Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Youssef El-Megreisi

Wednesday, 3 May, 2006

         
         

( 5 )

صراع الأنفس :

مطالعـة في رواية "يزعـم بيريرا" لأنطونيو تابوكي
(5)

يوسف المجريـسي

قبل أن يتوجه بيريرا إلى المصحة مرّ على صورة زوجته ليخبرها عن اللقاء الذي تم بينه وبين مارتا: "هؤلاء الشباب سيورطون أنفسهم في مشاكل كبيرة، على كل حال هذا ليس من شأني، أنا ذاهب لقضاء بضعة أيام في إحدى المصحات استجابة لتعاليم الطبيب، سآخذك معي إن كنت لا تمانعين".

في المصحة أُخبر بيريرا أن الذي سيشرف عليه هو الدكتور كاردوزو. وفي مساء ذلك اليوم تم أول لقاء بين الاثنين.

كان الدكتور كاردوزو طبيباً شاباً بين الخامسة والثلاثين والأربعين من عمره. درس الطب في فرنسا، غرف من مناهل الأدب الفرنسي أثناء إقامته فيها، وغدا كصديقنا بيريرا، فرانكفوني الهوى يميل إلى فرنسا وثقافتها.

عرض الدكتور كاردوزو على بيريرا أن يتنزها في حديقة المصحة للحديث، ثم قال له: "في هذه الأيام ستكون في ظل رعايتي، أريد أن أعرف عاداتك، يجب ألا تخفي سراً عنيّ". فقال له بيريرا: "سل ما شئت". وجد الدكتور كاردوزو بيريرا متعاوناً، ولكنه صعق من نظامه الغذائي، واكتشف أن مريضه مرتبط بالماضي حتى في أحلامه الليلية. فرض عليه حمية غذائية صارمة، وطلب إليه أن يواظب على حضور حمامات الطحالب البحرية.

شعر بيريرا بارتياح عندما رأى أغلب نزلاء المصحة أكبر منه سناً، وشعر بارتياح أكثر مع الدكتور كاردوزو، إذ وجد فرصة للثرثرة معه حول الأدب الفرنسي، ولا سيما بعدما اكتشف أن الطبيب متابع لصفحته الثقافية ومعجب بترجماته الرائعة لقصص الأدب الفرنسي. سأل بيريرا عن دراسة الدكتور كاردوزو في فرنسا، فأجابه قائلاً: "درست الطب ثم تخصصت في مادتين: إحداهما علم الحمية، والثانية علم النفس".

كان بيريرا يشعر دائماً بالرغبة في الذهاب إلى صديقه الأب أنطونيو للتوبة، والمشكلة الوحيدة التي حيرته أنه لا يدري ماذا سيقول في اعترافه للأب أنطونيو، إذ لا يشعر أنه ارتكب ذنباً يتوب منه. ففاتح الدكتور كاردوزو بالأمر:" أنا سعيد بالحياة التي عشتها، سعيد بأنني درست في جامعة كويمبرا، وأنني تزوجت امرأة مريضة قضت حياتها بين المستشفيات، وبعملي محرراً جنائياً لأكثر من ثلاثين سنة في صحيفة كبرى، وبقبولي تحرير صفحة ثقافية لصحيفة مسائية صغيرة، ولكني في الوقت نفسه أشعر بالحاجة إلى التوبة من حياتي".

وننتقل الآن إلى حوار فلسفي مهم جداً دار بين بيريرا والدكتور كاردوزو:

