، في كل الأوقات، وفي كل الظروف. لابد من ضبط القوات المسلحة دستورياً لأنها هي المصدر الأساسي للاضطهاد والاستبداد في العالم الثالث.

إن الثوابت العقائدية، سواء أكانت سياسية أو دينية، ستضع العراقيل على العمل الحزبي وستمتد قيودها إلى حرية الرأي والفكر والنشر. وهذه الحريات هي المصل الفعال لضمان نهاية وباء الاستبداد والدكتاتوريات العسكرية والسياسية والكهنوتية في مجتمعاتنا، وهي القاعدة الصلبة للمحافظة على بنيان أي نظام ديمقراطي.

لم يعد اليوم لمقص الرقيب سلطان على القنوات الفضائية ومواقع الإنترنت التي تدخل لكل بيت، وكل الصحف العربية والعالمية غدا لها مواقع إلكترونية، ولن يكون ضحية لقوانين الرقابة والنشر إلا الكتاب والأعمال المسرحية والسينمائية داخل الوطن. فأي رقابة على الرأي والفكر ستشل حركة الطبع والنشر والتوزيع، وستمنع معارض الكتب من القدوم إلى بلادنا، وستفتح الباب على مصراعيه لمصادرة كثير من الأعمال الفنية والأدبية والفكرية، وستحرم شعوبنا من قراءة ودراسة كتب عشرات الأدباء والفلاسفة والمفكرين ممن أنجبتهم البشرية، بحجة أن أعمالهم تطعن في "ثوابت الأمة".

لقد عاش آلاف منا في بلاد الغرب لثلاثة أو أربعة عقود حيث لا حجر على الرأي والفكر، ولم يفرض علينا أحد قراءة هذا الكتاب، أو مشاهدة ذلك الفيلم، أو حضور تلك المسرحية، فوجود حرية التعبير والنشر لا يعني مصادرة حقنا في عدم الاطلاع على ما نكره وما لا نرضى. وما زلنا متمسكين، والحمد لله، بعقيدتنا وتقاليدنا وأعرافنا وأخلاقنا.

شعوبنا ليست قاصرة، فلتنته الوصاية الفكرية عليها، ولتنته الرقابة على ما يُكتب ويُقرأ ويُسمع ويُشاهد. وإذا سن البرلمان بعض القوانين الخاصة بالنشر لحماية الناس من التشهير والقذف، والسخرية أو الاستهزاء بعقائدهم وغيرها، فالمحاكم المختصة هي وحدها من لها القول الفصل في هذه الأمور، ولا يعطى للحكومة، ولا لأي مؤسسة دينية أو تابعة للدولة، حق المنع أو المصادرة.

كتب الأستاذ جمال البنا في الشهر المنصرم مقالاً بعنوان: "مجمع البحوث الإسلامية: مأمور مراقبة الصادرات"(4) يحتج فيه على الرقابة الأزهرية للكتب، إذ لا يسمح الأزهر للكتب الإسلامية بالخروج من مصر إلا بعد أخذ الإذن مما يسمى مجمع البحوث الإسلامية. وقد سبق أن تعرضت بعض كتبه للمصادرة من فاتيكان القاهرة. وبدعة وضع الكتب والمؤلفين في القوائم السوداء ابتدعها فاتيكان روما، فمنذ القرون الوسطى وله قائمة سوداء للمؤلفين تسمى (Indice dal Sant Uffizio)، وما يزال إلى اليوم يضع بعض الكتّاب في قوائمه السوداء، وإن كان لا يملك السلطة لمصادرة كتبهم أو حرقها كما كان يفعل من قبل. وفي بعض البلاد العربية، كالسعودية، يظل الكتاب أكثر من سنتين في قسم الرقابة قبل أن يسمح بدخوله وبيعه في المكتبات التجارية.

وتعرض صاحب موقع "ليبيا وطننا" لضغوطات متواصلة تريد أن تملي عليه ما ينشر وما لا ينشر. وبعض مقالاتي لو لم يتكرم الدكتور إبراهيم إغنيوة بنشرها لما رأت النور. وربما الشيء نفسه كان ينطبق على كثير ممن يكتبون في هذا الموقع، وعلى رسومات الفنانين. فهذا ينال من الإسلام، وذاك يروج للانحلال، وذالك خطر على الوحدة الوطنية، وأولئك يطعنون في المعارضة، فلو شغّل مقصه ولبى كل طلب لتحول الموقع إلى مخيم للكشافة، أو نادٍ للصداقة والتعارف وتبادل الصور. الرقابة يجب أن تكون ذاتية، ومنبعثة من ضمير ووازع أخلاقي، ولا تفرض على الناس فرضاً بمقص الرقيب، أو بما يسمى مواثيق شرف أو قرف الإعلام العربي. وقد أصاب كبد الحقيقية من أطلق على وزراء الإعلام العرب اسم: "وزراء الإعدام".

