Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Youssef El-Megreisi

الأحد 2 نوفمبر 2008

أمم العـبيد

يوسف المجريـسي

ظاهرة بروز أبناء الرؤساء في الدول العربية، وتدخلهم السافر في شؤون الحكم والدولة، لم تكن معروفة في الماضي، فعدا بورقيبة الابن، الذي ظهر لفترة قصيرة على المسرح السياسي أثناء حكم أبيه، لا أعرف أي رئيس عربي قبل بداية التسعينيات من القرن المنصرم أعطى أحد أبنائه صلاحيات سياسية لا يتمتع بها حتى رؤساء الوزراء. بل إن بعض الممالك والإمارات العربية يتوارث فيها الإخوة – لا الأبناء – الحكم، وقد فوجئ العالم عندما عين الملك حسين قبل موته بفترة وجيزة ابنه عبد الله ولياً للعهد، بعدما شغل أخوه الحسن هذا المنصب لسنوات طويلة.

لم يكن بشار الأسد معروفاً في سوريا أو خارجها، ولم يكن له أية اهتمامات سياسية قبل وفاة أخيه الأكبر باسل. إذ كان باسل هذا، قبيل مصرعه في حادث سيارة عام 1994، قد بدأ، بتوجيهات من أبيه، يأمر وينهى، يعين ويعزل، إذا أومأ التقط المسؤولون إشاراته وخروا له مذعنين. تصفق له الأيادي عقب كل خطاب وتصريح، ولا تخلو أعراس النفاق من مشاركة بعض رجال المعارضة السورية في المنفى، كما يحدث عندنا اليوم تماماً. وبعدما لقي باسل مصرعه استدعي فوراً من يليه في تسلسل العرش السوري، ولقن دوره السياسي، وأمر أئمة حزب البعث السوري وكبار شيوخ الدين بمبايعته ولياً للعهد ليتولى الأمر من بعد أبيه، وبدأت دبكة المنافقين ترقص للابن الأصغر بعدما غيب الموت الابن الأكبر، وبقية فصول المسلسل الأموي معروفة.

ولولا سقوط حكم صدام لكنا شاهدنا نسخة مكررة من هذه الكوميديا الوراثية، ثم يعاد عرضها أيضاً في مصر واليمن وليبيا ودول عربية أخرى: المسرحية نفسها مع اختلاف خشبة المسرح والممثلين.

إن تأييد اعتلاء أبناء الرؤساء للعرش لم يعد يقتصر على حاشية السلطان، وإنما امتد ليشمل حتى المحسوبين على المعارضة والتيارات الإسلامية، فضلاً عن لاعقي أحذية السلاطين من حملة الأقلام المخصية والمرتشية.*

غدت مقاومة التوريث والاستخفاف بقرار الشعوب كما قال أحدهم: "مناطحة للصخر، ومعاندة للرياح، وسباحة ضد التيار". هذا هو الفكر الذي يحمله أغلب السياسيين والمثقفين في العالم العربي، لا فكر لهم ولا مبدأ ولا موقف، يبيعون شعوبهم وأوطانهم وشرفهم من أجل وظيفة أو منصب. لا حديث لهم إلا عن سيف، ومشروع سيف، وشرعية سيف: صرح المهندس سيف، ذكر الدكتور سيف، نأمل في السيد سيف... هذا، فضلاً عن ذكر أخبار بقية الشجرة المباركة في سرت: ذرية بعضها من بعض!

لقد اعتاد العرب منذ جاهليتهم الأولى على صناعة الصنم ثم عبادته.

يقول هارولد ويلسون، رئيس وزراء بريطانيا الراحل: "الأسبوع مدة طويلة في عالم السياسة" .(A week is a long time in politics) ولكن ثلاثة عقود أو أربعة ليست بشيء عند أمم العبيد، لأنها لا تفكر أبداً في الأفضل أو الأحسن، وإنما تفكر دائماً في "أخف الضررين".

إن الطاغية لا يشعر بامتلاك الدولة وبمن فيها إلا إذا وجد فيها شعوباً ترضى بالعبودية وتمكنه أن يفعل فيها ما يشاء، ومادام الناس ملكوه أمرهم ومصائرهم وغدوا عبيداً في مملكته فهو يرى أن من حقه أن يورّث عبيده لأبنائه، فالعبيد أصلاً يعدّون متاعاً يباع ويشترى في الأسواق كما تباع وتشترى الدواب، ويورثون كما تورث الأطيان سواءً بسواء.

لا ريب أن فقه العبيد يطبق على شعوبنا تماماً، فقد ورثنا فقهاً لا يجيز حرية العبد إلا إذا منّ بها عليه سيده، والعبد الآبق لا تقبل له صلاة حتى يرجع لسيده. لقد جُرّد العبيد من حق كسر قيودهم، فالإنسان الذي أخذ غنيمة واسترقّ بالقوة لا يحق له أن يسترد حريته بالقوة، بل ينتظر حتى يجود عليه بها سيده، أو أحد الورثة من أبناء سيده، ليعطيه حرية الكلمة، أو ليضع دستوراً يلقي له فيه الفتات من حقوقه المسلوبة.

فهل نرضى لأنفسنا أن يطبق علينا فقه الرقيق؟

قيل لرجل قضى عمره معتكفاً بين الكتب ولم يعمل بعلمه أبداً: "لقد أفنيت عمرك في جمع السلاح، فمتى تقاتل به؟" ونحن كذلك أفنينا أعمارنا في تعرية القذافي، فمتى نبدأ في جلد ظهره ودبره وبقية الأدبار العفنة التي تحيط به؟

إن متابعة أخبار الحكام والتعقيب على خطبهم وتصريحاتهم وزيارتهم يهتم بها عادة المراسلون وكتبة الريبورتاج وصحافيون من الدرجة الثالثة. أما المعارضون فهم رجال مواقف وأصحاب قضية، فمن الأفضل أن يصبوا جهدهم في الأمور التنظيمية الجادة: في تجنيد الشباب الناقم، والبحث عن مصادر تمويله وتدريبه وتسليحه.