كاردوزو: يجب أن أعرف أكثر عن حياتك في الأشهر الأخيرة، ربما كان هناك حدث ما.
بيريرا: حدث بأي معنى؟ ماذا تقصد؟
كاردوزو: الحدث كلمة من كلمات التحليل النفسي، ليس معنى هذا أنني أؤمن كثيراً بفرويد(1)، فأنا من أتباع التوفيق بين المذاهب، لكني لا أشك في أنه على صواب فيما يخص مسألة الحدث، فالحدث شيء ملموس يعترض حياتنا، فيشوّش أو يقلب قناعاتنا وتوازننا. باختصار، الحدث شيء حقيقي يقع في الحياة الحقيقية، ويحدث تأثيراً على الحياة النفسية. فكر إن كان وقع لك حدث هام.
بيريرا: لقد التقيت بشخص، أو بالأحرى شخصين، شاب وصديقته.
كاردوزو: حدثني عنهما.
بيريرا: حسناً، كانت الصفحة الثقافية في حاجة إلى من يكتب مراثي تعدّ سلفاً لكبار الكتاب الذين قد يموتون بين لحظة وأخرى، والشخص الذي عرفته كتب بحثاً عن الموت، صحيح أن جزءاً من البحث كان منحولاً، ولكن في بداية الأمر اعتقدت أن مسألة الموت هي اهتمامه، ولهذا عينته كمتمرّن ليكتب هذه المراثي. كتب منها عدداً دفعت ثمنه من جيبي لأنني لم أشأ أن أثقل على الصحيفة، ولكنها جميعاً كانت غير صالحة للنشر، فالسياسة هي التي تسيطر على ذهن الشاب، وكل مقال سطره كان ينطلق من رؤية سياسية. وأظن أن صديقته هي التي تزرع هذه الأفكار في رأسه، باختصار: فاشية، اشتراكية، حرب أهلية في إسبانيا، أشياء من هذا القبيل، كل المقالات، كما ذكرت لك، غير صالحة للنشر، ودفعت له أجرها حتى هذه اللحظة.
كاردوزو: لا بأس، في النهاية لن تخاطر إلا بمالك.
بيريرا: ليس هذا الذي يشغلني، ولكن بدأ يساورني شك: ماذا لو كان هذان الشابان على حق؟
كاردوزو: إن كانا على حق فالتاريخ هو الذي سيحكم وليس أنت.
بيريرا: نعم، ولكن إن كانا على حق فحياتي لا معنى لها، لن يكون هناك معنى لدراستي للأدب في جامعة كويمبرا، ولا لاعتقادي الدائم بأن الأدب هو أهم شيء في الدنيا، لن يكون هناك معنى لتحريري لهذه الصفحة الثقافية في هذه الصحيفة المسائية التي لا أستطيع فيها أن أعبر عن رأيي، وعلي أن أنشر فيها قصصاً من القرن التاسع عشر الفرنسي. لن يكون هناك معنى لأي شيء. لهذا كله أشعر بالرغبة في التوبة، وكأنني شخص آخر وليس بيريرا الذي قضى عمره في العمل الصحفي، كأنني أريد أن أنكر شيئاً ما.
كاردوزو: هل تعرف شيئاً عن الأطباء الفلاسفة (médecins-philosophes)؟
بيريرا: لا، لا أعرف شيئاً.

هنا بدأ الدكتور كاردوزو يشرح لبيريرا نظرية "اتحاد الأنفس" التي أشرنا إليها في الحلقة الأولى، وأنهى كلامه قائلا لبيريرا: "ربما كانت هناك "أنا مهيمنة" في طريقها إلى السيطرة على رأس اتحاد الأنفس عندك ببطء، لا تستطيع أن تفعل حيالها شيئاً، كل الذي تستطيع أن تعمله هو أن تساعدها في مهمتها".

ولما أنهى الطبيب كلامه سأله بيريرا: "وماذا عليّ أن أفعل؟" أجابه الدكتور كاردوزو: "لا شيء. عليك الانتظار، فربما يوجد في داخلك "أنا مهيمنة" تعمل ببطء لتتولى قيادة الاتحاد. بعد كل هذه السنين التي قضيتها في الصحافة، معتقداً أن الأدب أهم شيء في العالم، دعها تسيطر. وعلى أية حال ليس بوسعك أن تصنع حيالها شيئاً، وإلا دخلت في صراع مع نفسك. فإن كنت ترغب في التوبة عن حياتك فافعل، وإن أردت أن تروي ذلك للكاهن فافعل. الخلاصة يا دتّور بيريرا، إن كنت قد بدأت تفكر في أن هذين الشابين على حق، وأن حياتك كلها كانت بلا جدوى، فليكن. فلعل حياتك من الآن فصاعداً لن تبدو بلا جدوى، وإن تركت "أنا المهيمنة" الجديدة تقودك فلا تحاول أن تُغرق آلامك في خضم من الطعام وعصير الليمون المملوء بالسكر". زعم بيريرا أنه وجد النظرية مثيرة جداً للاهتمام، وأنه سيفكر فيها.

بدأ بيريرا في برنامجه الصحي، وفي اليوم التالي أدار مع طبيبه حواراً ممتعاً نلخصه في الأسطر التالية:

