Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mojahed al-Bousaifi
الكاتب الليبي مجاهد البوسيفي

الأربعاء 28 يناير 2009

في وداع رئيس (*)

مجاهـد البوسيفي

ماذا سيتبقى من الرئيس بوش وعهده للتاريخ؟
بالطبع لا احد يعرف بالضبط، فالتاريخ لايكتب اليوم ، ولايكتبه الصحفيون المستعجلون الذين يلهثون خلف الخبر او المقالة السريعة ولا أولئك الذين يسكنون في استوديوهات الفضائيات وهم يوزعون تحليلاتهم واحكامهم النهائية شرقا وغربا.
ووسط معلقات الشتائم والنقد – حسب الجغرافيا والثقافة – التي تكومت في طريق مغادرة بوش للبيت الابيض لابد ان شيئا ما سيبقى يدل على هذا الرئيس أكثر من حذاء الزميل أبو الكندرة منتظر الزيدي وأنصاره الكثر، إذ أن مؤرخي الغد سوف يكتبون سيرة هذا الرجل بما سيتحقق من سياساته المثيرة للجدل في المستقبل.
لقد شهدت مدة بوش الرئاسية بفترتيها احداثا أقل ما يقال فيها أنها غير مسبوقة في تاريخ الولايات المتحدة والعالم وخصوصا العالم الإسلامي والعربي. وبصفة عامة جدا يمكن تقسيم رجال التاريخ إلى قسمين، منهم من يسعى للدور ويتصدر المشهد بغض النظر عن مؤهلاته في القيادة وقدرته على تحمل المسؤولية في مواجهة مايريد، وتحت هذه الخانة يمكن أن نضع قادة مثل ماو وبسمارك وبن غوريون وحتى طبقة من القادة الاقل شأنا وانجازات من هؤلاء، وهناك قادة اختارتهم الظروف ليلعبوا ادوارا حاسمة في تاريخ اممهم بعد ما رمتهم الاقدار بسهامها، مثل عبدالناصر الذي بدا قائدا محليا ثم تحول إلى قائد أمة بعد حرب السويس ومثل كاسترو الذي صنعت منه الولايات المتحدة بعبعا بعد أن فرضت عليه حصارا جائرا ليتحول من قائد محلي إلى رمز عالمي، ويمكن ادراج جورج بوش تحت هذه الخانة منذ اللحظة التالية للهجوم على برجي التجارة وبقية الاهداف في غزوة القاعدة الحمقاء على بلاده.
أنه من طراز القادة الذين فرضت عليهم الظروف لعب ادوارا لم يكونوا مستعدين لها، وخاضوا الغمار بما توفر لهم من امكانيات، وقاموا بما توجب عليهم من وجهة نظرهم من اعمال للحفاظ على الكيان الذي تعرض للعداون.
حسب المقياس الاميركي فأن بوش الثاني امتلك ميزتان من الصعب تجاهلهما مهما حاولنا ان نفعل ذلك، فالقياس التاريخي ربما يسجل له أنه رجل يتخذ قراراته دون ان يضع العين على مقاييس الراي العام، فهو من هذه الناحية قائد غير شعبوي بامتياز، وجد نفسه في تجربة قاسية ومفاجئة وكان عليه ان يتخذ قراراته في ظروف غير عادية بالمرة، وقد مضى في طريقه غير هياب لقياسات الرأي ولا مهتم بما تكتبه الصحف ولا لما تبثه الفضائيات، وبغض النظر على صلاحية هذه القرارات التي سيحكم عنها التاريخ، فهذه الميزة نادرا ماتتوفر للقادة اليوم، فهم عادة يتناولون تلك المقاييس مع القهوة بداية كل يوم، ويمضون بقية يومهم في محاولة ترقيع مكانتهم في نظر الناس.
الميزة الأخرى التي أظن أن التاريخ لن يغفلها هو اعترافه المعلن والصريح والمكرر بالخطأ وفي أوقات صعبة، فقد فعل ذلك منذ الايام الأولى التي اعقبت احداث نيويورك وواشنطن، عندما اعترف بأخطاء بلاده في حمايتها لعقود طويلة لانظمة التخلف وثقافات العداء واستغلالها لجشع الحكام في الاستمرار على الكراسي في مقابل التوصل باقل التكاليف للمصالح الأميركية التي توجد في تلك البلدان، وكرر هذا الفعل في ايامه الأخيرة عندما اعترف بأخطاء فترتي حكمه في العراق مثل حل الجيش والوقوف في موقف المتفرج على النهب الذي خضع له بعد الغزو وغيره من الاحداث التي اصابت سياسته في الصميم.
عربيا ربما يبقى من بوش حدثان كبيران كفيلان بتعديل الكفة بعد سنوات إذا مانتج عن مسارهما النتيجة المرجوة. فبرغم كل ماقيل عن غزو الولايات المتحدة للعراق وهو صحيح في اغلبه، إلا أن الإطاحة بحكم صدام حسين وأسرته يعد حدثا فريدا في دنيا العرب، وهو تقاطع فعلي للمصلحة العربية مع المصلحة الاميركية مهما بدت غاشمة وجشعة، فهذا السقوط الكبير مع كل آلامه وضحاياه فتح الباب واسعا لهذا البلد المفصلي في التطور وخوض التجربة الديمقراطية بتدرجها المؤلم لحد الآن ولكن المفتوح على احتمالات ليست بالضرورة سيئة، فقد تسفر السنوات القادمة على تكّون بلد حديث نسبيا قادر على الـتأثير ديمقراطيا في قارة من التخلف، أنه طريق مليء بالعذاب العراقي ولاشك، لكنه طريق على الأقل.
أما المنجز الابرز عربيا لبوش، فهو تثبيت مبدأ الدولتين فيما يخص القضية الفلسطينية، وهو تثبيت من الصعب جدا ان يتم تجاوزه مهما كان العنصر العربي ضعيفا وحتى متخاذلا لأنه جاء من قوة تملك تاثيرا قويا في هذا الشأن. طبعا هناك من لايزال يعتبر هذا المبدأ خيانة، ويطالب بتحرير فلسطين بالسلاح شبرا شبرا، وهذا كلام جميل لكنه غير معقول على رأي الاخوة في السودان.
لقد ذهب بوش الآن لحكم التاريخ بكل سياساته ، الصحيح منها والخاطئ، وأخشى أن يكون أول مفتقديه أصحاب معلقات الهجاء لرئاسته، فمن بين كل الشماعات التي ابتكرها العرب لتعليق فشلهم، كان بوش أفضلها وأجودها صنعة، إذ يصعب إيجاد رجل بحجمه صالحا للتوكأ عليه لتبرير ما يحدث لنا بأيدينا كل يوم.

مجاهد البوسيفي
Omaromar616@hotmail.com
_________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في صحيفة "العرب" القطرية ، الثلاثاء 27 يناير 2009م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home