Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mojahed al-Bousaifi
الكاتب الليبي مجاهد البوسيفي

الأحد 19 يوليو 2009

المواطن (الإيراني) الصحفي

مجاهـد البوسيفي

كانت البي البي سي الناطقة باللغة الفارسية تستقبل شريطي فيديو كل ثلاثة دقائق، يبعثها مواطنون عاديون من داخل إيران خلال الأزمة الاخيرة التي عاشتها البلاد، ومن خلال هذه الزوادة الثمينة كانت البي بي سي الفارسية تتابع الحدث وكأن لها مراسل في كل ركن من العاصمة طهران والمدن الأخرى الكبيرة في البلاد. واحتلت بذلك مرتبة العدو الإعلامي الأول على اجندة الحكومة الإيرانية التي لم تترك الأمر سرا بل نادت به في كل فرصة عاليا متهمة هذه الفضائية وغيرها من الزميلات بكل مايمكن حشده من تهم في القاموس السياسي الذي درجت عليه حكومات العالم الثالث.

وإضافة للبي بي سي تمتعت باقي الفضائيات أيضا بهذه الهدايا المصورة التي وثقت للحدث من خلال آلاف الزوايا التي لم يكن الوصول إليها بالأمكان لو أن الحكومة الإيرانية لم ترتكب غلطة الحجر على المراسلين الاجانب واقفال بعض المكاتب الإعلامية وطرد بعض الصحفيين، مما زاد من الاعتماد على مايبعثه المواطن الإيراني الذي صار المصدر الاساسي الذي يعتمد عليه في نقل مجريات الحدث وتفاصيله.

هذه لم تكن المرة الأولى التي يظهر فيها المواطن كمصدر صحفي يتمتع بقدر لاباس به من المصداقية، فقد حدث هذا عدة مرات من قبل، وتم في بعض هذه المرات احداث تغييرات سياسية أو اجتماعية ذات بال بعد أن تسربت وثائق مصورة أو مسجلة صوتيا للرأي العام، لكن ماحدث خلال الأزمة الإيرانية كان بمثابة الاعلان الصريح والواضح على بداية عهد جديد من التعامل الاعلامي حيث اضيف مصدرا جديدا من مصادر الاعلام من المقدر له أن يشهد منذ الآن تحسينات كبيرة في الاداء وقدرة متزايدة في التأثير وتنويعا مهما في المشهد المنقول نظرا لقدرة هذا المصدر في الوصول لاماكن وتفاصيل يصعب الوصول اليها من قبل المندوبين الرسميين الذين عادة يخضعون لقوانين رسمية تحد من تحركاتهم وتجبرهم على اتباع انماط محددة في الوصول للمعلومة وبثها.

لا أدرى هل الحكومة الايرانية نادمة الآن على حجرها على الصحفيين ام لا، لكن نصيحتى هي أن تفعل ذلك ، فكل ما فعلته من اجل تحديد حركة المراسلين وضبط مراسلاتهم لم يزد إلا في انطلاق المواطن الصحفي وبحثه على مايراه حقيقة يجب ان تصل، وهكذا نقل للعالم الخارجي كل ماكانت الحكومة تتمنى اخفاءه وابقاءه طي الكتمان والتداول السري حيث يقبع موظفون في الأمن والسياسة في مكاتب خلفية منهمكون في قراءة تقارير سرية تروي الحدث كما حدث ويمضون بقية يومهم في التخطيط لافضل طرق دفن هذه المعلومات باعتبارها سرا قوميا يهدد المصالح العليا.

شهدنا سابقا كيف نقلت لنا صورا مجهولة المصدر الرئيس الفلبيني السابق وهو يقامر باموال شعبه مما سبب في تظاهرات حاشدة القت به خارج القصر الحكومي، وتابعنا احداث فبراير الليبية التي اطلقها النظام مبدئيا لاستعراض وطنيته ضد الاحتلال الايطالي ثم تحولت المظاهرة إلى حالة محلية غاضبة بذلت قوات الأمن جهودا شرسة لاسكاتها مسقطة بذلك اكثر من عشرة قتلى وصلتنا صور اغلبهم على موجات الهاتف النقال، كما شاهدنا الشكل المخزي والخالي من الإنسانية الذي صاحب اعدام الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين عندما كانت مجموعة ميليشاوية تهتف على الجثة ، وطبعا لا ننسى قدرات الهاتف وكاميرا المواطن على نقل حماقات فتح وحماس اللتان تعبثان بقضية تربت على ادبياتها أمة بكاملها تنتمي لكل اطراف المعمورة.

لكن الحدث الإيراني كان شيئا أكثر زخما واحترافية وتنظيما، ولايعنينا هنا لمن كانت النتيجة النهائية، ولا حتى احتمالات ان المواطن الذي نقل مايحدث قد تجاهل احداثا أخرى كان بالامكان ايصالها ولم يفعل لاسباب تخصه، ولكن مايهمنا هو هذه القوة الاعلامية الجديدة التي دخلت علنا إلى المسرح وبدأت تفرض وجودها وتعلن عن كينوتها، وهو أمر بحد ذاته ايجابي، سواء من ناحية تعدد المصادر مما يتيح المقارنة والاختيار، أو من ناحية التوصل بما يسعى كل جهاز رسمي في الدنيا لاخفاءه حفاظا على طريقة إدارته للأمور.

منذ الآن لن نكون مجبرين على رؤية الأمور كما تريدها السلطات الرسمية، ولا تلك التي تشنف اذاننا ليل نهار بعشقها للحقيقة بينما تمد يدها خلسة لمد يد العون أو التسول المشروط، فالمسرح يتسع الآن ايضا لرأى المواطن، مباشرة ودون مونتاج.

مجاهد البوسيفي
Omaromar616@hotmail.com

_________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في صحيفة "العرب" القطرية ، الأربعاء 15 يوليو 2009م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home