Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Youssef El-Megreisi
الكاتب الليبي يوسف المجريسي

الجمعة 2 اكتوبر 2009

"مجزرة" بني قريظة : الحقيقة والأسطورة

يوسف المجريسي

ابتليت أمتنا، إضافة إلى حكامها، بشيوخ ورجال دين لا عقول لهم، لا يفكرون ولا يحللون ولا ينتقدون ولا يدققون، فهم مجرد نقلة لكتب الأولين لا أكثر. ومن القصص التي تنقل لنا أباً عن جد وتصدقها شعوبنا المخدرة أن الرسول، صلى الله عليه وسلم، أمر بقتل مئات الأسرى من يهود بني قريظة بعد غزوة الخندق لأنهم خانوا عهدهم مع المسلمين.

لا أكتب رداً على حكيم،[1] لأن الحق معه إذا صدقنا الروايات التي تنقل لنا عن غزوة بني قريظة، وإنما رداً على الذين يصدقون القصة بحذافيرها ويسوغون قتل قبيلة قريظة برمتها. إن الذي نبش الموضوع من جديد لا يملك من فن الحوار والمجادلة شيئاً، فضلاً عن وهن حجته وركاكة أسلوبه وسجعه الصبياني المتكلف.

لم أر أفلس حجة من الذي ينسب كل طاعن في الإسلام إلى مدارس الاستشراق، وكأن المستشرقين هم من قالوا: "أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلاً"! أو كأنهم هم الذين أخرجوا محمداً من مكة وحاربوه، ثم قتلوا حفيده، وفعلوا الأفاعيل بأهل بيته في كربلاء، وبصحابته يوم الحرة! ثم يحاول بعضهم فرض الاستبداد وحجر الكلمة حتى في هذا الموقع الليبرالي الحر، رغم أن القرآن نفسه يمتلئ بمئات الآيات من أقوال إبليس وفرعون والنمرود وغيرهم من عتاة الكفر والشرك والتمرد على الله.      

كل الذين ارتكبوا المجازر سوغوا، هم وأنصارهم، مجازرهم، بمن فيهم ابن طاغية سرت الذي سوغ مجزرة أبيه في سجن بوسليم. ولقد رأيت أن أتصدى لهذا الموضوع لأن التصديق بهذه الواقعة يعني الإقرار بجواز العقوبات الجماعية في الإسلام، وهذا ينافي القاعدة القرآنية: "ولا تزر وازرة وزر أخرى".  

أي قتل جماعي تم عبر التاريخ إن ثبت يجب استنكاره بقوة، مهما كان الشخص الذي ارتكبه، لا تسويغه. وقد أدرك سيدنا موسى أنه ارتكب جرماً عندما قتل رجلاً من آل فرعون، رغم أنه لم يقتله متعمداً ولم يستخدم آلة قتل: "... فوكزه موسى فقضى عليه. قال هذا من عمل الشيطان، إنه عدو مضل مبين. قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي، فغفر له، إنه هو الغفور الرحيم". 

فإذا كان هذا كليم الله يطلب المغفرة لأنه قتل رجلاً واحداً بدون قصد، فكيف بالذين من دونه ممن ارتكبوا أبشع المجازر لأغراض توسعية ومصالح دنيوية سواء أكانوا مسلمين أم يهوداً أم نصارى؟   

إن أول سيرة دونت حياة الرسول هي سيرة ابن هشام المروية عن زياد بن عبد الله البَكّائيّ، عن محمد بن إسحاق. بدأ ابن إسحاق تاريخه من سيدنا آدم إلى وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، إلا أن ابن هشام رفض تدوين أي شيء يعود إلى ما قبل عهد إسماعيل عليه السلام. وتكاد تكون أغلب كتب المغازي والسير، إن لم يكن كلها، عالة في مراجعها على روايات ابن إسحاق وتعتمد عليها اعتماداً تاماً، وكثير من الحكايات والخرافات، التي تناقلتها الأمة وتقبلتها قبولاً حسناً، انطلقت من أوراق ابن إسحاق.  

سيرة ابن هشام، وإن غلب عليها الطابع التاريخي، يجوز أن تصنف اليوم كرواية (fiction). ليس هذا تقليلاً من أهميتها، أو إشارة إلى خلوها من الحقائق، بل لأنها أقرب للدراما منها للسرد التاريخي. فكل فصل يصلح أن يكون سيناريو لفيلم. حتى الأحلام يرويها لنا ابن إسحاق مفصلة، ليس أحلام الصحابة فحسب، بل أحلام أقوام عاشوا قروناً قبل الإسلام.