لقد تعرضت شخصياً لأكاذيب نشرت في هذا الموقع، أحدهم اتهمني أنني أتاجر في الآثار المسروقة مع يوسف عبدو إسماعيل، ويشهد الله أنني لا أعرف هذا الشخص، ولم أره في حياتي ولو مرة. وليس لي أية تجارة لا مع ليبيا ولا مع إفريقيا. وثان ادعى أنني أنا الذي تشاجرتُ مع مخابرات القذافي في لشبونة، وقال بكل ثقة، وكأنه فتح عكا، وهو لا يعرف حتى شكلي: "والحقيقة أنه السيد المجريسي". وآخر يتهم والدي أنه اشترى عقداً مسروقاً من أحد الضباط، ويدعي أنه أهداه لي بمناسبة زواجي، ولا أظن أنه يوجد رجل ليبي يهدي لرجل آخر عقداً ذهبياً بمناسبة زواجه أو طلاقه، ورغم هذا لم يخطر لي أبداً أن أحمّل الدكتور إغنيوة المسؤولية، أو أن أقاطع موقعه، ولم أحمل له كرهاً أو ضغينة، بل الذين كذبوا عنيّ أنفسهم، لو كانوا يملكون بعض الذكاء، وأحسنوا تلفيق قصصهم، لربما نالوا شيئاً من إعجابي على براعتهم القصصية.

إنني أعلم أن كلامي غير مقنع لكثيرين، فأصحاب الاتجاه الإسلامي يصرون على أن الحكم الإسلامي يجب أن يفرض فرضاً، وليس للمسلم فيه حق الاختيار: "إنْ الحكم إلا لله". وأصحاب الاتجاه العلماني يصرون أن الدين مكانه المعابد والمساجد، ويجب منع تأسيس الأحزاب على أسس دينية لأنها المدخل للاستبداد والفتن الطائفية والوطنية: "ما لله لله، وما لقيصر لقيصر". وإذا أصر كل فريق على رأيه فلن تنعم بلادنا أبداً بالحرية والاستقرار السياسي، ولا حتى بالبحبوحة الاقتصادية على الطراز الخليجي، لأن بلادنا لم تعد أرضها تصلح لهذا النوع من الحكم. وسيتوالى على حكمها مستبد وراء مستبد إلى ما شاء ربك.

سأقتصر في الحلقة القادمة والأخيرة من هذا المقال على حرية النقد والفكر، بما فيها نقد الثوابت. فهذا هو المدخل للاستقرار السياسي الحقيقي، واللحاق ببقية الأمم المتحضرة التي تتبادل شعوبها السلطة بدون إراقة قطر دم واحدة، وهو السبيل الوحيد لتربية أجيال واعية ترفض الوصاية الفكرية، وتميز بكل سهولة الخبيث من الطيب، ولا تترك أحداً يصادر حقوقها أو حريتها باسم الله أو باسم قيصر.
________________________

1 http://www.libya-watanona.com/adab/megreisi/ym27034a.htm

2 أكثر الشركات التجارية الكبرى في العالم الغربي تحتوي عقودها في الهوامش على شروط وتفاصيل مهمة مكتوبة بخط صغير جداً يسمى (small print) وتكتب عمداً بخط صغير حتى يصعب على الزبون قراءة الشروط ومعرفة أبعادها القانونية. أما ما يغري بالشراء والتوقيع بدون تفكير أو مراجعة فيجده الزبون مكتوباً بالخطوط العريضة والملونة. وبهذه الصورة تتحايل المصارف التجارية وشركات التأمين وغيرها من مؤسسات الجشع الرأسمالية في الغرب على ملايين البشر الذين لا يستطيعون المقاضاة لأن "القانون لا يحمي المغفلين".

3 خلال عام واحد فقط من إعلان النميري تطبيقه للشريعة الإسلامية قطعت قرابة 200 يد في السودان، على حين لم تقطع في عهد الرسول والخلافة الراشدة على مدى أكثر من 40 سنة، وعلى اتساع رقعة الدولة الإسلامية، إلا 6 أيدٍ، وقيل أقلّ من ذلك.

4 للاطلاع على مقال الأستاذ البنا انظر الرابط التالي :
http://www.middleeasttransparent.com/article.php3?id_article=3338


 

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home