Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mojahed al-Bousaifi
الكاتب الليبي مجاهد البوسيفي

الأثنين 18 أغسطس 2008

سؤال ليبي كبير :
ماذا سيحدث لو غاب القذافي فجأة؟
(*)

مجاهـد البوسيفي

فى مطلع سبتمبر القادم يدخل العقيد معمر القذافي سنته الاربعين فى الحكم، وهى فترة طويلة حتى بمقاييس العالم الثالث المتعارف عليها، فالعقيد الذى استلم الحكم أثر انقلاب عسكرى قبل اربعة قرون وهو فى السابعة والعشرين من العمر يتربع اليوم على عرش ثانى اقدم حاكم فى العالم بعد الرئيس التوغولى عمر بونغو.

عاش العقيد القذافى سنوات مجد طويلة تصدر فيها المشهد الاعلامى والسياسى وحتى العسكرى فى احيان كثيرة وبطرق مختلفة تفنن فى ابتكارها فى كل مرة، وظلت مكانته داخل ليبيا غير قابلة للمس وثبتت صورته على جبهة البلاد مثل قدر لافكاك منه لفترة طويلة قبل ان تحدث تطورات عديدة ومتسارعة فى العالم أثرت فى بريقه الإعلامى واجبرته على عديد من التراجعات على المستوى الخارجى، فى مقدمتها انهيار الاتحاد السوفياتى والإطاحة بصدام حسين مما دفعه لإتخاذ قرار سريع بالتسليم للقدر الاميركى والاتجاه نحو افريقيا فى محاولة لتعزيز صورته الجديدة كشخص لم يعد يرغب فى لعب دور عربى مناكف لسير الأمور فى عصر الضربات الوقائية.

لكن قبضته القوية لم تهن على المستوى الداخلى إلا فى بعض الشكليات البسيطة، فقد بقى يتحكم فى كل الخيوط عبر نظام فريد ابتكره يمزج فيه بين الفوضى والحكم الشمولى والضغط المستمر على المجتمع بحيث تتقلص الطموحات فى اقل قدر معيشى ممكن، وقد ساعدته الظروف التى عمل على ايجادها مبكرا داخل ليبيا على الاستمرار كحاكم مطلق يملك القدرة الكاملة على تسيير الدفة دون عقبات تذكر.

هذه الظروف تمثلت فى التصفيات المتدرجة التى عمل على احداثها داخل البنية الليبية بدء من عام 1973 الذى اعلن فيه ايقاف العمل بكافة القوانين المعمول بها فى الدولة حتى ذلك الوقت وهو مامكنه من ابعاد شركاءه فى الانقلاب بضربة واحدة مستبدلا إياهم بحالة جماهيرية غير قابلة للتحديد تتحرك فى ايقاع فوضوى مليء بالثقوب والثغرات التى يمكن النفاذ منها فى كل مرة لعمل التغيير التالى، وهكذا شهدت البلاد سلسلة من (الثورات) الصغيرة التى اخذت شكل الزحوف الشعبية المبرمجة تم خلالها الإطاحة بمؤسسات الدولة وفئات مجتمعية فاعلة مثل الطلاب والتجار والصحافة وتم تفكيك المؤسسة العسكرية التى جاء منها عبر حروب خارجية مرتجلة ضد مصر واوغندا وتشاد ومن خلال تصفيات باشكال مختلفة ذهب ضحيتها ابرز الضباط والعناصر الفاعلة فى هذه المؤسسة، وأسس اثناء ذلك حركة اللجان الثورية وهى خليط يغلب على عناصره التكوين القروى والريفى تمت صياغتهم ايدلوجيا وأمنيا حسب المقاس واسند لهذا التنظيم الميلشياوى مهام متنوعة فى التحريض والتصفية والقيام بشئون تلك الثورات الصغيرة التى خلخلت بنية المجتمع وافرغته من قواه الفاعلة واخلت الساحة للبديل الثورى الجديد الذى صنع ليبيا الجماهيرية كما ارادها العقيد، كيان هلامى يخلو من الهرمية ومعرفة مواقع المسئولية والقدرة على المحاسبة ويتم فيه كل شيء باسم شخص واحد وبناء على توجيهاته.