كان ابن إسحاق، المعروف بشيخ رجال السيرة، مشهوراً بالمجون، وقال عنه الإمام مالك وهشام بن عروة بن الزبير إنه كذاب ودجال ينقل عن اليهود وأحبارهم. وابن إسحاق نفسه طعن في نسب ابن مالك وعلمه.[2]  

وتعج سيرة ابن هشام بالمتناقضات والأساطير، واختلط فيها الحق بالباطل. وقصة قتل الرسول ليهود بني قريظة، بالصورة التي تنقلها لنا كتب المغازي وبعض كتب الصحاح، إذا وضعناها في ميزان النقد العلمي، لا تستقيم، لا عقلاً ولا شرعاً، اللهم إلا إذا شككنا في القرآن، وفي عقولنا أيضاً. فالقاعدة السماوية تقول: "ولا تزر وازرة وزر أخرى" ومحال أن يخرج الرسول على هذه القاعدة، وإلا أصبح يناقض ربه ويناقض رسالته. وسأحلل روايات ابن إسحاق نفسها لأبين تناقضاتها وسخفها.  

يروي ابن إسحاق أن سعد بن معاذ، بطل هذه القصة، أصيب يوم الخندق، وتم حصار بني قريظة بعد رجوع الأحزاب يوم الخندق، ومات سعد بعد الاحتكام إليه في أمر بني قريظة بسبب هذه الإصابة. وقد روى ابن إسحاق أن سعد بن معاذ قال بعد إصابته يوم الخندق وأيقن بالموت: "اللهم لا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة".

يدّعي ابن إسحاق أن اليهود رضوا بحكم الرسول ولكن الأوس، حتى قبل العلم بحكم الرسول، احتجوا قائلين: "يا رسول الله إنهم موالينا دون الخزرج، وقد فعلت في موالي إخواننا بالأمس ما قد علمت".[3] وتراضوا في النهاية على حكم سعد بن معاذ، الذي حكم بقتل الرجال، وتقسيم الأموال، وسبي الذراري والنساء.  

هذا ملخص القصة. ولنا أن نتساءل الآن: كيف يعرض الأوس، الذين يريدون حماية بني قريظة، عن حكم الرسول المعروف بالرأفة والرحمة، ويرضون بحكم سعد بن معاذ وهم يعلمون بما دعا به ربه؟ ألم يسمع أحد من الأوس ما قاله سعد بعد إصابته؟ وإذا سلمنا بصحة المقولة، فكيف يحكم بالعدل من يتفوه بهذا الكلام؟ وكيف يرضى الرسول بحكمه؟ وما ذنب النساء والأطفال فيما صنعه الرجال؟ هل من العدل أن تؤخذ المرأة بجريرة زوجها، والابن بجريرة أبيه؟ كيف يستقيم الحكم مع قول الله تعالى: "إن الله يأمركم أن تؤدّوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل" "وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط، إن الله يحب المقسطين"، وقوله تعالى:"ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى"؟   

ولنا أن نتساءل أيضاً، من الناحية الشرعية، أي رسول هذا الذي يترك أرواح مئات البشر، وهو على صلة بحي عادل لا يموت، لحكم رجل خطّاء أصيب بإصابة قاتلة عانى على إثرها من سكرات الموت؟ لماذا لم يحتكم الرسول إلى الله مادام غزو بني قريظة، كما يدعي ابن إسحاق، كان أمراً جاء به جبريل من السماء؟ كيف يستقيم أن يرضى اليهود بحكم الرسول ولا يرضى به المؤمنون من الأوس؟  

وليعطي هذا الحكم تصديقاً من السماء ينسب ابن إسحاق للرسول أنه قال لسعد: "لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة". إذا كانت العدالة البشرية قد تصل بعقلها أو حكمتها أو تجاربها إلى العدل الإلهي نفسه، فما الداعي لأن يُحكّم البشر السماء في شؤونهم؟ وإذا سلمنا بأن الرسول يحتكم لغير الله في مثل هذا الشأن الخطير، وهو على صلة بالسماء، نزولاً عند رغبة أتباعه، فما الداعي لأن يحتكم المسلمون، بعد انقطاع الوحي، لرب لم يحتكم إليه الرسول نفسه أثناء نزول الوحي؟  

إذا صدقنا أساطير ابن إسحاق فعلينا أن نعيد النظر في رسالة الإسلام برمتها. ونعد العقوبات الجماعية هي من صميم هذا الدين.         

