Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Youssef El-Megreisi

Wednesday, 1 August, 2007

     

أبجديات منسية في العمل الوطني
( 4 من 4 )

يوسف المجريـسي

أي وحدة وطنية هذه التي يتكلم عنها كتّابنا ويخشون من انفراطها وتفككها؟ لا يوجد في ليبيا اليوم أية وحدة وطنية بمفهومها الحقيقي، اللهم إلا وحدة استئثار القذافي بالمال والسلطان من رأس أجدير إلى امساعد. وإذا تنامت النزعات الإقليمية أو القبلية أو العرقية في ليبيا فالمسؤول الأول والأخير عنها هو القذافي.

إن الاتحاد ليس غاية في حد ذاته لأي شعب من الشعوب، وإنما وسيلة لتقوية شوكتهم والمحافظة على مصالحهم، وحمايتهم من تسلط الأقوياء وعدوانهم. إن أي اتحاد إذا لم يكن في خدمة المتحدين ولم يحافظ على كرامتهم ومصالحهم بالتساوي، لا يفرق بين أعضائه، فلا خير فيه، ومصيره الانفراط والتفكك وإن طال الأمد، بل إن الوئام والاتحاد داخل الأسرة نفسها قد ينقلب إلى تنافر وعداوة وبغضاء إذا رأى أبناء الأسرة الواحدة أن رب الأسرة يفرق بين أبنائه في المعاملة، وقد يصل الخلاف إلى ذروته لو لم يساو بينهم في الإرث، أو أعطى بعضاً وحرم بعضاً آخر.

ربّ دويلات منقسمة وضعيفة ينعم أهل كل منها بالحرية والكرامة والمساواة أفضل من دولة متحدة وقوية وغنية تسخر كل قوتها وخيراتها لخدمة الطبقة الحاكمة، كما كان الأمر في الاتحاد السوفييتي سابقاً. ويتمتع اليوم سكان بعض الدويلات الصغيرة في العالم، كموناكو وليختنستاين وسان مارينو، بأعلى دخول في العالم، لما يجلبه استقرار سكانها من استثمارات دولية لهذه الدول. لو خير أي إنسان عاقل بين أن يكون أحد مواطني الصين، وهي أكبر دولة تعداداً للسكان، وثانية أقوى دول العالم اقتصادياً وعسكرياً، وبين أن يكون أحد مواطني ليختنستاين، وهي من أصغر دول العالم ولا يتجاوز عدد سكانها 35 ألفاً، ولا تملك جيشاً، فماذا سيختار؟

إن النزعة الانفصالية لا يمكن أن تنبت في إقليم إلا إذا شعر أهلها أنهم مهددون في ثقافتهم، أو ثروتهم، أو عرقهم، أو مذهبهم، أو دينهم، من قبل بقية الأقاليم، أو من طغيان حكومة مركزية تسخر أبناءهم وخيراتهم لخدمة الطبقة الحاكمة، كما نراه اليوم في بلادنا من استئثار قبيلة واحدة بالمال والسلطان، وتوزع فضلاتها على أهل الولاء والطاعة من بقية أفراد الشعب، سواء أكانوا في الشرق أم في الغرب. وفي ظل الزحف المتواصل للحريات والحقوق المدنية في العالم لم تعد حتى الأغلبية قادرة على فرض هيمنتها الكاملة على الأقليات، دع عنك العكس. فإذا كانت دكتاتورية الأغلبية قد أضحت اليوم أمراً مرفوضاً فكيف بدكتاتورية الأقلية، بله دكتاتورية الفرد؟

لو كان سكان الاتحاد السوفييتي ينعمون جميعاً بما ينعم به اليوم سكان الولايات المتحدة الأمريكية من حرية وديمقراطية لما تفكك وتساقط كأحجار الدومينو. لقد نشأ الاتحاد السوفيتي على القهر والظلم واستمر مبنياً على القهر والظلم، فانتهزت كل دولة أول فرصة لتنفصل كلياً عن حكم موسكو. أما أمريكا فلا يوجد فيها أي نزعة انفصالية، رغم عدد ولاياتها التي تفوق الخمسين، لأن ولاياتها متجانسة إلى حد كبير، كل ولاية لها حاكم، ولها قوانينها الداخلية الخاصة بها، فلا تطغى ولاية على أخرى، بالإضافة إلى الحرية والديمقراطية وفرص الحكم التي ينعم بها سكان الولايات جميعاً بدون تفريق. ورغم هذا لا يزال الناس المنحدرون من الأصول الأنجلو- سكسونية هم الذين يفوزون بالترشيح من الحزبين الكبيرين في أمريكا، وعدا جون كندي لم يصل أي كاثوليكي لمنصب الرئاسة في أمريكا، فالتعصب العرقي أو الديني ضارب جذوره حتى في المجتمعات الغربية المتحضرة، ولكنه ضبط بالدساتير والقوانين حتى لا تندلع الفتن والحروب الأهلية، فالحروب الأهلية التي خاضها الغربيون لإنهاء هيمنة الثيوقراطيين والأرستقراطيين على الحكم، وأوصلتهم إلى الاستقرار والنعيم الاقتصادي والسياسي، أكثر من أن تحصى.