كاردوزو: كيف قضيت ليلتك؟
بيريرا: جيداً، ولكني قرأت إلى ساعة متأخرة. معي كتاب لألفونس دوديه(2)، هل تحب دوديه؟
كاردوزو: لا أعرفه جيداً.
بيريرا: فكرت في ترجمة إحدى قصصه في "حكايات الاثنين" (Contes du lundi).
كاردوزو: هل لك أن ترويها لي؟
بيريرا: حسناً، إنها بعنوان "الدرس الأخير"، وهي تروي قصة مدرس في إحدى القرى الفرنسية، كان كل تلاميذه من أبناء الفلاحين: أطفال فقراء كان عليهم أن يعملوا في الحقول، فيضطرون للتغيب عن الدروس. وفي اليوم الأخير من أيام المدرسة، وكانت الحرب الفرنسية- البروسية قد انتهت، ظل المدرس ينتظر آيساً وصول أي تلميذ. ولكن جاء بدلاً منهم كل رجال القرية، فلاحوها ورجالها المسنون، جاءوا جميعاً لتكريم المدرس الفرنسي الذي يستعد للسفر، لأنهم كانوا يعلمون أن الألمان سيحتلون قريتهم في اليوم التالي. فكتب المدرس على السبورة "عاشت فرنسا" ، ومضى دامع العينين، تاركاً القاعة في تأثر عظيم.
كاردوزو: جميل، ولكني لا أعلم إذا كان الناس في البرتغال اليوم يتقبلون قراءة عبارة "عاشت فرنسا" نظراً للأوضاع الراهنة. من يدري لعلك قد بدأتَ في إفساح مكان لأنا المهيمنة الجديدة. إنني ألمح "أنا مهيمنة" جديدة.
بيريرا: ما الذي تقوله يا دكتور كاردوزو، هذه قصة من القرن التاسع عشر، قصة عفّى عليها الزمن.
كاردوزو: نعم، ولكن حتى إن بدأت القصة كذلك، فإن فرنسا ستظل دائماً معادية لألمانيا، وألمانيا في بلد كبلدنا لا تمس. ألم تر كيف فرضت التحية في المناسبات العامة؟ الجميع يؤدون التحية بذراع ممدودة مثل النازيين.
بيريرا: سنرى، ولكن "ليسبوا" صحيفة مستقلة.
كاردوزو: ماذا تعني بصحيفة مستقلة في البرتغال؟
بيريرا: إنها صحيفة غير مرتبطة بأية حركة سياسية.
كاردوزو: ربما، ولكن رئيس تحرير صحيفتك، يا عزيزي الدتّور بيريرا، هو من رجال النظام، إنه يظهر في كل المناسبات الرسمية. ويبدو عندما يمد ذراعه وكأنه يريد أن يرمي رمحاً.
بيريرا: هذا صحيح، ولكنه من الداخل ليس رجلاً سيئاً. وفيما يخص الصفحة الثقافية فقد فوض لي فيها الأمر.
كاردوزو: هذا سهل، في كل الأمور توجد رقابة وقائية، ففي كل الأيام صحيفتك لا ترى النور قبل أن تمر مسودتها عبر قسم إجازة الطبع لدى الرقابة الوقائية، وإذا كان هناك شيء غير مرغوب فيه، فكن مطمئناً إلى أنه لن ينشر، ويا ليتهم يتركون فراغاً أبيض، فكثيراً ما رأيت هذه الفراغات البيضاء في الصحف البرتغالية...
بيريرا: أدري، وسبق لي أيضاً أن رأيتها، ولكن هذا لم يحدث مع "ليسبوا".
كاردوزو (مازحاً): قد يحدث، هذا يتوقف على "الأنا المهيمنة" التي ستتولى السيطرة على "اتحاد الأنفس". إذا أردت أن تكون عوناً لهذه "الأنا المهيمنة" التي بدأت في النمو، فربما من الأفضل لك مغادرة هذا البلد، وسيقل صراعك مع نفسك. أظن أن في داخلك إرادة تمكنك من أن تصنع هذا، أنت رجل محترف وجاد، تتكلم الفرنسية بطلاقة، أرمل بدون أولاد، ما الذي يربطك بهذا البلد؟
بيريرا: تربطني حياة عشتها، يربطني الحنين إلى الماضي. وأنت يا دكتور كاردوزو، لماذا لا ترجع إلى فرنسا وقد درست وتثقفت فيها؟
كاردوزو: لا أستبعد ذلك. إنني على اتصال بمصحة سان باولو للعلاج الطبيعي، وقد أتخذ القرار في أية لحظة.

ذهب بيريرا ليأخذ غفوة القيلولة، وعندما قام راح يحدّث صورة زوجته ملخصاً لها نظرية "اتحاد الأنفس"، ثم أخبرها أن الدكتور كاردوزو قال له: "إنه بدأ يسلخ نفسه القديمة ويغيرها بنفس جديدة كما يسلخ الثعبان جلده ويتخذ جلداً جديداً... في الحقيقة لا أعلم مدى صحة ذلك، لست مقتنعاً كثيراً بالأمر، صبراً، سوف نرى".

ثم مضى يترجم قصة "الدرس الأخير"، كان لا يريد أن يفرغ من ترجمتها بسرعة حتى تكون القصة رفيقته طوال إقامته في المصحة، فكان يترجم كل يوم مقطعاً صغيراً منها.

*   *   *

يبدو أن طبخة الانقلاب التي تعد له "أنا المهيمنة" الجديدة للاستيلاء على "اتحاد الأنفس" قد أوشكت على النضج، إلا أن "أنا المهيمنة" القديمة تشعر بهذه التحركات المريبة وتسعى، رغم ضعفها، إلى أن تقمع التمرد الداخلي في صفوفها. يحاول بيريرا أن يبدو محايداً في هذا الصراع ولا يتدخل في شؤون نفسه الداخلية، إلا أن تآمره وتواطؤه مع "أنا المهيمنة الجديدة" أوضح من أن يخفيه. وهذا ما سيتضح لنا في الحلقة القادمة.
________________________________________________

(1)   Sigmund Freud (1856- 1939) طبيب نمساوي، مؤسس نظرية التحليل النفسي.
(2)   Alphonse Daudet (1840 – 1897) كاتب فرنسي.


         
         

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home