وحسبنا هاتان الروايتان اللتان يذكرهما ابن إسحاق عن سعد بن معاذ بعد روايته لتلك الحكايات، لتتضح لنا تناقضاته: "إن جبريل عليه السلام أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين قبض سعد بن معاذ، من جوف الليل معتجراً بعمامة من إستبرق، فقال: يا محمد، من هذا الميت الذي فتحت له أبواب السماء، واهتز له العرش؟ فقام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سريعاً يجر ثوبه إلى سعد، فوجده قد مات." 

بعد فقرتين فقط من هذه الرواية المزعومة يورد ابن إسحاق في رواية ثانية: "لما دفن سعد سبح رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسبح الناس معه، ثم كبر الناس معه، فقالوا يا رسول الله، ممّ سبحت؟ قال: لقد تضايق على هذا العبد الصالح قبره، حتى فرجه الله عنه".  

من لي بعاقل يصدق أيّا من الروايتين؟ أين هو سعد، في الأرض أم في السماء؟ أم في المكانين معاً؟ كيف تفتح أبواب السماء لفرد، ويضيق عليه القبر في الوقت نفسه؟ أجعل الله له روحين في جوفه؟ وإذا اهتز العرش[4] لموت صحابي فتُرى ماذا حدث للعرش يوم وفاة آخر الأنبياء والمرسلين؟    

كيف نصدق الشيء ونقيضه؟ وكيف نرضى أن نقبل أخذ تاريخ رسولنا من رجل يروي هذه الخرافات بدون نقد وتدقيق وتمحيص؟  

إن أي شيء يعارض مبدأ من مبادئ القرآن يجب عدم تصديقه. إن الرسول مأمور بطاعة الله لا مخالفته، وقد شنع الله على فرعون لقتله الأبناء واستحياء النساء، فلا يمكن أن يأتي الرسول بشيء استبشعه الله في كتابه: "إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم، إنه كان من المفسدين".    

فما الفرق بين الرسول وفرعون إذا صدقنا روايات ابن إسحاق، أو رواة الأحاديث الذين نقلوا عنه؟  

يدّعي ابن إسحاق أن عدد قتلى بني قريظة يتراوح ما بين 600 و900 قتيل. ومن حقك أن تتساءل: لماذا هذه الفجوة الضخمة بين التقديرين؟ فهو يذكر عدد القتلى والأسرى من المسلمين وأعدائهم في مواقع أخرى بكل دقة، ولا يكتفي بالعدد، بل إنه يذكر العشرات ممن قتلوا من المشركين يوم بدر اسماً اسماً، ولأية قبائل ينتمون، فإذا كان عدد القتلى في ساحات المعارك من الفريقين تم إحصاؤه بهذه الدقة، فلماذا إذاً هذا التفاوت الهائل الذي يصل إلى 300 قتيل من فريق واحد، وعدّ القتلى في ساحات الإعدام أسهل بكثير من عدّهم في ساحات الحرب؟ أم هو ديدن اليهود دائماً في المبالغة بعدد قتلاهم في أية مصيبة وقعت لهم قديماً وحديثاً على مر التاريخ؟ 

ثم يقول ابن إسحاق: "وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر بقتل كل من أنبت منهم". 

أي أن الرسول أمر شباباً، كانوا قد بلغوا أو على وشك البلوغ، أن يرفعوا له عن جلابيبهم ليكشفوا له عن عوراتٍ أمر الله بسترها، فالبلوغ لا يعرف إلا بظهور شعر العانة، وأن رسولنا أمر بقتل مراهقين تتراوح أعمارهم بين 12 و14 سنة لأن آباءهم خانوا المسلمين. إذا صدقنا هذه الأكاذيب، ألم يكن الثلاثة الذين نزلت فيهم سورة التوبة أحق بالقتل من هؤلاء الأطفال؟ فلماذا يقتل الرسول الخونة من اليهود ويعفو هو وربه عن الخونة من صحابته وبني جلدته؟   

لقد أورد الله قصة بني قريظة في سورة الأحزاب في قوله: "وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب، فريقاً تقتلون وتأسرون فريقاً، وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم، وأرضاً لم تطؤوها، وكان الله على كل شيء قديراً". 

