Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mojahed al-Bousaifi
الكاتب الليبي مجاهد البوسيفي

Friday, 20 July, 2007


Mojahed al-Bousaifi

ضيف الغـزال

مجاهـد البوسيفي

ليس مقتل ضيف الغزال الدراما الوحيدة التي أرتبطت بهذا الشاب قصير الحياة، العشر سنوات الأخيرة من حياته أيضا كانت نبع درامي عميق الدلالات.
غادر ضيف مراهقته البائسة مثل أغلب جيله إلى حضن حركة اللجان الثورية وبعد فترة براءة قضاها في العمل الثوري وكتابة المناشير في مانفيستو اللجان الثورية بدأ يعي بالتدريج الحقيقة المتكررة أمامه، حيث تحوز قبيلة الثورة غنائم بقية قبائل ليبيا بعد أن نفذت الغزوة أثر الغزوة ضدها لتمنعها المنافسة على الكلا أو المجد أو حتى كيدها بالسمعة الحسنة، تماما كما فعل البدو دائما أيام المسغبة والجوع والبحث عن السيادة.
وطوال سنوات من عمله في اللاهوت الثوري عرف الآلية المتبعة في تقسيم الغنائم بين حواريي الحركة وفاعليها، فحزب اللجان الثورية لايختلف عن أحزاب الميليشيا المعروفة في العصر الحديث، فهو أيضا يضمر في طياته طبقة عليا تقود وطبقة مغامرة تنفذ وبروليتاريا رثة - لاتملك وسائل وغير محتاج لها في أبعاد الخصوم عنوة وبالتالي الحق في الغنيمة- تكتفي من الغنيمة بشعور الانتماء إلى قبيلة وسط صحراء الايدلوجيا التي صارتها ليبيا منذ منتصف السبعينات.
في غابة الجماهيرية هذه تكّون ضيف وأرتبط وقرر مصيره على الأغلب ببراءة تشبه براءة أولئك الفتيان – والفتيات – القرويين الذي ارتبطوا بمليشيا اللجان الثورية في سن مبكرة وهم أقرب إلى سذاجة الحالمين بالتغيير واستئناف العصر النبوي في التبشير بالعدالة وتحولوا فيما بعد إلى جلادين لاحقوا أبناء قبائلهم في الداخل والخارج وأسجوهم على مذبح الحرية قرابين للتقدم ولم يكتشفوا إلاّ بعد فوات الأوان كبر وقدم حقائق التاريخ الذي خيل لهم أنهم قادرون على لي يد منطقه وجرجرته إلى مهاوي أحلامهم الغضة، وخلف هذا الاكتشاف المرعب نشأت شريعة القبيلة الثورية على طريقة أن حرمتم من حدائق الجنة فلايفوتكم نصيبكم من غوطة الشام.
والحاصل أننا لانستطيع أن نحسب ضيف على كار الكتاب والصحفيين لأننا لم نقرأ له مايدل عليه في هذا الباب طوال السنوات التي سبقت مقتله عدا الشهر الأخير ربما، ولم يسجل اسمه كساكن في حارة الوعي ولا النص ولانقد الفكرة وتجاوزها كما فعل غيره كثر سبق وأن تقاطعوا مع جريدة الزحف الأخضر ومحيطها في سنوات أكثر ضيقا وشراسة وهيمنة، حيث استطاعوا المرور من الثقب وتنمية تجربتهم والتميز بها وخلق مسافاتهم الخاصة في مقارباتهم للهم العام، فقد بقى يدور ضمن ساقية الثورة المعتادة والسباحة في المسافة الآمنة التي وفق المرسوم.
لكن فيما بعد وعندما أنتهت خدمة العلم الثورية الخاصة به وتقدم بأوراق اعتماده لما يراه حق في التصدي للمسؤولية بترشيح نفسه لمنصب إعلامي يتطلب التزكية الثورية التي لم تأت، بدأ رحلة اعتراضه التي كانت بدورها سطحية وبسيطة خالية من الوعي ومقتصرة في نقدها على القشرة التي تغلف آلية ماينتج، ينبغي قول ذلك حتى لايظلم ضيف مرة أخرى بعد مقتله بأدراجه ضمن المتضادين مع السائد الايدولجي إذ أن اعتراضه على مايجري كان يشمل – إضافة للغضب الشديد - ماينفذ على يد أفراد وليس على الفكرة التي أنتجت هؤلاء الأفراد وجعلت منهم متحكمين في اللعبة، ومن هنا دخل في معركة حانقة مع رفاق الطريق بقسوة وانفعال وإشارات متعددة توحي بمعرفته بالشفرة المتعامل بها أدت أحداها على الأقل إلى القناعة بضرورة التخلص منه لأنه ربما كان يعرف أكثر مما ينبغي.
مقاتلات ضيف الأخيرة بقدر ماهي صرخة غاضبة على المستوى الصادم الذي وصلت إليه الأمور فهي أيضا صحيفة مفتوحة لما يمكن أن يقود إليه التسليم المطلق للثقافة المؤممة حيث يتناول المرء المعرفة في حقن معقمة مانعة لسلامة الرؤية والتدرب على أشغال العقل، فكل شيء جاهز وماعليك إلاّ أن تتناول جرعتك المعتادة كي تصبح على صواب، وهو مابقى عليه المغدور حتى آخر أيامه، عندما كان يخلط نقده القاسي لمآل الأمور في مقالاته الساخطة الأخيرة مع تهجم في المتناول على مايعتقد أنهم طابور خامس في الداخل مازجا كل ذلك بتلك النظرة الفقيرة التي تختصر من هم في المنفى الاضطراري بأنهم جمع من الضالة الذين يعيشون على فتات الغرب ويتطوحون بين حاناته ثملين من الخمرة والفساد الأخلاقي وهي نفس الصورة الثورية الرسمية البائسة والكاريكاتورية التي تم تعميمها على مر العقود، دون أن يفكر للحظات في بديل متسامح قادر على أنتاج ثقافة لاتسمح بتلك الوقائع التي يندى لها جبين هتلر كما قال في أحد مقالاته والتي ربما كانت الجملة التي صدر بعدها الحكم عليه. أن لمقتل ضيف الغزال بتلك الطريقة الهمجية دلالات عديدة، منها أن الغنيمة – سواء المادية أو المعنوية التي أعتقد أنها كانت هدفه- صارت تصغر يوما اثر يوم ولم تعد قابلة للقسمة على جميع من في الدائرة بعد أن استجدت أمور كثيرة، ومنها أن التمرد ليس عملية عاطفية تفتقد للوعي وتخضع لردود الفعل السريعة الخاطفة بنفس مقياس سرعة ماتعّلمه من محيطه المُغلق، ومنها أيضا أن الحرج قد بلغ مبلغه من ناس قدموا أنفسهم كرسل للحضارة الجديدة وانتهت بهم السبل إلى تنفيذ عمليات قتل وتمثيل مستلة من قاموس المافيا وإن خلت من دقة ذلك القاموس وخضوعه للحسابات الدقيقة.
لقد دخل ضيف التاريخ الليبي كشهيد غرق في بحر ماظن أنه الخلاص، وسجل في متن ليبيا أسمه معرة في وجه قاتليه الذين منوه بالفردوس بينما كان خنجرهم الغادر يغوص في ظهره، كما غاص من قبل في جسد وطنا بكامله.

omaromar616@hotmail.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home