Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Youssef El-Megreisi

Monday, 3 April, 2006

مرضى الـقـلم

يوسف المجريـسي

الأخطاء التاريخية الشائعة كالأخطاء اللغوية الشائعة، يظن المرء صحتها لذيوعها وشهرتها وهي ليست صحيحة، وقد يطغى الخطأ على الصحيح بالإصرار عليه: "خطأ شائع خير من صحيح مهجور". بعض الأقوال المأثورة لكثرة ترديدها على الألسنة يخيل لبعضهم أنها آيات قرآنية: "الأقربون أولى بالمعروف"، "كما تكونوا يولّى عليكم" "كما تدين تدان" وغيرها.

ولو لم يأت الله لنا بسيرة نبيه لوط في كتابه الكريم لظننا أنه أول من مارس الشذوذ الجنسي أو دعا له في التاريخ، فبدلاً من نسبة كل من يحارب الشذوذ الجنسي إلى لوط أصبح يشتق من اسمه كل أسماء الشذوذ الجنسي وأفعاله "لاط، يلوط، لوطي، اللواط.. إلخ".

لا شيء يتعرض للتزوير وتضارب الأقوال كالتاريخ، بحيث يصعب على الناس معرفة الحق من الباطل. آلة تزوير التاريخ لا تتوقف عن العمل، فتاريخ ليبيا بعد الغزو الإيطالي، الذي لا يزال بعض معاصريه أحياء، تتضارب الأقوال بشأنه. فهذا الشارف الغرياني الذي كان يضرب به المثل في الخيانة يقف اليوم من ينفي عنه الخيانة ويطالبنا بتصحيح الصورة عنه. تراشق اثنان من رؤساء وزراء العهد الملكي الليبي في مذكراتهما، وكذّب كل منهما الآخر، ليس في حادثة أو اثنتين بل في الوقائع كلها تقريباً. لا يزال أغلب العرب، وكثير من الليبيين، يصدقون إلى اليوم فرية عبد الناصر أن أسراب من طائرات العدوان الثلاثي عام 1956 انطلقت من طبرق، هذا عدا التواريخ الخاطئة التي تدون في الكتب، سهواً أو عمداً، ويتناقلها المقتبسون دون تحقيق أو تمحيص.

خذ هذا المثل من بريطانيا. فبعد وفاة جيمس كلاهان رئيس الوزراء الأسبق، في نهاية شهر مارس من العام المنصرم، نفت صحيفة "الإندبندنت" ومحطة البي بي سي مقولة مشهورة جداً كانت تنسب له وهي: " ?Crisis? What crisis " "أزمة؟ أية أزمة؟"، وأكدت الصحيفة، وكذلك الإذاعة البريطانية، أن كالاهان لم ينطق أبداً بهذه الجملة، وإنما كانت الجملة عنواناً فرعياً لصحيفة الـ "صن" البريطانية نُشر عقب لقاء أجرته معه يوم كان وزيراً للخزانة، بعد عودته من أحد المؤتمرات الاقتصادية.

إذا كان التحريف يحدث اليوم في بريطانيا، بعد وصول الإنسان إلى القمر، وهبوط المركبات الفضائية على المريخ، وبعدما أصبحت وكالات الأنباء تدون الخبر عالمياً في ثوان بأحدث الأجهزة العلمية، فكيف بالقرون الأولى يوم كانت الروايات لا تدون إلا بعد سلسلة طويلة من العنعنات عبر أجيال ممتدة بينها وبين القائل، أو الحدث، تكاد تصل إلى مائتي عام أو يزيد؟

يدّعي المدافعون عن كتب السلف أن هذه الطريقة هي الطريقة نفسها التي وصلنا بها القرآن. وهو ادّعاء غير صحيح، لأن القرآن دوّن في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، وجمع في مصحف واحد في عصر الخليفة الثالث سمي مصحف عثمان، وتم توزيعه على الأمصار في عهده وكتّاب الوحي لا يزالون أحياء. فالذي وصل إلينا بالعنعنة تعدد القراءات وليس القرآن نفسه.

إن تاريخنا الإسلامي مليء بأوهام أصبحت حقائق لا يجرؤ أحد أن يقف طاعناً في صدقها، نتوارثها أباً عن جد ولسان حالنا يقول:"إنا وجدنا آباءنا على أمة، وإنا على آثارهم مهتدون". ومن هذه الأوهام زواج الرسول صلى الله عليه وسلم من السيدة خديجة وهي في سن الأربعين.

