Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mojahed al-Bousaifi
الكاتب الليبي مجاهد البوسيفي

Saturday, 31 March, 2007


Mojahed al-Bousaifi

الروائي بلا رواية

مجاهـد البوسيفي

تفتح أعمال إبراهيم الكوني باب على العديد من التداعيات، أولها أن في ليبيا روائيين ولكن ليس هناك رواية ليبية، وهو أمر يتجاوز اللعب بالكلمات وان كان قريبا من اللعب على الوعي الذي هو المهنة الجانبية للكثير من الكتاب في ليبيا وما يشبهها من بلدان.
لتوضيح هذه الفكرة أضيف كاتبا ليبيا آخرا يمتلك لغة تعب عليها طويلا وتعتبر متقدمة على لغة الكوني المحدودة، ويمتلك خيالا أكثر خصوبة وشساعة هو أحمد إبراهيم الفقيه صاحب الثلاثية الروائية المعروفة. ماالذي نجده عندما نبحث في روايات الكاتبين؟ في أغلب الأحوال سنعثر على الكثير من الأشياء عدا ما يدل على الواقع الليبي بكل تجلياته السياسية والاجتماعية والثقافية، وحتى التاريخية.، لقد فضل الكوني الهروب من ليبيا إلى صحراء تجريدية، لا يعرفها حتى الطوارق أنفسهم، أن عالم الكوني أشبه بعالم افتراضي قد تدور أحداثه في صحراء ليبيا أو حتى صحراء المريخ، حيث يلف الكاتب ويدور في مسيرة حلزونية ليس من أجل العثور على الروح الليبية، وإنما لتفاديها والابتعاد عنها حالما يكتشف أن الطريق تقود إلى طرابلس أو بنغازي، وليس إلى واو الناموس.
استخدم الفقيه في ثلاثيته حيلا عديدة بهدف التعمية على واقع كان يمكن أن يعطي روايته نفسا حقيقيا يمنحها الشيء الذي تستحقه موهبته، وخياله.
ولعدم الوصول إلى هذا الهدف تاه الفقيه في الجزء الأول من روايته التي يسرد فيها رحلة طالب دراسات عليا ليبي في مدينة غلاسكو الاسكتلندية، وبالرغم من تأثره برواية الطيب صالح"موسم الهجرة إلى الشمال" إلا أنه قدم غلاسكو من لحم ودم، دافئة صاخبة، وعابقة بكل عنفوان الحياة، دون أن يحاول حجبها، ولو بغلالة شفافة.
في الجزء الثاني لجأ الفقيه إلى ألف ليلة وليلة، وفي تناص يثير الأعجاب من أساليبه اللغوية المتنوعة، والأسف على هذه الموهبة والطاقة القادرة على كشف، وإعادة تشكيل الواقع الليبي كما فعل في مجاميعه القصصية، التي نشرها عندما كان هناك هامشا في ليبيا يسمح بذلك، وليكتفي في هذا الجزء باللعب باللغة كهدف أسمى له.
لكن اللعبة انكشفت بالكامل في الجزء الثالث عندما يعيد بطله إلى ليبيا. لقد تمهر في عزل هذا الكائن عن مجتمعه، وقاده إلى مسارب خلفية مغلقة بحيث بدا كأنه يتحرك في سرمد، وليس في مجتمع يمتلك حيوات متعددة، حيث اقتصرت حياته على الجامعة، ونكاية في الواقع اسكنه في القرية السياحية، ومنع عنه الزيارة، بزعم عدم تلائمه مع حياة مجتمعه، دون أن يذكر كيف، ولماذا، وما هي تلك الحياة؟ وماالذي خلق علاقاتها على هذا الشكل؟.
أما الكوني فقد انفتح له منجم مثالي قد ينفذ النفط، ولكنه لن ينفذ، يمتلئ بآلاف المسارب الجانبية التي لن تقود أبدا إلى الطريق الحقيقي مهما حدث، ربما بسبب وفرة السراب، والزوابع الرملية في ذلك الجحيم الكوني.
مسارب متساوقة مع الحالة الطوارقية التي تلبسها الكوني، وفرخ منها عشرات الأعمال التي تزداد غموضا على القارئ مع كل صفحة، والمصنوعة خصيصا لخيال سكان سيبيريا وجبال الألب الثلجية، الذين يتلهفون إلى تلك الصحراء نكاية في طقسهم المتجهم، دون أن يحاولوا فهم الصحراء، أو حتى رؤيتها.
لا نغفل أن هناك فرقا أساسيا بين الفقيه والكوني، الأول يملك لغة حية، وبناء فنيا لافتا ولياقة عالية في حبك قصصه ربما بسبب خبرته في الكتابة للمسرحية، ولكن الكوني يكتب بلغة فنية باردة، تشبه لغة التحقيقات الصحفية البسيطة التي يلوي عنقها ويحملها بشحنات ليست مناسبة لمعدنها، ويتجلى ضعفها في ادعاءها الغموض والحكمة ولبس عباءة المعرفة بينما هي تدور على الأحداث دون قدرة على قول ما ينبغي أن يقال. في بعض الأحيان يجعل شيخ نجع في تلك القارة الرملية يقول ما قاله نيتشه أو هيدغز بينما يرتشف الشاي الأخضر من تحت لثامه الأزرق.