لم أسمع في حياتي كلها خطاباً واحداً للقذافي، ولم أصبر مرة على مشاهدته أكثر من دقيقة في مقابلاته الصحفية المتلفزة، فما أكاد أرى وجهه حتى يصيبني الغثيان. ولا أقرأ إطلاقاً مواقع سيف أو معارضته المخصية، فموقع "ليبيا اليوم" لم أدخل إليه إلا مرة واحدة عندما نشر إعلاناً في موقع "ليبيا وطننا". وكذا الأمر مع المواقع المتساقطة مع "أوراق الخريف" التي يمولها كبير المخبرين موسى كوسة.

كاريكاتيرات فنان المعارضة الصامد (الساطور) تلخص لي كل ما يدور في مواخير الإعلام المخصي والمرتشي، فرسوماته المعبرة سياطٌ تلهب ظهور المنافقين وتغني عن قراءة ألف مقال وتعقيب.

أولاً، وقبل كل شيء، علينا أن نرفع شعار: "تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها" في وجه القذافي وصبيانه. يجب أن نرفض أي شيء يأتي منهم، فلا شيء يأتي منهم لوجه الله، ولن نقبل بأقل من اختفائهم عن المسرح السياسي في ليبيا اختفاء كلياً.

ثم لا يكفي أن نستقر في رحلة المعارضة، بل علينا أن ننتقل منها إلى مرحلة المقاومة، فنبارك العمل العسكري ونحرض عليه لاسترداد حريتنا بقوة السلاح كما اغتصبت منا بقوة السلاح. علينا تشجيع الشباب القادر على العطاء، والقادر على الدخول إلى ليبيا والخروج منها، لتأسيس خلايا وتنظيمات مسلحة، بدلاً من تشجيع طلبات اللجوء السياسي، وإبقاء أغلب الطاقات الشابة مشلولة عن الحركة. فماذا يستطيع شاب في إحدى قرى اسكندينافيا أن يقدم لوطنه؟ أقول هذا بعد أن قرأت من يهنئ مهللاً لأن أحد أبنائنا نال لجوءاً سياسياً في السويد: هكذا سمت طموحاتنا وإلى هذه القمة بلغت أحلامنا!

ترى لو كان لأي تنظيم معارض جناح عسكري فهل يتجرأ القذافي على أن يتسكع بخيمته ونوقه خارج ليبيا؟ ها أنتم رأيتم مدى الرعب الذي حل به لمجرد خروج ثلاثين أو أربعين متظاهراً في باريس ولشبونة، فما بالك لو علم أن هناك جناحاً عسكرياً يسعى لاصطياده؟

في منتصف الثمانينيات ألقى الشيخ الضرير عمر عبد الرحمن** خطبة جمعة في مسجد جنيف حث فيها المصلين على جهاد الطغاة، فقال له شاب تونسي بعد الصلاة: "نحن وضعنا يختلف عن مصر، في تونس من يتكلم يقطعون لسانه". فأجابه الشيخ بالعامية المصرية: "هو في حدّ طلب منّك تتكلم؟ خلِّ الرصاص يتكلم".

إننا حقاً أمم من الإماء والعبيد، فعلينا أن نكسر القيود ونحرر أنفسنا أولاً، ونستخدم الرصاص لغة للحوار مع أهل البغي والعدوان، ثم بعد ذلك يمكن أن نتحدث بلغة حضارية عن أن "السياسة هي فن الممكن" و"الكفاح السلمي" "واحترام الرأي الآخر" و"تعدد الآراء" وغيرها من مقولات وشعارات وضعت أصلاً لأمم حرة متحضرة تقدس حرية الإنسان، وليس لشعوب متخلفة تستعبدها عصابات من قطاع الطرق.
________________________________________________

* للمزيد عن هذا الموضوع راجع مقالنا "متافل" :
http://www.libya-watanona.com/adab/megreisi/ym22027a.htm

** الشيخ عمر عبد الرحمن، فك الله أسره، رجل يختلف تماماً عن الصورة البشعة التي رسمتها له الدعاية المصرية الفاسدة. وفكره السلفي يختلف عن الفكر السلفي الوهابي جملة وتفصيلاً. لم أعرف في حياتي شخصاً ينصت للآخرين، ويكره مقاطعة الناس أثناء الكلام مهما أطالوا كالشيخ عبد الرحمن. هذا، بالإضافة إلى خفة دمه وشخصيته المرحة. لقد ربطتني به صداقة قوية رغم أنه لا شيء يجمعنا فكرياً إلا بغضنا للاستبداد والطغاة. وأستطيع أن أؤكد، بحكم معرفتي به، أنه بريء تماماً من الجريمة التي لُفقت له في أمريكا، وأنه لا يمكن أن يقر بالقتل العشوائي أو يستبيح دماء الأبرياء، سواء أكانوا في الشرق أم في الغرب. وقد نصبت المخابرات المصرية له فخاً واستدرجته إليه بمساعدة أمريكية للتخلص منه للأبد. ويكفي أن تسأل، كيف يحصل شخص، اشتهر بفتواه التي أباحت دم أنور السادات، على التأشيرة الأمريكية بمنتهى السرعة والسهولة، على حين يلهث أشخاص عاديون لسنوات قبل الحصول عليها؟


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home