لم يتكلم الله عن قتل الأبناء، ولا عن استحياء النساء، ولا عن استرقاقهم، وإنما عن غنائم مادية لا بشرية: أراض، وديار، وأموال. واغتنام أملاك المحاربين أو مصادرتها تعد من أعراف الحروب في كل العصور إلى يومنا هذا.  

والذين قتلوا وأسروا هم الذين ظاهروا المشركين من بني قريظة، ولا نملك ما يثبت على وجه اليقين كم كان عدد القتلى، ولا ما يثبت أن قتلهم كان إعداماً، فقد يكون بعضهم قتلوا لرفعهم السيوف رافضين الاستسلام، وقد يكون بعضهم أعدم بتهمة الخيانة العظمى، فابن إسحاق ذكر أسماء شهداء يوم الخندق، وذكر أسماء شهداء يوم بني قريظة، فكيف يسقط بعض المسلمين قتلى إذا استسلم يهود بني قريظة بعد الحصار ولم يكن بينهم وبين المسلمين قتال؟ وكيف يكون هناك أسرى (وتأسرون فريقاً) إذا لم يكن هناك قتال؟ والأسر عادة لا يكون إلا بعد قتال، وليس بعد حصار. والآية الكريمة تؤكد وجود أسرى من المحاربين لم يتم قتلهم "فريقاً تقتلون وتأسرون فريقاً" فالزعم أن جميع رجال بني قريظة شملهم القتل لا يستند إلى أي دليل، اللهم إلا مزاعم ابن إسحاق، والذين أتوا من بعده ينقلون أساطيره بدون تدقيق وتمحيص. 

لقد اختلط الحق بالباطل في تاريخ غزوة بني قريظة، فالرسول صلى الله عليه وسلم، كما وصفه الله لنا، لا يمكن أن يكون هو الرسول نفسه الذي يتحدث عنه ابن إسحاق.  

تنفيذ عقوبة الإعدام في الذين يرتكبون جرائم خطيرة، أو في الخونة الذين يبيعون أوطانهم وشعوبهم للأعداء قد يباركها أكثر سكان الأرض، ولكن ذبح الأطفال واستحياء النساء وقتل العزل جماعياً وعشوائياً لم يقم به، عبر كل العصور، إلا مجرمون وطغاة جبابرة نزعت من قلوبهم الرحمة والإنسانية، ولا يبارك أو يسوغ ما صنعوا إلا جاهل أحمق أو مجرم مثلهم.   

وإذا كان الرسول قد أعدم حقاً بعض رؤوس بني قريظة فلأن خيانتهم كانت خيانة عظيمة بطعنهم المسلمين من الخلف أثناء الحرب، فإعدام الخونة أثناء الحروب أو نفيهم أو مصادرة ممتلكاتهم لا يزال معمولاً به، في أغلب دول العالم، إلى اليوم، بل إن عقوبة الإعدام في بريطانيا، وغيرها من الدول الأوروبية، كانت تشمل حتى الجنود الفارين من جيوشهم أثناء الحرب. ولم يصنع الرسول إلا ما سيصنعه أي حاكم عاقل إلى اليوم في أقوام يتعاملون مع الأعداء أثناء الحروب. لقد ألغت بريطانيا عقوبة الإعدام على جرائم القتل العمد، مهما بلغ عددها، عام 1965، ولكنها لم تلغ عقوبة الإعدام على الخيانة العظمى إلا عام 1999 بضغط من الاتحاد الأوروبي.    

كانت طريقة عقوبة الخيانة في بريطانيا حتى نهاية القرن الثامن عشر لا تخطر حتى على بال هولاكو، وكانت تسمى: (hanging, drawing and quartering) "الشنق والسحل والتمزيق". كان المذنب من الرجال يعلق أولاً على حبل المشنقة، وبعد أن يتدلى من المشنقة لفترة وجيزة ينزل حياً قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة. وبعد أن يكتّف في أحد الأمكنة يقطع عضوه التناسلي، ثم ينـزع منه أحشاؤه الداخلية، عضواً عضواً، (disembowelment) ويحرقونها أمام عينيه، وقبل أن يشرف على الموت النهائي يستأصلون قلبه. ثم يقطع رأسه، أما بقية جسده فيقطع أربعاً، ويعلق الرأس والأجزاء الأربعة من الجسد في أماكن مختلفة من أحياء المدينة، أما النساء فكن يكتّفن على أعمدة خشبية وحولها الحطب من كل مكان ثم يضرم فيهن النار في مشهد احتفالي بغيض. ولم يتم إلغاء هذه العقوبة في بريطانيا إلا عام 1790.    