لكن هذه الخلطة المحكمة برغم ظاهرها الفوضوى تعرضت لتدخل عاملين ليسا فى الحسبان، تحول العالم إلى مزيد من الانفتاح وخضوع جميع بلدانه لنوع من الرقابة الخارجية التى تخضع لمصالح مختلفة اهمها ما جد بعد احداث سبتمبر الاميركية مما اجبر العقيد على التنازل عن المسرح الخاجى وضبط تصرفاته وتقديم مايلزم من تعويضات للنجاة من بعض الملفات وهو امر قلل من هيبته ومساحة تحركه بسبب الضرورة، ثم جاء عامل السن الذى تضافر مع العامل الأول وفتح الباب لاول مرة للحديث عن ليبيا مابعد القذافى على المستويين الداخلى والخارجى ولم يعد هناك مفر من طرح السؤال الذى ظل فى إطار المسكوت عنه ويدور حول مستقبل ليبيا فى حالة الغياب المفاجيء للعقيد القذافي.

فالرجل وصل اليوم لمشارف السبعينات وامامه ملفات داخلية عديدة تنتظر ترتيبها منها مايختص بقبيلته التى تلعب دورا بارزا فى الداخل حملها مسئوليات كبيرة تجاه بقية فئات الشعب مما يدفعها للضغط على العقيد باعتباره كبيرها لترتيب امور الخلافة بما يرضى هواجسها تجاه ردات فعل متوقعة وايضا على مستوى العائلة التى كبر ابناءها وصارت لهم مسئوليات عديدة حساسة فى اغلب اركان الدولة، وفى نظام غير محدد المعالم كما هو الأمر فى ليبيا الجماهيرية حيث لاتوجد آلية واضحة لانتقال السلطة فى حالة حدوث ظرف طارىء للعقيد تصبح هذه الترتيبات مطلبا ملحا وضاغطا لايمكن تجاهله لفترات طويلة حتى من قبل رجل ماهر فى التملص من اية مسئوليات مثل السيد القذافى.

هناك ايضا عامل ضغط ثالث بدأ يبرز وان لازال على قدر من الضعف، إذ اتاحت التغيرات الدولية وضغوط ليبية يقوم بها ليبيون مما تبقى من النخب فى الداخل و المعارضة فى الخارج الفرصة لظهور نوع من الحراك الداخلى الذى شهد بعض التطور فى الفترة الماضية، ويصب هذا الحراك الذى يقوم خليط من المثقفين الذين يتوزعون بين الكتاب والأطر الجامعية وبعض التكوينات البسيطة لجمعيات مدنية فى مجرى المطالة بنوع اكثر وضوحا لطريقة سير الأمور وتحديد المسئوليات ويصل فى بعض طموحاته المعلنة للمطالبة بدستور ينظم علاقات المؤسسات ببعضها ورسم خطط جدية تعنى بمستقبل البلد الذى انهكته التجارب والتقلبات. هذا العامل ليس مؤثرا الآن بقدر واضح ولكن اخذه فى الحسبان مسألة ضرورية تحسبا لما يمكن ان يحدث من تطورات يمكن لهذا التيار ان يلعب خلالها دورا مهما باعتبار ان عناصره تحوز على سمعة جيدة وقبول محلى وخارجى يجعل من كلمتها مسموعة إذا ما اتيحت لها الفرص المناسبة.