اعتقدت دائما أن معظم أعمال الكوني غير مهم فنيا برغم أنه يخوض في مياه شهرة زائفة، تمثل النفاق الثقافي العربي التابع للمتفق عليه إعلاميا من المعروض كما حدث مع أعمال سابقة لأحلام مستغانمي وحيدر حيدر وأشعار أدونيس التي بناها على ما قدمه من تنظير مهم للثقافي والفكري العربي ومررها من خلاله. أيضا لا أتردد في وصف جل هذه الأعمال بالعبء الذي يلحق بنقادها ومروجيها الذين ساروا في الركب منبهرين بالمدهش والسياحي الغرائبي المنطلق من بيئة الكوني الجديدة على الأدب العربي، لكني أشير سريعا إلى أن هذا الحكم لا يشمل المرحلة التي سبقت انغلاق نص الكوني والتي كتب فيها شجرة الرتم، نزيف الحجر، التبر، وخماسيته الخسوف التي ظلت رباعية تعاني البتر.
الواقع أن بتر الخسوف واقتصارها على رباعية هو بالذات ما يفسر لنا انغلاق عالم الكوني ودخوله في الترميز المجاني ومن ثم نزوله لعالم من التكرار والنسخ في الشخصيات والأحداث.
• لماذا لم تكتمل الخسوف؟
يذكر من قرأ تلك الرباعية أن تسلسلها المنطقي ينتهي في آخر الستينات عندما يتجه بطل العمل ورفيقه إلى المدينة وتنتهي معه السلسلة الناقصة في قطع قسري تزامن مع كف الكاتب عن الحديث المباح وتقهقره عن معالجة الفترة المتبقية التي تبدأ مع التحول السياسي الذي حدث، إزاحة الملكية وبروز أنماط أخرى للحكم والحياة الاجتماعية، وللمفارقة كانت هذه هي الفترة التي عاش الكاتب تفاصيلها في الواقع وكان قريبا من وقائعها وتداعياتها المختلفة.
بعد التبر ونزيف الحجر أكتشف الكوني الطريق الذي يسير فيه إلى اليوم، حيث تسبح الشخصيات الملثمة فوق بركة من الشاي الأخضر، تجول بمهاريها في صحاري لاتحد، متنكبة أسماء غريبة على السمع السائد، ولائكة جملا من الحكمة الساذجة التي تدعي فضيلة التأمل والزهد، حيث يخفي هذا المشهد الخلاب اللغة الخاملة التي تطبع بعد مرة واحدة من كتابتها لان الكاتب النبي – كما أعتقد - لم يعد يملك الوقت لإعادة الصياغة، لتحل هذه التوليفة في العمل مكان الحدث والشخصيات التي توقفت عن التطور والنمو مكتفية بواقعها التجريدي الذي رسمه الكاتب بعيدا عن واقعها المر.
ما يثير الدهشة أن الشخصية الجمعية للطوارق هي درامية بامتياز، حيث يعيش الطارقي محروما من التعامل بلغته الحقيقية في ليبيا، حيث عليه القبول بأنه عربي والتصرف على هذا الأساس، متلبسا واقعا افتراضيا مجبورا عليه، لكن الكاتب لا يريد الاستدلال على هذه الحوزة بل يمضي قدما في التجريد والدوران على الحقائق التي هي درامية من درجة فنية راقية بسبب ارتباطه بالمشروع السياسي الذي أدي لهذه العزلة وخوفه من أن تضار مصالحة الخاصة إذا فضل الاتجاه لما يحدث للواقع والاشتغال عليه فنيا.
هذا التضاد بين الكاتب وبين مصالحه قضى في الواقع على المنفذ اللائق لكتابة رواية تزخم بالبعد الإنساني، وتكون قادرة على فرض مصداقيتها، وسموها الفني، إضافة لخلل فني في تكوين بنية النص عند الكاتب يتمثل في عدم القدرة على التحليل وتكوين العلاقات داخل العمل، وتتبع مصائر شخصياته بتطورها الطبيعي حسب حياتها في العمل، إذ أن الكوني كاتب وصاف وليس خلاقا، والفرق بين الوصف وتخليق العلاقات أساسي في بيان معدن الكاتب والمكتوب.
ولذا فقد توغل الكوني في إغلاق نصه، والاقتصار فيه على الوصف ورش توابل الإبهار بين الفواصل ولحمه بجمل تقديم مسلولة من كتابات خالدة – الطاو، نيتشه، أو أي شي من نفس القبيل- لإعطاء القارئ إيحاء بأنه مقبل على ملحمة ذات شأن، في أسلوب شبيه ببخور الساحر الذي يستخدمه لأسر وعي المريد.
بالطبع ليس هدفي هنا تتبع سيرة الكاتبين السياسية وأن كان الأمر يستحق، ولكن المقصد هو الإشارة إلى الواقع البائس في الخيارات التي تقضي على روح الفطرة للكاتب وتجعل منه كائن بلوامس لا تتوقف عن التحسس خشية أن يقع المحظور، وتنتهي نعمة الرضا والمنافع المشتركة مع السلطة – بمعني الخضوع لمشروعها بالكامل في التبشير به وخدمته والعمل على استقطاب الآخرين نحوه مقابل حياة الرفاهية والسفر والمناصب – وهو جهد استثنائي يشوه فطرة المبدع ويجعله في مواجهة مع نفسه، وينتهي به إلى شبيه للنسخة الأصلية التي كان عليها، أنها لعبة خطرة تأخذ من الروح وتعطي من المادة، لعبة مضادة لطبيعة الكتابة التي تعتمد على الموهبة والمران والضمير، وهي كما نرى خلطة تتطلب مجهودا كبيرا من تعلم مهارات تدبير النفس خارج المؤسسة التي تتبع مقاييس البيع والشراء، فالنص في نهاية اليوم هو نتاج لحياة كاتبه حتى وأن أدعى غير ذلك.

omaromar616@hotmail.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home