وها نحن نرى دول أوروبا التي تضم شتى اللغات والثقافات والمذاهب الدينية، وعلى ما بينها من عداء تاريخي، تزداد اتحاداً يوماً بعد يوم بفضل الحريات المدنية والسياسية التي عمت هذه البلاد. وقد رأينا أيضاً البكاء والعويل والفرار الجماعي التي شهدتها مدينة هونج كونج بعدما وقعت بريطانيا اتفاقية تعهدت فيها بتسليم المدينة إلي الصين يوم 1 يوليو 1997 رغم أن الاتفاقية ألزمت الصين بالمحافظة على اقتصادها الرأسمالي واستقلالها القانوني وعدم التعرض للحريات السياسية لمواطنيها لخمسين سنة قادمة، أي حتى عام 2047. ففي الوقت الذي فر منها عشرات الآلاف إلى بريطانيا وبقية بلاد العالم الحر لعدم ثقتهم في نظام الصين الدكتاتوري، فر إليها عشرات الآلاف من بقية المدن الصينية لينعموا بوضعها الاستثنائي، ويعيشوا بعيداً عن القمع السياسي لحكومة بكين. لقد كانت الحرية هي السبب في هجرة الصينيين من هونج كونج وإليها.

ماذا ستكون الإجابة لو استفتينا سكان الولايات الليبية الثلاث: هل تفضلون استقلال الولاية وتعيشون تحت حكم تعددي ديمقراطي، أم تفضلون البقاء تحت حكم القذافي في دولة واحدة؟ لا أشك إطلاقاً أن الإجابة ستكون واحدة لسكان الولايات الثلاث، لأن العيش بحرية وكرامة غريزة إنسانية لا يرفضها إلا من غلبت عليه الغريزة الحيوانية ولا يعنيه من الدنيا إلا الأكل والتناسل. إذا أصاب السرطان جزءاً من جسم الإنسان فلا مفر من استئصاله للمحافظة على سلامة بقية الجسم.

لقد كافحت الأقليات من أجل حقوقها، فلم يُنبْ أبيض عن أسود لإنهاء الرق، ولا رجل عن امرأة لإنهاء التمييز ضد النساء، ولا صاحب جسم سليم عن معوق. ويعم العالم الغربي اليوم النقاش حول حق الفرد في رفض أجهزة الإنعاش الطبية، وإنهاء حياته، حفاظاً على كرامته ورحمة بأقربائه والذين يسهرون على العناية به. وتحدى بعض الأطباء قوانين بلادهم ولبوا نداء مرضاهم معرضين أنفسهم للسجن والفصل من المهنة الطبية إلى الأبد. طاعة ولي الأمر وإن كان ظالماً، والرضوخ لقوانين الدولة وإن كانت جائرة، والامتثال لأعراف الناس وتقاليدهم وإن كانت متخلفة، لا يعرفه إلا الجهلاء والأذلاء وضعاف النفوس. لو راعى رسولنا العظيم دين آبائه، وتقاليد قومه، وأعراف عشيرته، لآمن وحده بما أنزل عليه وانتهى الأمر.

قبل أن نلعن الأمازيغ، أو التبو، أو البرقاويين، أو أي جهة تنهض مطالبة بحقوقها أو باستقلالها، اسألوا عن السبب. هل الذين يشكون ظلم القذافي وجوره لهم عيون زرقاء، أو بشرة بيضاء، أو بنوا للعالم الأهرامات وسور الصين العظيم، أو فضلهم الله على العالمين حتى يستعلوا على بقية أهالي ليبيا ويطالبوا بالانفصال، أو بحكم ذاتي، أو بحكم غير مركزي؟ إن الذين يخشون من الفتن الأهلية ودعوات الانفصال، عليهم أن يدرسوا الأسباب، ويحددوا الجهة الحقيقية التي تتسبب في انهيار ليبيا كدولة متحدة. أما قوانين "إثارة الكراهية" التي أشار إليها الأستاذ الفاضل سالم محمد فقد صيغت مؤخراً في بعض البلدان الغربية تحت ضغط ثنائي الشر بوش وبلير، وما هي إلا قوانين فضفاضة لا تمس أصحاب القضية الليبية من قريب أو بعيد. فلا يوجد قاض عاقل في الغرب يرسل أحداً للسجن لأنه اشتكى من جرائم الخرطوم في دارفور.

قد يقول قائل إن ظلم القذافي لم تسلم منه مدينة من المدن الليبية. كلام صحيح ولا نشك في هذا أبداً، ولكن ما يمنع أن يكتب كل واحد عن مدينته بشيء من التفصيل؟ ما يمنع أن يكتب بعض من له اتصال بأهله وأصدقائه في مدينة طرابلس، ويحدثنا عما حل بمبانيها ومدارسها ومستشفياتها ومرافقها العامة، أو عن الرواتب إذا كانت لا تصل إلى أهلها؟ هل تظنون أن معارضاً من أقصى الشرق سيترك الحديث عن مآسي أهله ومدينته ويتحدث عما يعانيه أهالي غرب البلاد أو جنوبها؟ غياب الحديث عن أي مدينة كبرى في ليبيا لا يوجد له إلا أحد تفسيرين: إما أن المدينة لا تعاني من أي ظلم، وإما أن المدينة لا يوجد فيها معارضون ينقلون إلينا هذا الظلم.

كلنا حريصون على وحدة بلادنا وشعبنا، ونرفض النعرات القبلية والإقليمية التي تشتت ولا توحد، ولكن إذا أردنا أن نحارب هذه النزعات حقاً فعلينا جميعاً أن نقف صفاً واحداً في مواجهة نظام سبتمبر الغاشم، عرباً وأمازيغ، شرقاً وغرباً وجنوباً، ونترجم تضامننا على أرض الواقع، فنجسد هذا التلاحم والاتحاد في اعتصاماتنا ومؤتمراتنا ومحافلنا الوطنية وجهاً لوجه، وليس فقط بالتوقيعات على شاشات المواقع الإلكترونية.


     

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home