العقيد القذافى بدوره قام ببعض المناورات داخل هذه الخارطة التى تشبه المتاهة، وتحدث فى عدة مرات وان بشكل حاول ان يكون عارضا عن بعض التجاوزات التى حدثت فى عهد ثورته وترك الباقى لابنه سيف ليكمل المشوار بالطريقة التى تمكنه من كسب هذه القوة الجديدة والشارع الليبي عبر ضخ دوري للوعود فى حين بقت القوة الثورية السلفية التى استخدمها العقيد لتنفيذ سياساته طوال العقود الماضية تحت جناحه بجانب القوة المستحدثة التى يقودها ابنه سيف من اجل تكوين جناحين برأس واحدة لاحداث نوع من الحراك المحسوب الذى يمكن خلاله جس النبض وقياس التوجهات العامة والخاصة فى كل مرحلة، ففى مقابل قيادة سيف الإسلام للتيار الجديد تركت مهمة قيادة التيار الثورى التقليدى لابن عم العقيد القذافى احمد ابراهيم الذى يلعب دور المتشدد فى هذه الحلبة المدروسة يعاونه فى ذلك قيادات اللجان الثورية ويطلق الليبيون على هاذين التيارين تسمية تحمل الكثير من الدلالات حيث يعتبرون مايحدث هو نوع من الحراك تتقاطع فيه ادوار ابناء العقيد الايدلوجيون مع ابناءه البيلوجيون.

استجابة العقيد التى جاءت على شكل فتح مساحات للتحرك امام نجله المهندس سيف الإسلام عبر الملف الخارجى اولا ثم أخيرا الملف الداخلى مما خلق انطباعا عاما بانه قد رسى اخيرا على خيار الوريث بعد ان تمكن سيف من انجاز بعض الملفات الخارجية المهمة مثل ملف لوكربى الذى مثل تحديا حقيقيا لمستقبل النظام فى ليبيا فى فترة سابقة.

لكن مسالة الوراثة لم تحل بشكل قاطع حتى الآن، فللعقيد القذافى سبعة ابناء وبنت تم تجريبهم فى فترات سابقة وظل اخيرا سيف فى الصورة إضافة لأخيه المعتصم الذى برز فى السنوات الاخيرة بتقلده منصب رئيس مجلس الأمن الوطنى وهو جهاز حساس وطبيعة عمله غير واضحة المعالم حتى الآن كما هو الحال مع المعتصم نفسه الذى يفضل العمل فى الظل جامعا تحت يده سلطات عديدة ويقال ان قبيلة القذافى نفسها تفضله كوريث باعتباره الاكثر قدرة للمحافظة على مصالحها من سيف الذى يعتبر – مقارنة ببقية العائلة- فى بعض الأوساط صاحب توجهات وطنية اكثر منها فئوية ويوصف بانه متأثر بنمط الدولة الحديث جراء دراسته فى الغرب.

وإذا افترضنا ان سيف والمعتصم هما فرسا الوراثة يبقى ضروريا معرفة شكل العلاقة بينهما وهو أيضا امر غير واضح بشكل يمكن معه التنبؤ بالمستقبل فى حالة خلو الساحة من القذافى الاب، هناك اقوال عديدة فى هذا الشأن منها ان المعتصم يعتمد فى الكثير من أموره على التركيبة التقليدية التى كونها الوالد ويميل بالتالى لبقاء الامور كما هى، لكن الرجل لم يتكلم بعد كى يعرف مايفكر فيه ولم تتسرب معلومات اكيدة عن نوع علاقته بشقيقه وإلى اي حد يمكن ان يمضيا معا.

هناك ايضا عامل آخر يزيد من الحيرة وهو العامل الغربى وتحديدا الاميركى الذى يملك تاثيرا كبيرا فى الشأن الداخلى الليبى منذ تسليم العقيد لبرنامجه النووى وسعيه لطى ملف خلافاته من الولايات المتحدة. فالملاحظ ان سيف لم يزر اميركا للآن ويقال ان الرفض يأتى من الولايات المتحدة فيما تم استقبال المعتصم من قبل كبار المسئولين الاميركان حيث جرت مباحثات لا احد يعرف عنها شيئا مثل اغلب الامور فى ليبيا الجماهيرية، فهل مايجرى هو تقسيم ادوار سياسية وامنية بين النجلين ام انه سباق فى الظل على كسب الحلفاء فى انتظار اللحظة المواتية؟.