رغم طرق العقاب الوحشية التي كانت تتم في بريطانيا وبعض الدول الأوروبية الأخرى؛ بارك بعض فلاسفة أوروبا الإبقاء على عقوبة الإعدام، ومنهم جان جاك روسو أحد رواد الحرية والعدالة والمساواة في أوروبا، وكان معاصراً لتلك العقوبات. ومن أشهر خطب جون ستوارت ميل(John Stuart Mill) ، أحد كبار فلاسفة الليبرالية، كانت تلك التي دافع فيها عن عقوبة الإعدام أمام البرلمان البريطاني.  

ولماذا نذهب بعيداً للبحث عن العقوبات الجماعية في أعماق التاريخ، فضحايا أمريكا في اليابان وفيتنام لا يزالون إلى اليوم يعانون من تشوهات خلقية وأمراض نفسية، بالإضافة إلى ما يقرب من مائتي ألف بريء أبيدوا قبلهم بقنبلتين ذريتين بسب سياسة إمبراطور لم يتعرض حتى للأسر أو الاستجواب بعد استسلامه، بل ترك يحكم لأكثر من أربعين سنة بعد هزيمته، هذا فضلاً عن الذين قتلوا في أفران أوروبا. عشرات الآلاف قتلوا ظلماً وعدواناً في أفغانستان، وآلاف البيوت دكت على من فيها مطاردة لفرد واحد لا يزال حراً طليقاً، ومن يدري فقد يعقد في النهاية معه صفقة كالتي عقدت مع إمبراطور اليابان أو دكتاتور ليبيا.  

ماذا فعل الغربيون بالسكان الأصليين لأستراليا والأمريكتين؟ إنهم لم يكتفوا بإبادتهم ومحو ثقافة من بقي منهم، بل لا يزال كثير من أفلام هوليوود يتعمد تشويه تاريخ الهنود الحمر وتصويرهم كوحوش لا يرون أحداً أثناء غاراتهم إلا وقتلوه، ولا يتركون مكاناً إلا وأضرموا فيه ناراً وحولوه إلى رماد.     

وأخيراً، لقد كان عدد القتلى الليبيين في مجزرة بوسليم الحقيقية أكبر بكثير من عدد قتلى "مجزرة بني قريظة" المزعومة، ولكن دموع التماسيح في الشرق والغرب تأبى إلا أن تنسكب على الرميم الموهوم لبني قريظة.


[1] لا أنوي الدخول في مناظرة دينية مع أحد، وما ولجت هذا الموضوع إلا لخطورته لأن له علاقة بالعقاب الجماعي، والمجازر الجماعية كمجزرة بوسليم، وهو ما يتنافى مع روح الأديان عامة، ومبادئ حقوق الإنسان العالمية.

[2] راجع مقدمة سيرة ابن هشام التي حققها كل من مصطفى السقا، وإبراهيم الأبياري، وعبد الحفيظ شلبي (مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، 1955). وكل ما نقلناه عن ابن إسحاق فهو من هذه الطبعة.

[3] يقصدون يهود بني قينقاع. حتى أسباب غضب الرسول على هؤلاء تبدو قصة ملفقة، فلا يعقل أن يأخذ الرسول قبيلة كاملة بجريرة شخص واحد، أو عدد من الأفراد عبثوا بثوب امرأة مسلمة. فإذا صدقنا الواقعة، فعلينا أن نعد العقوبات الجماعية هي من صميم الدين الإسلامي.      

[4] يؤوّل بعض العلماء الاهتزاز بمعنى الاستبشار بقدوم الروح، لكي لا يتزعزع إيمان الناس ببعض الأحاديث في كتب الصحاح. والعاقل لا يخفى عليه سخف التأويل. وممن أنكر حديث اهتزاز العرش الإمام مالك بن أنس.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home