Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mojahed al-Bousaifi
الكاتب الليبي مجاهد البوسيفي

الأربعاء 23 يوليو 2008

مانديلا الآخر (*)

مجاهـد البوسيفي

يعتبر المناضل ورئيس جنوب إفريقيا السابق نيلسون مانديلا من أكثر الأشخاص الذين حصلوا على التقدير والاحترام والمحبة من قِبَل شعوب العالم في كل مكان. هذه مكانة استحقها الرجل بعد تضحيات كبيرة عندما كان في السجن، ولروحه عميقة التسامح عندما أصبح أول رئيس أسود للبلاد التي أقيمت على منهج التفرقة العنصرية ومعاملة السود بدرجة أقل من الحيوانات في الكثير من القوانين والأفعال، وبذلك أسس مانديلا لفرصة حياة حقيقية ما زلنا ننتظر نتائجها النهائية تعتمد التسامح والمصارحة والحل السلمي بين البيض والسود القائم على معرفة ما حدث وإدانة المجرمين معنويا والحيلولة بالجهد الجماعي المدني المبني على خيار التراضي العام من دون تكرار ذلك الماضي البغيض الذي عاشته جنوب إفريقيا زمن التفرقة العنصرية التي قامت على تمجيد العنصر الأبيض.

لقد دخل الرجل التاريخ بوعي تطور من ضرورة الكفاح المسلح وانتهى لمنهج سلمي ميَّزه الإيمان بثقافة التسامح وصنع الحياة المشتركة وهي ثقافة لا يدعو إليها إلا نوعية نادرة من البشر تستطيع التغلب على آلام السجن والظلم والتفرقة وكل الأمراض التي عاناها مانديلا وشعبه طوال عقود شهدت تجاهل العالم الذي يصف نفسه بالديمقراطي ويردد ليلا ونهارا شعارات المساواة والعدالة. وعبر ذلك النضال الطويل قاد مانديلا شعبه نحو التحرر من ثقافة الكراهية ولفت أنظار العالم إلى قضيته التي تعاطف معها الملايين وعلى رأسهم نخب مهمة في الفن والثقافة وحركة المجتمعات المدنية، تمترس في زنزانته رافضا في مراحل متقدمة من تصدره للمشهد السياسي والإنساني العالمي كل العروض التي تخدمه شخصيا على حساب قضية شعبه التي سُجن من أجلها، وحوَّل زنزانته الصغيرة بعبقرية نادرة إلى سجن كبير لسجانيه مطلقا في وجوههم المُرْبدّة صرخته الشهيرة بأنه لن يخرج من تلك الزنزانة ولن يفرج عن نظام التميز العنصري حتى يتم إلغاء ذلك النظام البغيض وتفكيك كل آلياته الحديدية وهو ما تم له كما أراد وطلب.

إنها قصة حقيقية من القصص القليلة التي حوَّلت الحلم إلى حقيقة والخيال السليم إلى واقع ملموس يشير إليه اليوم الجميع بالإعجاب والتطلع كي يصبح ثقافة جديدة تسود في بلدان عدَّة تعاني التمييز وإن بدرجات مختلفة وعلى رأسها النظام التوأم لما كان سائدا في بلاده الموجود اليوم في فلسطين المحتلة.

لكن ما من إنسان كامل على هذه الأرض، ففي الطريق لتحقيق كل هذه المنجزات كان هناك مانديلا الآخر الذي يقيس خطواته بدقة ويعطي مصالحه ومصالح شعبه الأولوية القصوى التي جعلته يتحالف مع أنظمة دكتاتورية بغيضة تمارس بحق شعوبها كل يوم كل الوقائع المشينة التي ينادي مانديلا نفسه بضرورة إنهائها في بلاده جنوب إفريقيا. ورغم أنه كان يعرف طبيعة هذه الأنظمة وما تسومه لشعوبها من عذاب يومي فإنه استمر في تحالفاته معها طالما مدَّته بالمال والدعم السياسي حتى وإن كان هذا الدعم يُستخدم كغطاء من دخان لإخفاء أفعالها المنافية لروح العصر التي ترتكبها داخل محيطها الخاص، لكم تمنيت أن تتم الفرحة وينطق مانديلا يوما بكلمة لصالح الشعب العراقي الذي يعاني تحت نير صدام حسين أو أن يفيد برأي فيما يحدث في السودان، وكم تمنيت أن يخفف قليلا من زياراته الدائمة لصديقه العزيز معمر القذافي حاكم ليبيا لأربعة قرون حتى الآن. وما زلت أذكر ذلك اليوم المحزن الذي تسلم فيه نيلسون مانديلا جائزة القذافي لحقوق الإنسان في نقل مباشر على الهواء وهو أمر بدا أقرب منه للكوميديا السوداء من الفعل الحقوقي المراد منه وجه الحق والإنسان.

لكن مانديلا فضل دائما الالتفات إلى الجهة الأخرى بحيث لا يرى وجوه الضحايا وأساليب القمع المتنوعة التي ناضل من أجل إنهائها في بلاده مكتفيا بالحفاظ على طرق دعم جمعياته الخيرية ومركزه الإنساني ومتطلباته المادية، متناسيا أن هذا الدعم وهذه الأموال هي ملك لشعوب صادرت أدوات القمع رأيها وثرواتها وجعلتها رقما يزايد به في سوق النخاسة على المسرح السياسي العالمي.

ونحن ندرك أنه لا يوجد إنسان كامل، ونهنئ السيد مانديلا بعيد ميلاده التسعين، متمنين له طول العمر حتى يرى تحرر بقية شعوب العالم من القهر لتكون الفرحة عامة.

مجاهد البوسيفي
Omaromar616@hotmail.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في صحيفة "العرب" القطرية ، الأثنين 21 يوليو 2008م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home