إن أولاد الرسول كلهم، عدا إبراهيم، هم من السيدة خديجة، فكيف تحمل امرأة بعد الأربعين ست مرات أو سبعاً(1)، ولا سيما أن الروايات كلها تتفق على أن ميلاد فاطمة الزهراء كان بعد البعثة، فإذا تزوج الرسول خديجة وهو في الخامسة والعشرين، ثم بعث وهو في الأربعين، أي بعد خمسة عشر عاماً من زواجه، فتكون السيدة خديجة قد ولدتها وقد تجاوز سنها 55 عاماً على أقل تقدير. قد تحمل المرأة بعد الأربعين مرتين أو ثلاثاً، ولكن أن تحمل كل سنتين حتى سن الخامسة والخمسين أو يزيد فأمر لا يصدق. مما يرجح أن سيدنا محمد تزوج السيدة خديجة وهي في أواخر العشرينيات من عمرها، ولم تكن تكبره إلا بسنوات قليلة.

وانتهز فرصة هذا الرد لأقول أيضاً إن زواج الرسول صلى الله عليه وسلم من السيدة عائشة وهي لماّ تبلغ التاسعة فرية تاريخية صدقناها هي الأخرى لأن تقديسنا لكتب التراث أعمانا عن توظيف عقولنا. فانتقاد شيء اتفق عليه آباؤنا الأولون دخيل على ثقافتنا، ولا يجوز في حق حضارتنا المعصومة!

معلوم أنه لم يكن للعرب تاريخ يؤرخون به قبل العمل بالتاريخ الهجري، وكانوا يتذكرون السنوات بما وقع فيها أو قبلها أو بعدها من أحداث، كعام الفيل، وعام الفجار، أو أيام ربيعة (حرب البسوس)، وأيام قيس (يوم داحس والغبراء، وأيام غيرها)، وعام الهجرة، وعام الفتح، إلخ، بل ظلت هذه العادة متبعة حتى بعد اعتماد التاريخ الهجري. وربما يجهل بعضنا في أي سنة هجرية كان عام الرمادة، ولكننا نعلم أنه حدث في عهد الخليفة الثاني. ولا تزال عجائزنا في ليبيا تعمل بهذه الطريقة إلى اليوم، فهنّ يؤرّخن عمر الشخص بمقارنته بعمر شخص آخر، فإلى اليوم لا تعرف والدتي تاريخ ميلادي، كل ما تعرفه أني ولدت بعد ميلاد أحد أبناء عماتي بثلاثة أشهر، وأن بيني وبين أخي الذي يكبرني مباشرة عامين ونصف العام.

وقد ذكر ابن كثير في"البداية والنهاية" أن أسماء بنت أبي بكر كانت تكبر أختهاعائشة بعشر سنوات(2)، وقد توفيت أسماء عام 73 هجرية عن عمر يناهز مائة سنة، كما جاء في "البداية والنهاية" وفي "الأعلام" للزركلي، وغيرهما من كتب الأعلام والتاريخ، ومن ثم يكون عمر أسماء بنت الصديق عام الهجرة 27 عاماً، فكيف يكون عمر أختها التي تصغرها بعشر سنوات تسع سنوات في العام نفسه؟ لو حسبنا الأمر، لاتّضح لنا أن الرسول خطب أو تزوج السيدة عائشة وعمرها 17 عاماً تقريباً، ودخل بها بعد بدر وعمرها 19 عاماً. وهذا هو الأقرب إلى الصواب وإلى سيرة رسولنا الكريم عليه السلام. لقد شاع سن زواج السيدة عائشة وهي بنت تسع سنوات كما شاع سن زواج السيدة خديجة وهي في الأربعين، لأن الرواية المشهورة عندنا لا تتعرض للتحقيق والتدقيق، فلو نظر ابن كثير جيداً لترجمته لعائشة ولأختها أسماء لتبين له تناقضاته في الترجمتين، ولكن المؤلف، كما يقال، هو أسوأ مصحح لنفسه.

