Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mojahed al-Bousaifi
الكاتب الليبي مجاهد البوسيفي

Thursday, 15 May, 2008

درنة الليبية (*)

مجاهـد البوسيفي

يتحدث موضوع غلاف النيوزويك 29/4/2008 الذي جاء بعنوان (وجهتهم الشهادة) عن كيف تتحول مدينة مثل مدينة درنة الليبية إلى مصنع لإنتاج التطرف والانتحاريين وذلك عطفا على الوثائق التي عثر عليها في سنجار العراقية والتي بينت أن عدد الليبيين القادمين إلى العراق هو الأكبر نسبة لعدد السكان، وأن مدينة درنة هي الأعلى نسبة في تصدير هؤلاء مقارنة بباقي المدن الليبية، حيث بلغ عدد الليبيين في تلك الوثائق 122 من 606 وعدد الدراونة 52 من ال 112.

لا أقول أن هذا الرقم يشكل صدمة لكل من يعرف ليبيا ومدينة درنة بالذات في زمن تعودنا فيه على الصدمات التي صارت زادا يوميا ودخلت في قيمة العادى والمألوف، ولكن على أقل تقدير يمثل هذا الرقم المتنامي إشارة مباشرة وأليمة إلى المدى الذي وصله الخراب في نسيج المجتمع المديني الذي حولته الظروف إلى تكوين واهن يحكمه اليأس وتتنامى فيه ثقافة الموت ويرسم الفقر والكبت مستقبل يومه وغده، فمدينة درنة هي من أعرق الحواضر الليبية واشتهرت دائما برقي سكانها وشغفهم بالفنون وحب الحياة وسيادة العلاقات المدينية وتميزت بجمال طبيعي نادر بشلالها الشهير وشاطئها الخلاب وغابات الجبل الأخضر الكثيفة التي تحوطها، وعرفت في ليبيا بأنها مدينة الجمال حيث كانت سواقيها تتخلل الأزقة وتنتشر في شوارعها عرائش الياسمين بحيث كانت منذ زمنا قريبا براح اندلسي طالما ضرب به المثل في الجمال والندرة.

مالذي يحول مدينة كهذه إلى مصنع لتفريخ التطرف واليأس؟ في التحقيق المطول يورد المحرر كيفن بيرانيو الذي جاء للمدينة للكتابة عنها قصة احد شبابها الذين ذهبوا للعراق والظرف الذي دفعه بداية لذلك واردا هذه الجملة المفتاح على لسان أخيه: كان الوضع الاقتصادي مريعا، وكان يبحث عن عمل كل يوم. ثم يمضي في السرد كيف ان هذا البائس اضطر إلى حمل طاولة قابلة للطي يضع عليها مجموعة من العطور الرخيصة محاولا بيعها قبل ان يرجع لبيت العائلة ويعكف على مشاهدة الاخبار وفيلم عمر المختار بينما كان شعور القهر والمهانة ينمو داخله ويدفعه لخيار التطرف، أنها قصة عشرات الآلاف من الشباب في هذا البلد الذي تبلغ نسبة البطالة فيه حوالي 30% رغم أنه يعوم على بحيرات من النفط في كل نواحيه، وبالإضافة إلى الفقر والتهميش تغلفت الحياة في هذه المدينة والمدن الليبية الأخرى – وطبعا العربية – باسلوب حياة كئيب يسوده القمع والفراغ والكبت بمختلف انواعه، مما جعل من هذه الشريحة هدفا سهلا للتضليل والاستغلال، فمدينة درنة هذه هي نفسها التي شهدت منذ منتصف التسعينات وجودا بارزا للجماعة الاسلامية المقاتلة ولازال هذا الوجود مستمرا إلى اليوم كرد فعل على تطرف السلطة السياسية الحاكمة وايضا سيادة النموذج البدوي الذي خلخل النسيج الاجتماعي بعد افقاره اقتصاديا وحول البنية الاجتماعية إلى بنية قبلية يتراجع فيها الفرد لأصوله البدائية للمحافظة على كيانه بعد أنهيار الدولة.

قصة درنة هي اختصار للخراب الثوري الذي حل بالمجتمع العربي عموما وليبيا خاصة، وهو خراب بنى على القوة ثم صار من أهم دوافع انتاجها في الاتجاه المعاكس بهدف تدمير الذات والآخرين وكل ماحوى المعبد مادام الافق معدوم والمستقبل غامض واليوم لهاث خلف لقمة عيش مغمسة في الذل.

مجاهد البوسيفي
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في صحيفة "العرب" القطرية ، الأربعاء 15 مايو 2008م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home