هذا بالطبع توصيف لمجرى عملية التوريث التى يبدو ان العقيد القذافى يعمل عليها ببطء، ولكن إذا عدنا لسؤال ماذا سيحدث إذا غاب بشكل مفاجىء دون ان يكمل هذه الترتيبات فالأمر يصبح اكثر انفتاحا على الاحتمالات، فكما يشكو العالم الخارجى من عدم وجود ملامح واضحة للنظام الليبي خارج مجال العقيد القذافى يكرر الليبيون نفس الشكوى، حيث يوجد خليط من قوى متداخلة فيها القبلى والثورى والأمنى مما يزيد من عدم القدرة على التوقع، وعلينا ان لاننسى بقايا مجلس قيادة الثورة خاصة الرائد الركن عبدالسلام جلود الذى يعيش معتزلا منذ التسعينات بعد تجاذبات عديدة عبر فيها عن عدم رضاه على الطريقة التى تدار بها الامور وايضا ضباط الامن الكبار الذين يدورون فى محيط العقيد ويمكلون اوراق مؤثرة قد لاتوصلهم للحكم ولكنها ستكون نافعة فى التأثير في اجواءه إذا ماتوفرت فرص معينة.

المشهد الليبي من أكثر المشاهد المحملة بالألم، فبعد نحو اربعة عقود من الحكم الثورى لايمكننا ان نتحدث عن تأثير حقيقي يمكن ان يمارس من قبل الشارع الذى سوف تصب فيه كل هذه التداخلات، وفى خريطة الغموض الليبية التى حيكت بمهارة وأدت لوقف نمو دولة كانت تعج بالأمال تقف المصائر من جديد فى نقطة الصفر، فلا احد يعرف ماذا سيحدث غدا، ولا احد يستطيع القول – بشكل علنى واضح – انه يريد ان يعرف.

وبينما تسير قافلة الديمقراطية جائبة دولا كانت تعتبر متخلفة مقارنة بليبيا التى كانت تصدر احدى عشرة جريدة يومية قبل الانقلاب وتملك برلمانا وسلطات معروفة واضحة المعالم وتعيش اليوم فى آخر قوائم الحرية والتنمية والشفافية التى تصدر عن مؤسسات الحداثة العالمية، وحيث لايوجد دستور ولاقانون صحافة ولاشكل سياسى يحتوى التيارات المختلفة، بل ان التيارات المختلفة ذاتها تلاشت او كادت فى ظل خلخلة مستمرة اطاحت بالجميع بما فى ذلك بحلم العقيد القذافى فى دخول التاريخ، إذ بماذا يمكن دخول التاريخ إذا كنت تعوم على بحيرة من النفط ويوجد عندك مليون مواطن تحت خط الفقر وربما ثلثهم مقيدون فى سجلات البطالة وبنية عاصمتك التحتية لم ينجز منها سوى 19%، ولاتوجد عندك مؤسسة واحدة معترف بها من اية جهة محايدة؟.

إذ ما المعنى من كل ماحدث إذا كانت هذه هى النتيجة، أليس هذا هو الشقاء بعينه؟ شقاء استوى فيه الحاكم والمحكوم، الجلاد والضحية، وتكاد تنعدم فيه الخيارات امام الجميع، ويبدو فيه المستقبل اكثر غموضا من الحاضر، انه حصاد الهشيم الثورى الذى احال بلادا طموحة وشابة على التقاعد المبكر لتحيا فى الهامش بينما يمضى العالم امامها محتفلا بالمستقبل.

مجاهد البوسيفي
Omaromar616@hotmail.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في صحيفة "العرب" القطرية ، الأثنين 18 أغسطس 2008م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home