كل تواريخ ميلاد أولئك الذين عاصروا الرسول، صلى الله عليه وسلم، هي من اجتهادات المؤرخين حسب اطلاعاتهم على الوقائع والأحداث، ولكنها لا ترقى أبداً إلى درجة اليقين، فلا كان لعائشة شهادة ميلاد رسمية محفوظة في خزائن الآستانة، ولا نعرف لأبيها الصديق كتيب (دفتر) عائلة صادراً من بلدية مكة ومحفوطاً اليوم في متحف اللوفر لكي نصدق أن رسولنا الكريم تزوج من بنت في التاسعة من عمرها.

ويجب أخيراً أن ألفت الانتباه إلى الانطلاقة الصاروخية في تدوين التاريخ التي أخذت تنتشر فجأة في الداخل والمهجر. فلعل القراء لاحظوا تزايد عدد المؤرخين والاهتمام بالتاريخ في السنوات الأخيرة، وهي لا ريب ظاهرة حسنة، فالتاريخ مدرسة للشعوب والأمم إذا أحسن المؤرخ تحليل الأحداث، وربط الماضي بالحاضر، أو التصدي بالتصحيح لمزوّري التاريخ. ولكن ما نراه اليوم، للأسف، هو فرار جماعي لمثقفي ليبيا إلى الماضي بحجة تدوين التاريخ أو قراءته. إنه فرار من الواقع إلى الأوهام. إنه علاج نفسي زائف لا يزيد كاتبه المريض إلا مرضاً، إذ لا شيء جديد في أغلب الكتابات، فبلادنا تشهد اليوم إبادة حضارية كاملة، ولكن الكاتب يعجز عن أن يطلق لسانه بكلمة واحدة يواجه بها الطاغية، فيشعر بذل القلم ومهانة الجبن، ويهرع عندها إلى ما يسميه الطبيب النفسي "فرويد" إلى "التعويض المفرط" (overcompensation)، فالذي يعجز عن مواجهة صعلوك سرت يستدير إلى مقارعة جنرالات إيطاليا، لا لأنهم يسرحون في طرابلس أو يمرحون في برقة، ولكن لأنه مطمئن إلى أنهم قد غدوا رميماً وهم يهجعون في سبات المقابر. أمّا الشرير الأكبر الذي سام قومنا سوء العذاب كل هذه السنين الطوال، فلا بأس أن يمدّ له يد المصافحة وقلم المصالحة. فنعم البطولة بطولة التنديد بغراسياني، ونعم الشجاعة شجاعة صب اللعنات على موسوليني. وإننا نقول لهؤلاء الفرسان الذين يجندلون من هم في الأكفان أن انظروا حولكم: أكثر من ألف ومائتي سجين ذبحوا في سجن بو سليم، فانعوهم بكلمة واحدة من أقلامكم البليغة التي ما فتئت تتباكى على ضحايا معتقلات العقيلة والبريقة.

لقد كنت في زيارة إلى بيروت في شهر ديسمبر من العام الماضي، وانتهزت فرصة انعقاد الدورة التاسعة والأربعين لمعرض بيروت الدولي للكتاب، وهو من أكبر المعارض في العالم العربي وأقدمها، واشترك فيه قرابة مائتي دار نشر في العالم العربي، فتجولت فيه فلم أجد من الكتب الليبية المعروضة إلا كتاب "ليبيا بين الماضي والحاضر" للدكتور محمد المقريف، وبعض كتب الصادق النيهوم. من الواضح أن الكتاب الليبيين لا يحرصون على انتشار الكتاب بقدر ما يهمهم التأليف لغرض التأليف، وذلك لأسباب نفسية لا علاقة لها بفكر أو مبدأ أو قضية، فتخرج كتبهم مفصلة لإرضاء جميع المقاسات عدا مقاس الحقيقة.
________________________________________________

(1) بنات الرسول أربع، واختلف الرواة في عدد أولاد الرسول الذكور من السيدة خديجة، بعضهم يذهب إلى أنههم اثنان، وبعضهم يقول ثلاثة، وبعضهم أربعة، ومنهم من يذكر أن الطاهر أيضاً ولد بعد البعثة.
(2) البداية والنهاية، المجلد الرابع، الجزء الثامن، ص 315، (دار المنار، القاهرة، 2001). هناك عدة طبعات لهذا الكتاب وبإمكان القارئ البحث في باب ترجمة أسماء بنت أبي بكر الصديق.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home