Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mojahed al-Bousaifi
الكاتب الليبي مجاهد البوسيفي

الثلاثاء 23 سبتمبر 2008

البدونة والترييف (*)

مجاهـد البوسيفي

مع نهاية مرحلة الليبرالية العربية في بداية الخمسينات ودعت حواضر العرب الكبرى كالقاهرة ودمشق وبغداد فرصة تاريخية للتطور الطبيعي نحو الديمقراطية والتنمية البشرية ليسود البديل العسكرى الذى اوصلنا إلى مانحن فيه اليوم.

وإذا ماكانت المرحلة الليبرالية شبيهة بالدائرة المغلقة المقتصرة على نخبة قليلة العدد لاتملك امتدادا حقيقيا داخل فئات الشعب مما اوقعها في عجز التمثيل الحقيقي لما تدعيه وحال بينها وبين انجاز المصالح العامة للناس حتى اصبحت كتلة متكررة فى الخطاب والوجوه وفقدت شرعيتها الشعبية ومعنى وجودها الذى نشات من اجله وهو الدفع بالحياة السياسية نحو آفاق تتسع باستمرار، وتكوين تيار عريض يسمح بالاختلاف في ظل الوحدة الوطنية وأفراز دماء جديدة تعبر عن مصالح الفئات الجديدة في المجتمع، وهذه عوامل عزلت هذه الحركة الواعدة عن حضنها الشعبي وجعلت من رحيلها أمر مرحب به، فأن العسكر الذين وظفوا عزلة الليبرالية لصالحهم الخاص جلبوا على الأمة داء أكثر فتكا بالمسيرة الارتدادية التي قادوا خلالها شعوبهم نحو الخلف في عودة سريعة لعصر القبيلة والتحالفات الطفيلية الهشة التي تدور في رحاب البندقية.

لقد سقطت الحواضر الكبرى بالتتالي في قبضة البدونة والترييف عندما سيطر ضباط بسيطوا التعليم والثقافة من أصول بدوية وريفية على المدن الكبرى وبدأو في تنفيذ خطط تفكيك المجتمع المديني الذي يشكل خطرا على استمرار وجودهم في ظل الصراع الأزلي بين الحضر والمضر العربيان.

علينا بالطبع ان نفرق بين البداوة وقيمها التي تطورت في سياق محدود جغرافيا مناسب للقيم والتقاليد التي نشات في ظل تراكم معين سواء في الريف او البر العربي وبين سياسة فرض هذه القيم والتقاليد على المجتمع المدني الذي كان في طور التكوين ويعاني من هشاشة لم تستطع حركة الليبرالية العربية انهاضها ووضعها في سياقها الحديث، فالبداوة والريف شيء والبدونة والترييف شيئا آخر.

ومما زاد في طين العرب بللا أن الحركات العسكرية التي سيطرت على المدن الكبرى جاءت في الحقيقة من مناطق نائية جالبة معها مشاعر عدائية للحس المدني والعلاقات السائدة في المدينة، مما انتج نوع من سيادة نمط مايمكن ان نسميه بنمط البداوة الرثة على الحواضر الكبرى وحولها إلى مسخ هلامي سادت فيه تقاليد النجع على علاقات الدولة وسيطر فيه افراد من الجيش بالكاد اكملوا المراحل التعليمية الاولى على مؤسسات المدن وتكويناته السياسية وأزاحوا شروط التطور التي تتطلب الكفاءة والألمام بالحداثة إلى الخلف واحلوا مكانها شرط الولاء والتبعية.

لقد كانت الفرصة كبيرة في العقود الأولى من القرن الماضي في ان تتطور الحياة السياسية العربية بشكل طبيعي يتم فيه تنمية الريف والبر العربي مع الحفاظ على نمط حديث للدولة يجاري العالم الخارجي وتحتفظ فيه المدينة بشكلها الذي اكتسبته عبر تراكم زمنى طويل، لكن فشل العصر الليبرالي الذي لم يكن وفيا بالشكل المطلوب لشعاراته فتح الطريق واسعا امام نمط البدونة الذي نعيشه اليوم، حيث يختلط حابل العرب بنابلهم في جغرافيا مفروشة بالشعارات الكاذبة التي لم تستطع المضي خطوة واحدة للأمام بهذه الأمة المنكوبة، بل أن هذا النمط الشرس الذي سيطر على ريع الدولة وصار يوزعه على المحاسيب والدائرين في الفلك المرسوم وفر لنفسه قدرات حقيقية حصنته ضد الموجات الديمقراطية التي وصلت لكل اطراف العالم عدا العرب ومن في حكمهم حسب التعبير الخلدوني.

لقد عجزت الحواضر العربية الكبرى عن أن تفرز قياداتها في ظل هذه السيطرة، فالقاهرة تحكم من الذين جاءوا بقطار بنى مرة مسقط رأس اسرة عبدالناصر، وتتحكم القرداحة التي تكاد لاتوجد على الخريطة في مصير دمشق اعرق عواصم الشرق، وسيطرت قرية العوجة لعقود على بغداد حتى سلمتها للاحتلال الأجنبي بعد مسلسل طويل من المغامرات الدموية الساذجة التي تعبر عن مدى عزلة نمط البدونة عن سياق الحياة العصرية، اما ابلغ التعبيرات السياسية العربية فيوجد في طرابلس الغرب حيث تحكم العاصمة التي تكونت من خليط مديني متوسطي من قبل وادي صحراوي قاحل اسمه وادي جهنم. وماذا يكون هذا العذاب الذي نعيشه أن لم يكن جهنم البدونة والترييف؟.

مجاهد البوسيفي
Omaromar616@hotmail.com
_________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في صحيفة "العرب" القطرية ، الثلاثاء 23 سبتمبر 2008م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home