Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mojahed al-Bousaifi
الكاتب الليبي مجاهد البوسيفي

Friday, 17 August, 2007

الممرضات والطبيب

مجاهـد البوسيفي

تظهر مأساة الممرضات البلغاريات والطبيب الفلسطيني مآلات الأمور في ظل الحكم الشمولي الذي يعتمد الفتوى الثورية حتى في الجزئيات والنوافل، بحيث يكون أي تفصيل مشروع أزمة وكل أزمة خطوة في اتجاه الكارثة.
قبل وصول الممرضات والطبيب بوقت طويل نشرت مجلة "لا" موضوع غلاف عن إصابة أطفال من بنغازي بالايدز بذات المستشفى، ولأن المجلة كانت تعاني من ضغوطات عديدة في النشر والموارد والخيارات المهنية فقد صدر العدد متأخرا عن موعده ومتزامنا مع ذكرى حركة سبتمبر وهي مناسبة أستغلها الطقم الثوري خاصة الذي يدور في فلك السيد أحمد إبراهيم وزير الأعلام، الذي قاد حملة هستيرية مفادها أن خروج العدد في شهر سبتمبر مؤامرة مقصودة لتشويه صورة ثورة الفاتح العظيمة أمام ضيوفها وأظهارها في شكل مستنقع للأمراض والفساد، دون الألتفات إلى القضية الاساسية وهي بداية تفشي المرض والأخرى التي على الهامش وهي أن تأخير المجلة هو اساسا عمل غير مهني قاده وحرض عليه الوزير وطاقمه الثوري عبر الإيعاز بوضع العثرات التي من بينها تأخير طباعتها قدر الأمكان من أجل قتلها ببطء.
وبينما كان المرض ينتشر كنتيجة طبيعية لأنهيار الخدمات والبلد عامة كانت المجلة تواجه مشكلة جديدة مع كل عدد وبالكاد أستطاعت وهي تلفظ أنفاسها العودة للموضع في تحقيق موسع فجر المأساة وأظهرها للعلن بشكل أستفز ضمير وزير الصحة الذي أتخذ موقفا جريئا بأنسحابه من المشهد العام في بادرة شجاعة تمثل الحد الأقصى في بلاد يمنع فيها الاستقالة، ليتم فيما بعد جلب وزير آخر قادر على لبس هذا العار، ، وبعد أن تم الأجهاز عليها نهائيا قام بعض محرريها واصدقاءها بتسهيل الطريق أمام أهالي الضحايا في أقتحام مؤتمر طبي ببنغازي واشهار القضية للعلن، ومن ثم مساعدتهم في تكوين جمعية تخص قضيتهم، مما أضطر النظام لرفع رأسه من رمال فوضاه والأعتراف بما يحدث جراء سياسته الغير مسئولة والبدء في البحث عن مشجب مناسب لتعليق جريمته عليه.
باقي القصة معروفة، تصريحات العقيد القذافي بأكتشافه لمؤامرة صهيونية أميركية، والقبض على الممرضات والطبيب وتعريضهم لصنوف التعذيب الثوري، وأختلاق القصة من الالف للياء، وتطويع الأهالي وخاصة لجنة الضحايا بالتدريج حتى صار المال هو مطلبهم الاساسي ولا لوم عليهم، وماصاحب كل ذلك من مشاركة كتبة وكتاب كثر في التطبيل والتزمير ضد المؤامرة الوهمية، والاشادة بخطوات النظام المخجلة في معالجة الأزمة، وأخرين لم يتوقفوا عن التغني بنزاهة القضاء الليبي، دون أن يشرحوا لنا كيف تنهار بلد بكاملها أصلا إذا كان قضاءها نزيها، وبالطبع لاننسى عرائض الشتائم المنهالة على بلغاريا التي لم تكف عن متابعة قضية ممرضاتها وأتخاذ كل التدابير من أجل أنقاذهم من وكر الفوضى الذي وقعن فيه، وقد شارك في هذا الكرنفال كتاب وثورجيون، ومعارضون أصحاب مصالح ضيقة مستعدين لمدح كل عطسة للنظام متوهمين بأنهم سينالون الحظوة والغفران بهذه الطريقة الطفولية، ليكون لهم السبق في التسلل لمؤسساته المنهارة والتأسيس لدولتهم التي ستنافس دولة النظام في التخلف واللعب على كل الحبال، وآخرون قفزوا بكل الطرق المتاحة على السياق الأنساني للقضية في سبيل تحقيق ماتوهموا أنه نصر على النظام في ظل ثقافة النكاية، وأطراف أخرى عديدة تبرعت بماء وجهها مجانا في بازار الالم هذا.
طبعا لم يصاب الجميع بالجنون جراء هذا الوباء المتنقل، حيث اضطر كثيرون مما يعرفون حقيقة المأساة للسكوت خوفا أو يأسا، أو لعدم توفر المنبر المناسب بعد أن سدت منافذ كثيرة في الداخل والخارج أمامهم، نتيجة الفوضى واشتعال بورصة المزايدات، وأمراض أخرى عديدة تلبست ثوب الحكمة والعقل والبحث عن المصلحة الوطنية وماتوفر من مفردات تكفي للتمويه عن الواقع الصادم.
لو كان هناك اعلام حقيقي لكانت المأساة قد أكتشفت وعولجت في ايامها الأولى، ولو سمح لمجلة "لا" وغيرها من المنابر الوطنية بالاستمرار لما حدث ماحدث، ولكان النظام نفسه من الرابحين في سوق المصداقية والسمعة الحسنة في ثقافة الأعتراف بالخطأ وتحمل المسئوليات، لكن مايحكم ليبيا الجماهيرية هو المزاج والخوف، وهما وسيلتان من رحم الفوضى وخارج مدار العقل والعلم والتاريخ.
________________________

ـ بالإضافة لمحرري مجلة "لا" وأصدقائها، الذين أذكر منهم الآن أحمد الفيتوري وعمر الكدي وخالد الترجمان وادريس المسماري ونوري الماقني وفرج العربي وخالد المهير الذي كان وقتها متدربا وأصبح اليوم من أبرز صحفيي ليبيا بجدارة، بالإضافة لهولاء وغيرهم الذين لعبوا دورا مشرفا في قضية أطفال الايدز، فأني اسجل تقديري الخاص للرابطة الليبية لحقوق الأنسان -والاستاذ سليمان بوشويقير- التي لم تفرق في الحق الإنساني بين بلغاري وليبي، وايضا الزميل عيسى عبدالقيوم الذي كابد الكثير من أجل إيضاح الكثير من النقاط، وطارق القزيري الذي كتب واحدا من أفضل المقالات في النظرة المزدوجة لحقوق الأنسان عندنا، وآخرون فاتني ذكرهم في هذه العجالة، أستطاعوا الحفاظ على توازنهم في هذه القضية.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home